هرير دياربكريان رسام أرمني صنع زمنه الخاص

ظاهرة هرير الاستثنائية ترجع إلى أنه يرسم ما لا يتوقعه أحد. كل المشاهد التي يستحضرها تنتمي إلى عالم الحلم، حتى ولو كانت مصادرها واقعية.
الأحد 2020/02/16
رسام لا يشبه إلا نفسه

مدهش أن يعيش الفنان زمنه الخاص الذي هو من خلقه. إنه يقيم هناك وحده. في منطقة لا يصل إليها أحد. منطقته التي اجتهد في جمع عناصرها من أماكن وعصور مختلفة ليشكل منها حصنا هو ملكه وحده.

هرير ظاهرة استثنائية في ذلك المجال ذي الجاذبية الغرائبية. فهو يرسم ما لا يتوقعه أحد. كل المشاهد التي يستحضرها تنتمي إلى عالم الحلم، حتى لو كانت مصادرها واقعية. يلتقط الرسام موضوعاته كما لو أنه يحلمها. يضعها على طاولة ويفككها ثم يعيد تركيبها بطريقة توحي بقدمها.

الرسام في تحولاته

حكايات هرير المستلهمة من "ألف ليلة وليلة" تأسر الكثيرين، غربا وشرقا
حكايات هرير المستلهمة من "ألف ليلة وليلة" تأسر الكثيرين، غربا وشرقا

أحيانا يرسم كما لو أنه رسام بيزنطي. حينها تشبه رسومه الأيقونات البيزنطية من غير أن تصور موضوعات دينية. أحيانا أخرى يرسم زهورا، كان الانطباعيون الفرنسيون قد شغفوا برسمها. كما أنه يرسم خيولا بطريقة تنقلنا إلى الصحراء مباشرة. يستعير من الفن الإسلامي الزخارف والفسيفساء لا من أجل أن يؤكد هوية بعينها بل من أجل أن تلهمه تلك الأشكال إيقاعا، يشيد عليه رسومه. رسام غريب الأطوار أحب رسومه الملوك والأمراء.

حكاياته المستلهمة من “ألف ليلة وليلة” تأسر الكثيرين، غربا وشرقا. وهو لا يفعل ذلك من أجل أن يسترضي ذائقة استشراقية. إنه يفعل ما يراه منسجما مع طريقته في التعبير عن ذاته.

رسام لا يفكر في ما يفكر فيه الآخرون من حوله. إنه ليس عضوا في جماعة وهو ابن عصره الذي هو ليس عصر الآخرين. فالزمن بالنسبة إلى هرير هو ممر سري مفتوح وهو في ذلك إنما يتحدى الحداثة حين لا يستقر على أسلوب بعينه بالرغم من أن لوحاته يمكن التعرف عليها من غير الحاجة إلى رؤية توقيعه.

هرير ظاهرة فنية يصعب الحكم عليها نقديا. هناك من يصنفه باعتباره رساما تجاريا، وهو حكم فيه الكثير من القسوة. في المقابل هناك من يعتبره رساما فذا من جهة شغفه بالموضوعات الخالدة وقدرته على أن يعبّر عنها بمهارة.  ليس من اليسير اختزال تجربة رسام أقام أكثر من ستين معرضا عبر القارات بحكم نقدي قد لا يعبر إلا عن رأي صاحبه. ما فعله هرير بأناقة وهدوء ورقة قد يعجز الكثيرون بالرغم من صخبهم عن القيام به. هرير هو رسام النخبة الذي يمكن تداول رسومه شعبيا.

ولد هرير دياربكريان في عائلة أرمنية مهاجرة عام 1946 ببيروت. “رجل النار”، وهو معنى اسمه، بدأ دراسة الفن في جامعة الألبا عام 1964. عُرف بغزارته؛ أكثر من ستين معرضا، وأكثر من ألف لوحة. وكان متجددا، متعدد المصادر ينوّع في موضوعاته، لا يعنيه أن يكون أسلوبيا بالرغم من أن لوحته يمكن تمييزها بيسر. يقول “أنا أخذت من كل شيء وتأثرت بالتراث. ومن الغرب أخذت التقنية الحديثة”. غير أنه في الأساس يعتبر نفسه ملونا، “أنا ملون. أحب اللون”.

الرسام الذي حصل على ميدالية ذهبية من مدينة روما كما نال جائزة أوروبا بباريس عام 1989 تعمل مخيلته بطريقة غريبة. لقد اجتهد في أن يضع خبرة الرسام البيزنطي في خدمة تجربته الفنية المعاصرة. حدث لا يمكن توقع حدوثه إلا في حدود منطقة فكر ما بعد الحداثة، وهو ما لم يفكر فيه هرير، كما لو أنه يرسم أيقونة. غير أنه في الحقيقة لم يكن يفعل ذلك. لقد رسم خيولا ونساء. كانت النتيجة لوحات كلاسيكية يمكن أن تعلّق في القصور. ذلك ما أثار اهتمام الملوك والأمراء. ذلك رسام ينتج أعمالا متحفية.   

عزلة الفنان الناجح

الطبيعة، الحياة الصامتة، والوجوه.. محاور لا يستغني عنها هرير في خلق عالمه
الطبيعة، الحياة الصامتة، والوجوه.. محاور لا يستغني عنها هرير في خلق عالمه 

يقول هرير “أعتقد أن جزءا أساسيا من نجاحي يرتبط بكوني ركزت على خط معين في الرسم ينطلق من البيئة والحضارة التي أنتمي إليها، ولذا لم أسمح لنفسي بالتأثر بأساليب أو مدارس أو حضارات غربية بعيدة عني، إن كانت أوروبية أو أميركية أو غيرها. فالزخرفة والخط العربي والفن البيزنطي حاضرة، ورموز مثل الحصان والبادية بألوانها المختلفة واضحة في لوحاتي أيضا، وكل العالم تقبلها وأحبها على هذا الأساس”.

سيكون من الصعب القبول بهرير رساما حديثا. ذلك لأنه لا ينتمي إلى العصر الحديث وهو لا يدعي ذلك بل لا يرغب في أن يكون كذلك. حتى على مستوى البنية الثقافية فإن هرير كان دائما يعيش حالة انفصال. عزلة هرير عززت لديه شعورا نادرا بالتفرد وهو ما عمل نجاحه على تكريسه.  

أقام هرير معرضا في العام 2011 ببيروت حمل عنوان ”حنين“. وحين سئل عن مغزى ذلك الحنين كانت إجابته تلخيصا لفلسفته في الفن وطريقته في التفكير الفني. قال “إنه حنيني إلى الأصالة اللبنانية وإلى بيروت في مواجهة رسومات لا ينفك البعض يتجرأ على تسميتها إبداعا في محاولة فاشلة لإبهار الجمهور. حنين إلى الجسد – الموديل الذي هو في الأساس قطعة من الجمال وليس سلعة. حنيني إلى العري البديهي الملون. شوق إلى الزمن الجميل وإلى التصادم معه والتوافق”. في ذلك السياق يمكن القول إن هرير هو واحد من قلة من رسامي العالم العربي تحاول أن تعيد الرسم إلى موضوعاته التي يستطيع الرسام من خلالها الكشف عن مهاراته الفنية.

صانع المعجزات الصغيرة

الطبيعة، الحياة الصامتة، الموديل العاري والوجوه. تلك محاور لا يستغني عنها هرير في خلق عالمه هو الذي لا يبقي على أثر من الصياغة المدرسية التي تشكل أساسه. ذلك درس مهم. فالفن بالنسبة إلى هرير يبدأ من الحرفة لينتهي إلى الخيال. وهو حين يعلّق على ولعه برسم الخيول فإنه يعيدنا إلى قدم ذلك الموضوع الذي سعى الرسامون الكبار عبر العصور لأن يعبّروا من خلاله عن أساليبهم الفنية. فالحصان لم يكن سوى ذريعة للرسم.

من خلال تركيزه على موضوعات بعينها يكرس هرير صورة الرسام الذي يحول المناظر العادية بقوة الفن إلى أشياء نادرة، يشعر المرء أمامها كما لو أنه لم يرها من قبل. إنها جزء من عالم الرسام الذي يحتفظ بقدرته على أن يصنع صدماته من جهة الكشف عن جماليات العادي. هرير هو صانع المعجزات الصغيرة التي تنطوي عليها المرئيات اليومية. 

هرير فريد من نوعه. لا يشبه أحدا من الرسامين ولا أحد من الرسامين يشبهه. لذلك فهو ظاهرة في هذا العصر الذي لا ينتمي إليه. إنه ابن عصور مختلفة. وهو ابن مدارس فنية مختلفة أيضا. غير أنه بالرغم من موقفه غير المرحب بالأساليب الحديثة ليس رساما تقليديا. ولا يمكن القول بإنه رسام تجاري بالرغم من أن لوحاته تجذب الكثيرين ممن لا علاقة لهم بالفن وتدفعهم إلى شرائها.  سيكون علينا أن نعترف بأن هرير قد أضفى على التزيين نوعا من الهيبة. أحيانا ينتج أعمالا يمكن أن توصف بالتزيينية غير أنه التزيين الذي لا يخون الفن. هناك أثر من الفن يبقى مثل لمسة أخيرة يتركها الفنان.

هرير فنان حديث لكن بشروطه الشخصية. ما لا يحبه في الحداثة هو ذلك الجزء الذي خان الدرس المدرسي. تلك وجهة نظره الشخصية التي قد يختلف معه الكثيرون في شأنها. لذلك فإنه لا يحب أن يُقدم باعتباره فنانا حديثا. إنه ابن زمنه الفني. ذلك الزمن الذي صنعه من مزيج من الأزمنة والأساليب والمدارس الفنية. وهو ما يعبر عن نزعته في أن يكون ذلك الفرد الذي لا يشبه إلا نفسه.

9