هرر مدينة إثيوبية تميزت بعزلتها حفاظا على تقاليدها

الخميس 2014/08/28
يشكل تقليد إطعام الضباع من قبل السكان عند أبواب هرر نقطة جذب سياحية

هراري – لم تمنع أسوار مدينة هرر الإثيوبية القديمة تغلغل العالم الحديث إلى داخلها، إلا أن التقاليد التاريخية الثقافية والدينية الخاصة بهذا المكان ما تزال حية.

إلى جانب الألواح الإعلانية المعلقة على مبان متداعية، ومتاجر السلع الإلكترونية الصينية، يسهر ناشطون في مدينة هرر الإثيوبية على المحافظة على التقاليد، من إنتاج الألبسة إلى تجليد الكتب مرورا بالغناء والرقص.

ويوضح عبدالله شريف، وهو مالك متحف يضم مجموعة كبيرة من الموروث الثقافي لشعب الهرر “مع العولمة لا يمكننا منع حدوث بعض التغييرات إلا أن الثقافة والدين صامدان”. ويؤكد “سنحافظ على ثقافتنا وتقاليدنا وحضارتنا القديمة من خلال إحيائها” وهو يقف أمام قطع نقدية قديمة ومصاحف اصفرت أوراقها وفساتين حريرية قديمة وخناجر طالها الصدأ.

في إطار حملة المحافظة على التراث هذه، يدير شريف ورشات تجليد كتب على الطريقة التقليدية، كما يعد نسخا رقمية للكتب والأناشيد القديمة.

واسست مدينة هرر المحصنة في القرن العاشر وتقع على بعد 525 كيلومترا شرق أديس أبابا، وهي من أقدم مدن شرق أفريقيا، وتعود ثلاثة من مساجدها الاثنين والثمانين إلى تلك الحقبة.

سوق مدينة هرر التاريخي

وشيدت أسوار المدينة بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، وهي تضم خمس بوابات لا تزال قائمة، كانت تفتح على المحاور الخمسة المؤدية إلى المدينة في تلك الفترة. والمدينة مدرجة في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي وتضم مئات الدور التقليدية التي تتعرج بينها شبكات من الأزقة الضيقة.
في القرن السادس عشر كانت هرر عاصمة إحدى الممالك، وأصبحت موقعا تجاريا مهما ومركـــز دراســـات إسلامية كذلك، وتــحولت في القـــرن السابع عــشر إلــى إمــارة مســـتقلة.

وكان المستكشف البريطاني ريتشارد بورتن أحد الأوروبيين الأوائل الذين دخولوا المدينة، حيث دخلها في العام 1854 متنكرا باعتبارها كانت حينها محرمة على غير المسلمين. اعتبارا من 1880 أقام فيها الشاعر الفرنسي ارتور ريمبو مرات عدة في إطار مهمات تجارية مختفلة في المنطقة.

في العام 1887، ومع سيطرة الإمبراطور مينيليك الثاني على المدينة وضمها إلى إثيوبيا، بدأت حقبة جديدة، وفتحت هرر للمسيحيين الإثيوبيين من إثنيات مختلفة وللأجانب.

لكن سنوات العزلة الطويلة جعلت المدينة تتمتع بهوية متفردة وتتميز بلغة الهرر التي تمت المحافظة عليها، وبنظام تجاري حديث ومنتجات حرفية مشهورة، لا سيما تجليد الكتب والنسيج والدباغة، وثقافة شعرية وحفلات دينية مختلفة.

ويوضح المؤرخ وعالم الاجتماع الإثيوبي عبدالصمد إدريس “ثقافة الهرر مختلفة سواء على صعيد الأكل والتصرف أوغير ذلك”.

ويضيف “يريدون أن يحافظوا على ما هم عليه، لا يريدون تقليد الآخرين. أما بشأن تأثير الغرب فهم يقولون: ‘نريد أن نأخذ بعض الأشياء لكن ليس كل شيء نأخذ ما يـحلو لنا’”.

في السوق القريبة، تتجاور سجادات الصلاة مع أقمصة فرق كرة القدم والنظارات الشمسية.

عرفت هرر بمنتجاتها الحرفية وحفلاتها الدينية المميزة

وهرر اليوم هي خليط متوازن بين قديم وحديث، فالورع الديني والتقاليد الراسخة لا يمنعان انتشار الأجهزة الحديثة من الهواتف المحمولة والحواسيب.

ويشكل تقليد إطعام الضباع، الذي لا يعرف أصله بالتحديد، من قبل السكان عند أبواب المدينة، نقطة جذب سياحية.

أما احتفالات عيد الفطر، التي لا تزال على حالها منذ قرون، فتجذب آلاف الزوار إلى المدينة للمشاركة في فعاليات موسيقية وغنائية وولائم تستمر ثلاثة أيام.

لكن بعض التحولات التفصيلية طرأت على تقاليد المدينة، فعازفو الإيقاع استعاضوا عن الرداء الحريري التقليدي بقمصان قطنية، وهم يجذبون عدسات مئات الحاضرين في الاحتفالات.

وتقول مريم شريف، وهي شابة من الهرر، أتت من الولايات المتحدة للمشاركة في هذه الاحتفالات، إن هذه التغيرات التفصيلية لا تهم طالما أن الجذور ما تزال راسخة.

وهي على غرار كثيرين من شباب المدينة، يوثقون تقاليدها ويسهمون في نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومن هؤلاء الشباب أمير رضوان الذي يقول “أخشى أن نفقد هذه التقاليد يوما ونبكي عليها”.

ولذلك ينخرط هذا الشاب في نشاط دؤوب على موقع فيسبوك، يشجع فيه شباب مدينته على تعلم تقاليدهم وإرثهم الثقافي. ويقول “علينا أن نستخدم كل الوسائل في سبيل ذلك، بما فيها التقنيات والوسائل الحديثة”.

20