هزم داعش في الرؤوس أولا

الخميس 2015/03/05

يندد عدد من مثقفي العالم العربي اليوم بالاعتداءات الوحشية التي يذهب ضحيتها العديد من المواطنين العرب والغربيين كل يوم على يد داعش. وإن كان واجبا تثمين كل مبادرة تندّد بالعنف ضد البشر مهما كانت التبريرات وفي أي زمان أو مكان، إلا أن التنديد المناسباتي غير كاف ما دامت المجتمعات العربية (ثقافة وسياسة) لا تعترف بالتنوع الديني والفلسفي.

تكفي إطلالة سريعة على الدساتير في هذه البلدان ليعرف المرء أنها تعتمد كلها على الشريعة الإسلامية كأساس للتشريع وتفرض الإسلام كدين وحيد للدولة. وبالتالي لا تعترف بمواطنة لا المسيحي ولا اليهودي ولا من لا دين له.

تقصي هذه اللامساواة المُدسترة غير المسلمين وتجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، وذلك يعرضهم لمصاعب كثيرة تفتح الباب في النهاية واسعا أمام احتقارهم أولا والاعتداء الوحشي عليهم وعلى مقدساتهم ثانيا.

ما هو واجب المثقف أمام هذا التمييز الرسمي؟ لا ينتظر الإنسان العربي السوي -الذي لم تلوث عقله الأساطير والحلول الوهمية- من المثقفين التنديد بما يقع، وإنما يطالبهم بنقد وتفكيك المنظومة القانونية المعتمدة أساسا على الشريعة الإسلامية والتي تؤسس للتمييز والتحرش الديني بطريقة مضمرة وصريحة.

ما جدوى أن يرفض هؤلاء أفعالا لا يملك أغلبهم الشجاعة على رفض الجهاز الأيديولوجي الذي يحرّض عليها ويعطيها الشرعية؟ ألا يعتبر المسلمون المسيحيين واليهود أهل ذمة؟ ألا تظل بهذا، فكرة التمييز القاتلة حاضرة في الوعي واللاوعي وجاهزة للاستدعاء وقت الحاجة؟

لا حل لهذه المعضلة سوى العلمانية أي فصل الدين عن الشأن السياسي ويعني ذلك إعادة النظر جذريا في علاقة الشريعة بمجال التشريع، ويجب البدء بتجريم التكفير وعدم تدريس معاداة الآخر.

فهل هو مثقف من لا يؤمن بالدولة المدنية؟ وما نفعه في مرحلة تعاظم فيها هجوم دعاة الدولة الدينية؟ كيف نستغرب هذه الاعتداءات الجبانة في وقت لا تخلو مكتبة في العالم العربي من كتب تنتقد النصارى وتصف دينهم بالمحرّف وتدعو صراحة إلى أسلمتهم، وتفرض دراسة الفقه على جميع الطلبة في المدارس بصرف النظر عما إذا كانوا مسلمين أم لا.

كيف نستغرب هذه السلوكات الآتية من زمن غابر، وفي شبه البرلمانات العربية قوى دينية رجعية لا تملّ ولا تكلّ من المطالبة بتطبيق ما تعتقد أنه شريعة، ضاربة عرض الحائط بأدنى حقوق المواطنين غير المؤمنين بهذه الشريعة التي يلوحون بها.

كيف يسمح للمسلمين بالعمل الدعوي الذي يهدف إلى أسلمة المسيحيين، وفي المقابل يمنع على المسيحيين ليس حقّ الهداية إلى طريق عيسى بن مريم، بل حتى إظهار إيمانهم بالتثليث في بعض بلداننا، إذ لا تقرع أجراس الكنائس خوفا من أن تشكّل استفزازا للمسلمين.

كيف يمكن أن يعيش إنسان غير مسلم في طمأنينة بين أناس ما زالوا يستشهدون على القنوات الفضائية بكتاب “النفائس في هدم الكنائس”؟ و يطلقون على بشر مثلهم نعت “أحفاد القردة والخنازير”؟ كيف يستتب الأمن الاجتماعي ولا تكاد تمرّ صـلاة جمعة أو مناسبة دينية دون أن يسمع مرتادو بعض المساجد خطبا نارية مناوئة للمسيحيين واليهود وغير المؤمنين بل للعالم أجمع؟

بوعي أو دون وعي، حوّلت بعض السياسات المجتمعات العربية إلى تربة خصبة للنباتات الضارة كداعش وأخواتها. و إذا كان ممكنا القضاء بقوة السلاح على داعش التي ترتكب الفواحش في سوريا والعراق وليبيا أو “داعش بالفعل”، فإن الانتصار على داعش المستترة التي نغذيها في مدارسنا أو “داعش بالقوة ” فلا يكون إلا بإصلاح منظوماتنا التعليمية وهياكلنا الثقافية وتنظيفها من كل ما زرعه فيها الإخوان من قنابل موقوتة.

وعموما، لا يمكن ضمان أي أمن اجتماعي مستقبلي ما لم نتخلص من تصورات قابعة في أعماقنا تعاني من فوات تاريخي، يطيل في عمرها أصوليون دكوا مسامير غليظة ليصبح التغيير صعبا. وكما نجفف منابع الإرهاب المادية بحرمان الإرهابيين من الأموال، ينبغي تجفيف منابع الأصولية المعنوية بعدم ترك أشباه الفقهاء يحضرون البيئة العقلية والنفسية والفكرية لظهور الإرهابيين.


كاتب جزائري

9