هزيمة البغدادي وآخرين في خطابه الأخير

الجمعة 2016/11/04

خطاب زعيم تنظيم الخلافة الأخير الذي تم تداوله الخميس 3 نوفمبر 2016 على مواقع التواصل الاجتماعي كشف عن وضع نفسي متأزم يمر به البغدادي، وعلى الأغلب فإن ذلك يعود إلى طبيعة ما يواجهه تنظيمه من تراجع كبير في مساحة الأرض التي بات يتحرك عليها في العراق وسوريا وليبيا، فالخسائر العسكرية التي تكبدها خلال عام 2016 أفقدته الكثير من مصادر قوته التنظيمية والبشرية والمالية وما عادت الأبواب مفتوحة أمامه كما كان عليه الحال قبل عامين من الآن عندما اقتحم بضعة أفراد تابعين للتنظيم لا يتجاوز عددهم العشرات مدينة الموصل في 10 يونيو 2014 ومن ثم اكتسحوا دون مقاومة تذكر مدن صلاح الدين والأنبار وديالى.

لعل أبرز ما يواجهه تنظيم الخلافة هذه الأيام الخسائر التي بات يتكبدها وهو يواجه القوات العراقية التي ابتدأت مع عمليات تحرير محافظة صلاح الدين ثم الأنبار، ولتكون مسك الختام مدينة الموصل حيث اشتد الطوق حول عناصره وباتوا مدركين أن سقوط دولة الخلافة التي سبق أن أعلنوها بات أمرا غير قابل للنقاش، خاصة بعد أن دخلت طلائع الجيش العراقي عددا من الأحياء السكنية في مركز مدينة الموصل نهاية هذا الأسبوع، ولم تعد مسألة حسم المعركة سوى مسألة وقت، قد يقصر أو يطول تبعا لمجريات القتال لكن النتيجة ستكون هزيمة التنظيم.

في الخطاب المشار إليه كرس البغدادي هجومه على الدول الإسلامية السنية ممثلة بالمملكة العربية السعودية وتركيا، وألقى عليهم باللائمة والمسؤولية إزاء ما يجري على المسلمين من ظلم مصدره الغرب الصليبي، حسب زعمه، لأنهم تحالفوا معه ضد جند دولة الخلافة، ومن ثم ليطلب من عناصر تنظيمه أن يضعوا تركيا والمملكة السعودية نصب أعينهم لإشاعة الفوضى والدمار فيهما.

دعوة البغدادي هذه كانت بمثابة دليل على أن كل ما تم تداوله من تقارير تفيد بوجود علاقة وثيقة تربط بين حكومتي البلدين مع تنظيم داعش لم تكن ترقى إلى المصداقية، ولم تكن إلا جزءا من حرب إعلامية روجت لها دوائر صحافية واستخباراتية غربية وإيرانية، كان الهدف منها خلط الأوراق وجعل هذين البلدين في موقف ضعيف ومحرج بالشكل الذي يلتقي فيه هذا المسعى مع الجهود التي بذلت من قبل أميركا وإيران وبشتى السبل لإشاعة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط على إثر تصاعد موجة الربيع العربي مطلع العام 2011، بغض النظر عن الأنظمة التي تحكم دول المنطقة وصولا إلى إعادة ترسيم حدودها من جديد.

لماذا هاجم البغدادي تركيا والسعودية من بين جميع الدول الإسلامية، ولم يتعرض على سبيل المثال إلى إيران؟ فهل كانت خطورة أنقرة والرياض على تنظيمه أكبر من خطورة طهران؟ ومن هي القوى التي ستكون مستفيدة من دعوته إلى تدمير هاتين الدولتين؟

لا شك أن إيران هي المستفيد الأول لأنها ومنذ مجيء نظام الملالي إلى السلطة عام 1979 أعلنت عزمها صراحة على تصدير الثورة الخمينية إلى العالم الإسلامي، وخاصة الدول العربية بما يعني سيطرتها عليها بعد إسقاط أنظمتها والمجيء بأنظمة على شاكلة نظامها، وهذا ما دفع صدام حسين إلى أن يتواجه مع نظام طهران في حرب مهلكة دامت ثمانية أعوام (1980 – 1988).

ومثلما كشف هذا الخطاب زيف الادعاءات بوجود علاقة بين أنقرة والرياض مع تنظيم الخلافة، فقد أثار أيضا علامات الاستفهام حول طبيعة العلاقة التي يرتبط بها أبوبكر البغدادي مع نظام طهران بالشكل الذي منعته هذه العلاقة من أن يذكره بسوء ولو بحرف واحد، وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن أسباب التزام البغدادي السكوت إزاء سياسات إيران الطائفية في المنطقة العربية وتدخلاتها السافرة في شؤون أنظمتها الداخلية كما هو في سوريا ولبنان واليمن.

كان من الممكن أن تتبدد هذه التساؤلات فيما لو توقف البغدادي ولو بكلمة واحدة أشار فيها إلى حجم النفوذ الإيراني وتمدده في المنطقة لكنه لم يفعل.

سيبقى الباب مفتوحا لتنهال منه الأسئلة التي سترسم دائرة من الشك والغموض حول حقيقة العلاقة التي يرتبط بها تنظيم الخلافة، والبغدادي شخصيا، مع نظام طهران، ولن تتوقف هذه الأسئلة إلا بعد أن يخرج علينا مرة أخرى بخطاب جديد يكشف فيه حقيقة علاقته بنظام طهران، ضده أو معه، مثلما كشف خطابه الأخير زيف الادعاءات بوجود علاقة تربطه بأنقرة والرياض.

ونظن أن الوقت قد حان بعد هذا الخطاب حتى تتقدم الحكومة العراقية بخطوة جديدة إلى الأمام تعيد فيها النظر إلى سياساتها المتشنجة مع تركيا والمملكة العربية السعودية، وأن تضع في حساباتها توظيف هذه العلاقة في إطار مواجهة تنظيم داعش وهزيمته، لأن المعركة مازالت طويلة وتحتاج إلى تضافر الجهود الإقليمية مثلما تحتاج إلى تلاحم أبناء البلد الواحد.

كاتب عراقي

9