هرمون السلام

الثلاثاء 2016/11/29

"أوجدوا تنمية أضمن لكم سلاما" مقولتي هذه هي خلاصة بحث ودراسة في أفضل ممارسات الشعوب، واستقراء لأجمل نتاج الثقافات البشرية المختلفة استمرت طيلة الخمس سنوات التي سبقت العشرين من ديسمبر 2008 عشية إطلاق منظمة سلام بلا حدود الدولية كمنظمة دولية تعنى ببرامج السلام والبيئة والديمقراطية وحقوق الإنسان منظمة غير حكومية وغير ربحية.

ومع تفشي سرطان الإرهاب واتساع رقعة الحروب وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان وامتهان كرامته والاتجار بأعضائه البشرية تارة، والسعي لجعل المرأة سلعة جنسية في سوق النخاسة العالمي الحديث تارة أخرى، وتهديد الطفولة تارة بالجهل وتارة بالحروب وأخرى بالإهمال والتشرد والفقر والسباق الدولي المحموم نحو التسلّح وازدياد مهددات السلام البيئي والتغير المناخي وتحول رعاة السلام العالمي إلى تجار حروب وسماسرة سلاح، وقلب موازين المبادئ الإنسانية والشرائع السماوية بما يخدم مصالح الفساد والهيمنة وقوى الشر والامبريالية القديمة والناشئة.

كل هذه الأسباب مجتمعة تدعونا إلى البحث عن مسببات نقص المناعة لدى مجتمعات وشعوب العالم، وتتطلب تشخيصا دقيقا نحو حاجتنا الملحة إلى ترياق المناعة المفقود هرمون (P Peace)

عشقت ثقافة السلام وبحثت في دهاليزها وتهت في أزقتها قرأت لعظمائها ومفكريها، ترنمت بمزاميرها وتلوت آياتها في محراب الأمل وتخيلت السلام نارا موقدة تلتهب كمنارة، تشع وسط بحر لجي تكسوه ظلمات ثلاث؛ ظلمة الليل وظلمة الخوف وظلمة المجهول الذي تساق إليه البشرية.

تخيلت السلام باقة ورد جمعت شقائق النعمان والزنبق والقرنفل والأوركيد والخزامى والياسمين وزهور الأستر وورد الفلامنجو وزهر عصفور الجنة؛ تخيلته حقول قمح تارة، وحقول لافيندر تارة أخرى.

رسمت السلام نخلة باسقة شامخة يانع ثمرها في واحة في صحراء قاحلة. تصورت السلام حسناء فاتنة كاعبة متبرجة لحاظ عينيها سهام، وعطرها كأنفاسها هيام، وقربها غرام وليس على من يعشقها ملام. حورية ما تغزل بها شعراء المعلقات، ولا ذكرها الرواة الثقات، ولا جاء وصفها في فاحش شعر أبي نواس ولا تغنى بها نزار بعذري الإحساس. ومرت السنوات فإذا بكل صورة جسدت بها السلام تتحول قاعا صفصفا، كل قانون دعا إلى السلام وجدته يعاني الهزال، كل ثقافة دعت إلى السلام وجدتها مصابة بالأنيميا.

مؤتمرات السلام أمام وسائل الإعلام صور براقة، وخلف الأبواب الموصدة مكائد الخاسر فيها ذاك الإنسان البسيط في حقل أو مصنع، ذاك الشيخ المتعبد في كنيسة أو مسجد، ذاك الطفل في مدرسته أو في فناء بيته، الخاسر تلك المرأة العاملة أو المربية.

نجوب العالم بحثا عن فيتامينات تنشط هرمونات الجسد وتقاوم الأمراض وغفلنا عن هرمون السلام الذي يضفي على الروح سموا وطمأنينة تنعكس على حياتنا، فاليوم الذي نوجد فيه السلام الداخلي لذواتنا هو اليوم الذي نهب فيه السلام لمن حولنا. كل يصنع سلامه الداخلي ويضفي على بيئته سلاما هو يصنعه ويعيشه لا يشبه الآخرين، وإن تشابهت النتائج.

ثقافات الشعوب المختلفة وأديانها وموروثها مهما تعددت أعراقها وتنوعت مشاربها إلا أن غايتها واحدة، كل البشر يبحثون عن هرمون السلام ولا يتأتى السلام إلا بالحب والمعرفة واحترام وجود الآخر، لا يمكننا الحصول على بيئة يغمرها هرمون السلام ما لم نؤمن بالعولمة الإنسانية والحرية الفكرية والعدالة الاجتماعية، فهي السبيل إلى السلام التنموي.

هرمون السلام المفقود لن نجده في المختبرات الطبية، ولا في مراكز الأبحاث الجينية ولن نجده لدى خبراء الإبر الصينية أو العطارين. أجمع المختصون في علاج اضطراب الهرمونات أن العلاج يتم بثلاثة حلول، الهرمونات البديلة والهرمونات المتطابقة بيولوجيا والعلاجات العشبية، هذه الحلول إذا أردنا أن نعالج إنسانا واحدا. أما أذا أردنا علاج مجتمعات بأسرها تفتقر إلى هرمون السلام فالعلاج هو؛ لا عنف، ولا تمييز، لا طائفية.

وقد نجح كل من عبدالغفار خان والمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ ومانديلا وغيرهم في صنع مجتمعات سليمة معافاة تتمتع بهرمون السلام. ليس بالمال وحده تبنى التنمية بل بالمبادئ والتعليم. وكما قال غاندي “السلام شيء سريع العطب تماما مثل الصحة، فهو بحاجة إلى الكثير من الظروف الملائمة والإرادات الحسنة المتضافرة”.

مؤسس ورئيس منظمة سلام بلا حدود الدولية

9