هرطقات جورج طرابيشي أسلوب فعال لمقاومة الأصوليات

الاثنين 2014/04/14
جورج طرابيشي مفكر حمل هم التنوير في مجتمع أثخنته الانكسارات

تونس- بدﻋوة ﻣن ﺟﻣﻌﯾﺔ اﻷوان وراﺑطﺔ اﻟﻌﻘﻼﻧﯾﯾن اﻟﻌرب احتضن بيت الحكمة بقرطاج بالعاصمة التونسية ﻧدوة احتفائية بالمفكر العربي جورج طرابيشي حملت عنوان “ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ ومساهمته ﻓﻲ اﻟﺗﻧوﯾر العربي”، تخللتها جلسة افتتاحية وثلاث جلسات علمية، ساهم فيها عدد من أبرز المثقفين العرب من سوريا والمغرب وتونس ولبنان والعراق.

تأتي ندوة “ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ ومساهمته ﻓﻲ اﻟﺗﻧوﯾر العربي” في إطار مناخ عربي موسوم في الكثير من أحواله بالردة عن قيم التنوير وانتشار الأفكار التكفيرية والتحريض على العنف والكراهية والفتنة، ما يجعل من هذا التكريم رسالة تحدٍّ في مواجهة قوى الجهل والعنف والظلام.


مثقف تنويري


الندوة التي حظي فيها جورج طرابيشي بأول تكريم عربي، وقد بلغ سن الرّابعة والسبعين، أجمع المتدخلون فيها على دور المحتفى به في إغناء الخزانة العربية وفي ربط الثقافة العربية بالمعرفة الحديثة عبر ترجماته لنصوص سارتر وإميل برهييه وفرويد، ثم من خلال مؤلفاته في النقد الأدبي، ثم “هرطقاته” البليغة حول العلمانية والديمقراطية، وهنا لا بأس بالتذكير بأن “هرطقات” طرابيشي كما سيقول عزيز العظيمة هي أسلوب فعال لمقاومة الأصوليات، ثم بواسطة مشروعه النّقدي للتراث، سواء تعلق الأمر برباعية ـنقد نقد العقل العربي أو بكتابه الأخير من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، والذي حظي بنقاش كبير.

في كلمة الافتتاح، أشادت رﺋﯾﺳﺔ ﺟﻣﻌﯾﺔ اﻷوان رﺟﺎء ﺑن ﺳﻼﻣﺔ بإسهامات المحتفى به وبدوره في تجديد الثقافة العربية وفتح أبواب جديدة غير مطروقة أمام اللغة العربية، وأشارت إلى أبعاد ودلالات هذا التكريم، من حيث هو تكريم للمثقف العربي التنويري بصفة عامة في وقت ما أحوجنا فيه إلى التنوير، وهو اعتراف بالجهود المضنيّة لجيل حمل همّ التنوير، وحفر الصخر بالأظافر، وأحرز انتصارات وانكسارات، وهو ترسيخ لأهم ما يبقى حين تتغيّر القضايا وتتبدل المعارك الفكرية، الحقّ في الاستعمال العمومي والحر للعقل.

تكريم طرابيشي هو تكريم لجيل حمل هم التنوير وهو ترسيخ لأهم ما يبقى حين تتغير القضايا وتتبدل المعارك الفكرية

وﻓﻲ اﻟﺟﻠﺳﺔ نفسها، تطرّق ﻣؤﺳس راﺑطﺔ اﻟﻌﻘﻼﻧﯾﯾن اﻟﻌرب وﻣوﻗﻊ اﻷوان ﻣﺣﻣد ﻋﺑد اﻟﻣطﻠب الهوني لعلاقته ﺑطراﺑﯾﺷﻲ الذي عرفه عن قرب، مشيداً بدوره النهضوي على امتداد سنوات طويلة. وبأسلوب بليغ الدلالة أطلق عبارة مدوية يقول فيها : إن جورج طرابيشي الذي هو امتداد للبستاني وجرجي زيدان سيدخل التاريخ إذا بقيت للعرب باقية. وبعد هذا ﺗﺣدث رﺋﯾس ﺟﺎﻣﻌﺔ منوبة ﺷﻛري اﻟﻣﺑﺧوت مبرزاً اﻟدور اﻟﺛﻘﺎﻓﻲ اﻟذي أنجزه طراﺑﯾﺷﻲ وﺗرك من خلال مؤلفاته وترجماته أثرا كبيراً ﻋﻠﻰ الجيل الجديد من ﻣﺛﻘﻔﻲ ﺗوﻧس.


فولتير العرب


ﺗرأّس اﻟﺟﻠﺳﺔ اﻷوﻟﻰ ﻋﺑد اﻟﻣﺟﯾد اﻟﺷرﻓﻲ، وخلالها ﺗحدّث ﻋزﯾز اﻟﻌظﻣﺔ (ﺳورﯾﺎ) ﻋن علاقته ﺑطراﺑﯾﺷﻲ وبفكره، وحدّد نقط اتفاقه معه، من حيث التشديد على العلمانية، والموقف الحاسم من المشاريع الظلامية، والحاجة إلى الاستعمال العمومي للعقل، ومخاوف الانتكاسة نحو عصر وسيط جديد، كما حدد نقطة الاختلاف الرئيسية في ضرورة التراجع عن نعي الماركسية.

وقد ﺣﻣﻠت ﻣداﺧﻠﺔ ﺳﻌﯾد ﻧﺎﺷﯾد (اﻟﻣﻐرب) ﻋﻧوان “ﻛﻼم ﺻﻐﯾر ﻋﻠﻰ هامش ﻛﺗﺎب ﻛﺑﯾر”، انطلق فيها من المشروع الأخير لطرابيشي “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، مذكرا بأن مشروع طرابيشي بالجملة يقع ضمن محاولة تحرير الدين من الخرافة وتحرير الإسلام من الرؤية السحرية للعالم. ﻛﻣﺎ ﺗﺣدث ﻓﻲ هذه اﻟﺟﻠﺳﺔ ﺧﺎﻟد ﻏزال (ﻟﺑﻧﺎن) وﻛﺎﻧت مداخلته ﺑﻌﻧوان “ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ، ﻣﺣطﺎت ﻓﻲ ﻣﺳﯾرة ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ ﻓﻛرﯾﺔ”، تعرض فيها إلى مختلف المراحل السياسية والفكرية التي مرّ بها الرجل، مذكرا بأن الرجل ظل ملتزما في كل انتقالاته بالموقع الحداثي وبالوظيفة التنويرية.
"هرطقات" طرابيشي هي أسلوب فعال لمقاومة الأصوليات

وقد ﺗرأس اﻟﺟﻠﺳﺔ اﻟﺛﺎﻧﯾﺔ ﻋزﯾز اﻟﻌظﻣﺔ، وقدم فيها وﻟﯾد ﺧﺎﻟص (اﻟﻌراق) ﻣداﺧﻠﺔ ﺑﻌﻧوان “أﻟﺳت ﻓوﻟﺗﯾر اﻟﻌرب؟”، مرجحا أن يكون الجواب هو نعم. وﺗطرقت ﻧﺎﺟﯾﺔ اﻟورﯾﻣﻲ (ﺗوﻧس) في ﻣداﺧﻠة ﺑﻌﻧوان “ﻓﻲ ﺗﺣرﯾر اﻟﻌﻘل اﻟﻌرﺑﻲ” إلى دور مشروع طرابيشي ومساهمته في تحرير العقل العربي من أسر الأصولية والتخلف.


استراتيجيات التنوير


أﻣﺎ اﻟﻣداﺧﻠﺔ اﻟﺛﺎﻟﺛﺔ ﻓﻛﺎﻧت ﻟﺿﺣﻰ ﺑوﻋﺟﯾﻧﺔ (ﺗوﻧس) ﺑﻌﻧوان “اﻟﺑﻌد اﻟﻣﺎرﻛﺳﻲ ﻓﻲ ﻓﻛر ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ”، وهذه المرّة بمعزل عما أسماه عزيز العظمة بنعي الماركسي في فكر طرابيشي فقد حاولت المداخلة أن تبرز الخلفية الماركسية لدى رجل ترجم أمهات الكتب للماركسية المندرجة تحديداً ضمن ما يسمى بالماركسية “غير الرّسمية”، على رأسها مؤلفات ليون تروتسكي.

وكانت اﻟﺟﻠﺳﺔ اﻟﺛﺎﻟﺛﺔ ﺑرﺋﺎﺳﺔ وﻟﯾد ﺧﺎﻟص (العراق)، وقدم فيها الأستاذ هاشم ﺻﺎﻟﺢ (ﺳورﯾﺎ) ﻣداﺧﻠﺔ بعنوان “ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ واﻟﺗﻧوﯾر اﻟﻌرﺑﻲ”، متناولا بالدرس والتحليل استراتيجيات التنوير العربي ودور طرابيشي في ذلك الرهان، وﺗﺣدث أيضا ﻓﺗﺣﻲ اﻟﻣﺳﻛﯾﻧﻲ (ﺗوﻧس) في موضوع “ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ ﻣﺗرﺟًﻣﺎ” عن دور الترجمة في توسيع دائرة المفكر فيه عربياً، وﺗﻧﺎول وﺣﯾد اﻟﻣﻛﻧﻲ (ﺗوﻧس) في موضوع “ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ ﻧﺎﻗﻼً ﻟﻠﻣﻌرﻓﺔ” دور طرابيشي في نقل المعرفة الحديثة.

وﺧﺗﻣت أﻣﯾﻣﺔ ﻋﯾﺎدي (ﺗوﻧس) سلسلة العروض بمداخلة تحت ﻋﻧوان “اﻟدﻻﻟﺔ واﻟﺳﯾﺎق اﻟﻧﺻﻲ ﻓﻲ ﻧﻘد ﺟورج طراﺑﯾﺷﻲ” مبرزة آليات العمل النقدي عند جورج طرابيشي.

وفي ختام الندوة ﻗدّم ﻣﺣﻣد الهوني درع ﺗﻛرﯾم ﻟلمحتفى به، ثم ألقى جورج طرابيشي ﻛﻠﻣﺔ ﺷﻛرَ فيها جمعية الأوان على المبادرة، وشكر ﻣﻧظﻣﻲ الحفل، والأساتذة المساهمين، وكذلك الجمهور الكريم الذي حج إلى بيت الحكمة للمشاركة في الحفل، وﻗدم ﺻورة ﻣوﺟزة ﻋن أهم اﻟﻣﺣطﺎت ﻓﻲ حياته اﻟﺛﻘﺎﻓﯾﺔ، منذ أدرك مبكراً حاجة مجتمعاتنا إلى إصلاح ديني وثقافي عميقين، ﻣﺗوﻗًﻔﺎ ﻓﻲ الأخير ﻋﻧد أساسيات نقده اﻟمعرفي الشهير لمشروع المفكر اﻟرّاﺣل ﻣﺣﻣد ﻋﺎﺑد اﻟﺟﺎﺑري، معترفا أيضا بأن هذا النقد قد أفاده في بناء ثقافته التراثية على مدى ربع قرن من الزمن.

14