هروب حماس من المصالحة الفلسطينية

الاثنين 2018/01/15

التطورات التي تمر بها القضية الفلسطينية، أثبتت أن المصالحة الوطنية ليست أولوية، فبعد شوط مضن قطعته مصر لتقريب المسافات بين حركتي فتح وحماس للوصول إلى اتفاق يحوي قدرا من الوفاق، تباعدت السبل الآن على وقع متغيرات سياسية طارئة.

عندما أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره باعتماد القدس عاصمة لإسرائيل، كان من المنتظر أن يصبح هذا التطور دافعا لتسريع خطوات المصالحة، لكن ما حصل أن حركة حماس اتخذت منه شماعة للقفز فوقها.

كما أن حركة فتح وجدت فيه مبررا للتنصل من الوفاء بالتزامات قطعتها على نفسها في القاهرة، ومنحت ملف القدس جهدها وابتعدت عن المصالحة وقيودها وما تنطوي عليه من تداعيات سياسية.

تلازم رغبة الحركتيْن في الابتعاد عن المصالحة، ضاعف من صعوبة الموقف المصري الرامي إلى إعادة تجميع الخيوط، لأن كل جهة تعمدت المبالغة في التعامل مع ملف القدس المتفجر أصلا منذ فترة طويلة، وتحويله إلى أداة تلفت الانتباه لقضايا بعيدة عن المصالحة، التي تقضي باتخاذ إجراءات لا تريدها كل حركة، أو تستطيع الاعتراف صراحة بأنها ترفضها.

الواضح أن البيئة الإقليمية تلعب دورا مهما في ملف المصالحة، فكلما ازداد الخناق على حركتي فتح وحماس، ارتفعت درجة الاستجابة، والعكس صحيح، وتتوقف نسبة التنازلات التي يقدمها كل طرف على حجم الضغوط الواقعة عليه.

الفترة الماضية، تصورت حركة فتح أنها في موقف أقل حدة من حمـاس، وانخرطت في المصالحة وهي على يقين أنها سوف تحصد مكاسب عدة، أو على الأقل تخفف الخسائر التي تكبدتها وصبت في حصالة حماس.

التفاصيل التي جلبتها مناقشات ومحادثات القاهرة، أكدت ضرورة أن يقدم كل طرف تنازلات تؤسس لتفاهمات أكثر رسوخا، من هنا لجأ الجانبان إلى المراوغات وتحميل الآخر مسؤولية التعثر، إلى أن جاءت أزمة القدس، وتلاها تلويح أميركي بقطع المساعدات الاقتصادية عن السلطة الفلسطينية، والاستغراق في اجتماعات عربية وإسلامية للرد على واشنطن.

وبدلا من أن تكون هذه النوعية من التطورات حافزا للمصالحة، أصحبت معوّقا، لأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يحاول استثمارها سياسيا، وبدأ حملة رمزية للهجوم على الولايات المتحدة، وقام بجولات مكوكية لإعادة الزخم إلى القضية الفلسطينية، لدعم فكرة أنه الرمز الرسمي للقضية.

في هذا السياق، تجاهل أن قدرته على التأثير الحقيقي تتوقف على حجم التكاتف والتلاحم الوطني، والخطوات والتحركات التي قام بها قد تكون جيدة سياسيا، لكن مردودها المادي يرتبط بقدرته على جمع الشمل الفلسطيني لمواجهة التحديات الضخمة التي وضعتها إسرائيل.

المسألة أشدّ قتامة بالنسبة إلى حركة حماس، فهي قبلت بشروط المصالحة المجحفة، من وجهة نظرها، في ظرف سياسي بالغ الحساسية، وتعرضت لضغوط إقليمية عنيفة، لأن الحلفاء الذين تعتمد عليهم كانوا بحاجة أكثر إلى المساعدة.

قطر انغمست في أزمتها مع الدول العربية الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) والأدلة التي تلاحقها بشأن دعم الإرهاب والجماعات الإسلامية المتطرفة، ومن بينها حماس، ولم تعد لديها رفاهية التمسك كثيرا بمساعدتها واحتضان قياداتها في الدوحة.

تركيا أخذت أزماتها الداخلية تستنزف جهودها، وانخراطها في الأزمة السورية ألجم جزءا من حركتها الإقليمية، وجاءت الاتهامات التي تلاحقها بدعم الجماعات المتطرفة لتقضي على جزء آخر من انفتاحها على حماس وعلى غيرها في المنطقة.

إيران، وهي داعم رئيسي لحماس، خفت صوتها، عقب تصاعد حدة الضغوط التي تتعرض لها، مع الشكوك التي تلازم حركة حماس لانفتاحها عليها وحشرتها في زمرة الميليشيات التي تعتمد عليها، فاضطرت إلى الانحناء للعواصف السياسية التي لاحقتها حول العلاقة المشبوهة بطهران.

حماس، مثل غيرها من الحركات الإسلامية، معروفة بانتهازيتها العالية، قبلت الدخول في المصالحة الفلسطينية في أجواء بدت قاتمة، لم تترك لها مساحة للفكاك منها، وقبلتها على مضض، ووافقت على ترتيبات رفضتها من قبل عندما كانت لها مخالب إقليمية تدعمها بقوة.

الصورة تبدلت والأزمات تزايدت والتعقيدات تراكمت، بعد انفجار أزمة القدس، وكما اتخذتها فتح أداة للهروب إلى الأمام فقد وظفتها حماس على طريقتها للتراجع إلى الخلف، وعادت تمتدح دور طهران في “نصرة القدس والقضية الفلسطينية”، في إشارة حملت معنى التعجيل بالاستدعاء السياسي والمادي لها.

الواقع أن حماس، وسط محاولاتها لاسترجاع عافية علاقاتها المعلنة مع إيران، لم تبتعد عن مصر، ولم تترك كلّا من تركيا وقطر، ودرجت قيادات الحركة على توصيل رسائل إيجابية لكل منهما، وهي في قمة انخراطها في محادثات المصالحة الفلسطينية بالقاهرة.

ظاهرة الانفتاح على دول مختلفة ومتناقضة في آن، لها علاقة بالسيولة التي تتمتع بها حاليا العلاقات الدولية، فلا تملك حركة أو دولة الرهان دائما على قوة واحدة، ولا تستطيع وضع كل الطموحات في سلة واحدة، لأن التغيرات التي يمر بها العالم أصبحت كافية لعدم التفريط في بعض الأوراق.

ما يحدث هو عملية تبادل تفرضها مقتضيات المرحلة، وهذه عملية تشترك فيها فتح وحماس، وهي عملية واضحة في تصرفات كل منهما، غير أن الفارق الجوهري أن الثانية تقوم بها انطلاقا من قناعات أيديولوجية راسخة، وتقدم أو تؤخر علاقاتها ببعض القوى بطريقة تتسق مع التقديرات السياسية لكـل مرحلة، وتكشف عن وجهها القبيح عندما تكون الفرصة مواتية.

قفزة حماس على المصالحة حاليا، استفادت من أخطاء ارتكبتها السلطة الفلسطينية، لكن حتى لو أن قيادة السلطة لم تقع في أخطاء، كانت حماس اخترعتها وبحثت عنها، لأن المصالحة الوطنية ليست لها أولوية في توجهاتها السياسية، وربما تترتب عليها إجراءات تحشرها في زاوية تجد صعوبة في الفكاك منها.

التحاف الحركة برداء إيران وتركيا وقطر ليس بجديد، وقد خففت منه الشهور الماضية لتحاشي المزيد من الضغوط، ونجحت في الاقتراب من مصر، على الرغم من التباين الكبير بين الطرفين، وبدت القاهرة كمن صرف النظر عن الأخطاء الأمنية والحماقات السياسية التي ارتكبتها حماس في حقها، أملا في إحداث شرخ في علاقتها بالدول السابقة.

الشرخ الذي أرادته مصر لم تتمكن من الوصول إليه، لأن العلاقة التي تربط حماس بكل من طهران وأنقرة والدوحة، تقوم على مصالح استراتيجية يصعب التفريط فيها ما لم تكن هناك قوة ضاغطة لفصل عراها، ومن بين هذه المصالح عدم رضوخ الحركة لمصالحة تجردها مما يتصوره هؤلاء أنه مكاسب تم انتزاعها بالقوة من حركة فتح.

كاتب مصري

9