هرولة أردوغان نحو إيران: صفقات خارجية أم تغطية الفشل الداخلي؟

الثلاثاء 2014/02/04
أردوغان حاول إصلاح الصورة المشوهة لحزبه

رغم فضائح الفساد التي تلاحقه والاضطرابات الاجتماعية التي تشي بقرب سقوط حكومة العدالة والتنمية، يحاول أردوغان الهروب إلى الأمام من خلال البحث عن حلول لمأزقه السياسي بالالتجاء إلى إيران التي بدورها محاصرة بجملة من القضايا أهمها الضغوط الغربية بسبب ملفها النووي الذي يرغب الغرب في تسويته نهائيا وسط مخاتلة طهران. وقد كانت الزيارة الأخيرة التي أداها رجب طيب أردوغان إلى إيران في نظر المتتبعين بمثابة التعمية على الأزمة السياسية التي تعيشها تركيا والإيهام بأن الأوضاع الداخلية تشهد استقرارا على جميع المستويات وأن العلاقات الخارجية وضرورة تحسينها أصبحت الشغل الشاغل للدبلوماسية التركية. ويذهب محللون إلى أن رئيس الوزراء التركي بارتمائه في الحضن الإيراني يبحث عن إعادة الوئام بين طهران وأنقرة بعد أن تأثرت العلاقات السياسية بينهما بأزمات على رأسها سوريا، وأزمة الفضيحة المالية التي تورّط فيها رجل أعمال إيراني وهزت أركان حكومة أردوغان .

ونعرض هنا موقفين من المسألة الأول لخيام الزعبي الكاتب والباحث الأكاديمي السوري الذي يذهب إلى أن أردوغان يحاول إصلاح الصورة المشوهة لحزبه، خاصة أن الاقتصاد لن يعطيه دفعة قوية إلى الأمام، إلا أنه من الممكن أن تسهم السياسة الخارجية في ذلك والثاني لأمير الموسوي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية في طهران الذي يرى أن الزيارة تحمل أهمية بالغة لأنه تم الاتفاق خلالها على خارطة طريق جديدة تمد الجسور لتهدئة الأجواء في المنطقة.


محاولة إصلاح الصورة المشوهة لحزبه

الزعبي: التقارب الإيراني التركي برز مع توقيع اتفاقية جنيف


يعتقد خيام الزعبي أن الانتكاسات المتتالية في السياسة الخارجية لتركيا والنمو الاقتصادي المتباطئ شجعا على توجيه الانتقادات لحكومة العدالة والتنمية، لذلك حاول أردوغان إصلاح الصورة المشوهة لحزبه، خاصة أن الاقتصاد لن يعطيه دفعة قوية إلى الأمام، لكن من الممكن أن تسهم السياسة الخارجية في ذلك لاسيما إذا تمكن من أن يجعل تركيا مرة أخرى لاعبا رئيسيا في منطقة الشرق الأوسط.

و يرى الزعبي أن زيارة أردوغان إلى طهران، تعني ما هو أهم من التبادل التجاري الذي يتعدى العشرين مليار دولار والتعاون الأمني والسياسي القائم إلى ما يوصف بالتعاون الاستراتيجي.

إضافة إلى تطورات المنطقة بأكملها من العراق إلى لبنان واليمن، وحتى ما يجري في تركيا، يلتقي الإيرانيون والأتراك وكلاهما أحوج إلى الآخر، والموضوع هنا لا ينحصر في أنه سياسي أو عسكري أو اقتصادي، إنما الثلاثة معا، لاسيما وأن البلدين يواجهان كل على حده، الحملة ذاتهـا التي تستهـدف دورهمـا في المنطقـة.

ويعتقد الزعبي أن لسياسات تركيا في تصفير المشكلات مع جيرانها أثر في اقتراب تركيا من الموقف الإيراني حيث كانت أنقرة، جزءا من التحالف الغربي الذي يتبع سياسات معادية للقوى المعارضة للمشاريع الغربية في المنطقة لا سيما إسرائيل، لكن تطورين مهمين بدّلا من السياسات التركية المتبعة، الأول موافقة تركيا على نشر رادارات الدرع الصاروخية في الأراضي التركية في قمة لشبونة في خريف 2010 أي قبل اندلاع الثورات العربية، والتطور الثاني نشوب الأزمات والاحتجاجات في العديد من البلدان العربية ولا سيما في سوريا.

كما يرى أن التقارب الإيراني التركي برز على خلفية توقيع إيران لاتفاقية جنيف النووية في العام الماضي، هذا ما أدى إلى تغيير طريقة تعاطي السياسة التركية مع الأزمة السورية في المرحلة الأخيرة، وضرورات التوصل إلى حل سياسي لهذه الأزمة.

ويذهب إلى أن تحالف تركيا مع إيران سيمكنها أولا من صفقات نفط حاسمة بينها وبين العراق، كما سيساعدها على ضمان نهاية الحرب الأهلية في سوريا، وبالتالي إلى تأمين واستقرار الحدود بين الطرفين.

ويرى الزغبي أن فضيحة الفساد في تركيا قوضت سلطة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وبذلك واجه العديد من التحديات الخطيرة من قبل كل من العلمانيين المشككين في أجندته الإسلامية وحليفه السابق فتح الله كولن الذي أصبح من أكثر منافسيه.

واعتبر أن أردوغان يقف عاجزا أمام انخفاض نسبة النمو الاقتصادي والتي، وإن كانت لا تزال تتعدى الـ4 بالمئة، إلا أنها تتناقص بعد عشر سنوات من النمو المطرد، كما أن أسلوب القبضة الحديدية التي استخدمها ضد تظاهرات حديقة جيزي صيف 2013، وتشدده في المسائل الاجتماعية صبت عليه سخط قطاع كبير من المجتمع التركي، وبالتالي يمكن القول إن سياسة تركيا في صفر المشاكل مع دول الجوار لم تعد موجودة، وبكل بساطة فشلت تركيا في التوصل الى تبني سياسة دبلوماسية واقعية حيال التغييرات التي تشهدها المنطقة على أثر الربيع العربي.

ويشير خيام الزعبي إلى أن تركيا، بعد سقوط نظام الإخوان في مصر، تعيش نوعا من العزلة الإقليمية، كما أن إيران وفي ظل تدهور العلاقة مع السعودية ومع دول الجوار العربي باستثناء العراق وعمان، تجد نفسها في حاجة إلى شريك «سنّي» في المنطقة، تنسج معه علاقة استراتيجية لمواجهة الأخطار والتحديات التي تحدق بها.


خارطة طريق جديدة لترطيب أجواء المنطقة

أمير الموسوي: زيارة أردوغان لإيران مهمة


يرى أمير الموسوي على خلاف ما ذهب إليه خيام الزغبي أن زيارة أردوعان إلى إيران تحمل أهمية بالغة لأنه تم خلالها الاتفاق على خارطة طريق جديدة تمد الجسور لترطيب أجواء المنطقة.

ويعتقد الموسوي أنها زيارة مهمة جاءت بعد سنتين من الزيارة السابقة التي لم تكن تحمل الكثير من الألفة في ذلك الوقت بسبب تعاظم الأزمات الإقليمية لكن على ما يبدو أن هذه الزيارة تختلف بصورة كبيرة عن سابقتها. فالأجواء مواتية للتفاهم ومواتية للكثير من المواقف السابقة لذا يرى الموسوي أنها سجلت نجاحا مهما من خلال العبارات التي لاحظناها في لقاءات أردوغان وخاصة خلال لقائه الأخير مع خامنئي حيث قيلت كلمات مهمة تحمل معاني كبيرة.

كما تدل على أن هناك تفاهما مهما واستراتيجيا قد تم بين طهران وأنقرة سيؤثر إيجابيّا على العلاقات الثنائية وعلى مستوى التفاهمات الإقليمية وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية ويعتقد أن هذه العبارات مهمة ويمكن أن تكون مفصلية في المرحلة القادمة.

ويتوقع الموسوي حصول ذلك التفاهم الإقليمي لأنه في الحقيقة هناك حوار وجلسات مهمة قد تمت في هذا الشأن ويمكن القول أن تفاهما قد تم على مستويين على الأقل، المستوى الأول هو دعم الجهود السياسية في “جنيف 2 ” والمستوى الثاني إيجاد بدائل لو لم ينجح “جنيف 2”، ويعتقد أن هناك بدائل قد تمت دراستها وتهيئتها في الأشهر القادمة.

ويذهب الموسوي إلى أن هناك إرادة قد تمت بين أنقرة وطهران لإيجاد حل سريع وسياسي لهذه الأزمة وتشجيع الفرقاء على الحوار والتفاهم لإيجاد حل وإنهاء الحالة الإرهابية للتكفيريين في المنطقة وخاصة في سوريا.

ويعتقد أن ما تم التوافق عليه في طهران وما تم من حوار هو طرح نقاط استراتيجية حساسة ومهمة تفضي إلى تفاهم مهم في العلاقات الثنائية وكذلك حول الأزمات الإقليمية وعلى رأسها الأزمة السورية. إضافة إلى نقاط مهمة حول ما يدور في العراق وكذلك القضية الفلسطينية وقضايا أخرى قد طرحت بامتياز في هذه اللقاءات.

ويرى الموسوي أن هناك عجزا أميركيا واضحا عن تقديم حلول لأزمات الشرق الأوسط ممـا يجعـل الموقف الروسي مهما في هـذا التوقيـت ليدفـع نحـو الحلـول السياسيـة.

ويذهب الى أن هناك دولا عربية محورية قد دمرتها الحروب والنزاعات والتجاذبات السياسية وهي الآن مفككة ويعود ذلك إلى التدخلات الغربية. وأن إيران وتركيا ستساعدان تلك الدول على الاتفاق للخروج من المشاكل التي تعترضها مثل مشكلة الإرهاب.

ويشير الموسوي إلى أنه لا يمكن أن يحصل تعاون في المنطقة دون تقريب الرؤيتين الإيرانية والتركية المتمثلتين في محاربة الإرهاب وتهدئة الوضع الإسلامي والوقوف أمام هذه الفتنة الطائفية المشتعلة.

ويرى أنه حسب التصريحات التركية فإن هناك خطورة أصبحت تمثلها الجماعات المسلحة المتواجدة في سوريا والتي فقدت التمركز والقيادة الموحدة، وذلك يمكن أن يؤثر على الأمن الاستراتيجي التركي خاصة وأن أغلب تلك الحركات متواجدة على الحدود التركية. وهذا بالإضافة إلى أن إيران تنظر إلى تلك الجماعات على أساس أنها إرهابية تشكل خطرا على الأمن الإقليمي.


الفشل السياسي للعدالة والتنمية وراء الهرولة نحو إيران

أوغول: نطالب بإعادة كتابة الاتفاقية الموقعة بين تركيا وإيران باللغة التركية


تذهب العديد من القراءات إلى أن زيارة أردوغان الأخيرة إلى إيران هدفها اقتصادي بحت ولم تبحث في المسائل السياسية ولا في النقاط الخلافية التي باعدت بين البلدين فترة من الزمن.

وأكدت بعض التصريحات هذا المنحى إذ قال حسين فروغي وهو محلل في طهران: “إن مرافقة وزيري الاقتصاد والطاقة لأردوغان تؤكّد أن الزيارة هدفها تجاري”.

كما ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني أن أرودغان وقع ثلاثة اتفاقات تجارية قبل أن يغادر طهران. وصرح أردوغان قائلا: “أود أن أذكر بصفة خاصة الاتفاق الذي وقعناه في مجال التجارة التفضيلية وأن أعبر عن ارتياحي لذلك… معروف أننا نستورد من إيران النفط الخام والغاز وهما مصدران استراتيجيان للطاقة و(سيكون) بمقدورنا زيادة حجم هذه الواردات”. مضيفا أن بلاده تأمل في نمو حجم التبادل التجاري السنوي مع إيران إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2015.

وأشار إلى أن عام 2012 كان عاما ناجحا لكلا البلدين، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 21.8 مليار دولار، لكنه تراجع عام 2013 إلى 13.5 مليار دولار، وإلى أن الطرفين يملكان الإرادة السياسية الضرورية كي يصل حجم التبادل التجاري بنهاية عام 2015 إلى 30 مليار دولار.

وقد انتقدت المعارضة التركية تلك الاتفاقيات وقال نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري فاروق لو أوغلو: "نطالب بإعادة كتابة الاتفاقية الموقعة بين الطرفين باللغة التركية، والاتفاقية المشتركة عندما توقع بين دولتين تكتب بلغة الطرفين معا". ومع ذلك فإن هذه الدوافع الاقتصادية لا يمكن لها أن تعطي الأسباب العميقة وراء هرولة أردوغان نحو الحضن الإيراني.

ويذهب عدد من المحللين إلى القول إن تركيا تعاني تخبطا واضحا في سياستها الداخلية وكذا الخارجية، نتيجة التغير النوعي الحاصل في الساحة الدولية انطلاقا من مصر حيث تمكن الشعب المصري من إزاحة الصنم الإخواني نهائيا من المشهد مرورا باتفاق جنيف بين إيران والقوى الغربية ورفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا له في ظل محاولات قمع حكومتها للقضاء هناك، وصولا إلى فضائح الفساد التي عرت رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة وحزبه العدالة والتنمية أمام الرأي العام التركي والعالمي.

انهيار الحلف التركي الإخواني إذن وتبخر أحلام أردوغان بلعب دور مهم في المنطقة جعل أنقرة تبحث عن إعادة التموقع الجديد من خلال البوابة الإيرانية. وقد أشارت صحيفة غلوبال نيوز الصينية أن توجه أردوغان الاقتصادي يواجه عدة عقبات على رأسها تحذيرات الخارجية الأميركية من إقامة أية صفقات اقتصادية مع إيران، مؤكدة أن جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها مازالت قائمة دون تأثر بالصفقة النووية المؤقتة.

ويرى البعض أن الفشل السياسي لحكومة العدالة والتنمية والعجز على إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية هما السبب الرئيسي لتوجه أردوغان نحو إيران على أمل إنقاذ وضعه السياسي ووضع حزبه.

12