هزيمة الفوضى الشيعية الإيرانية

تطبيقات الفوضى الشيعية الإيرانية غير الخلاقة قطعت شوطا متقدما في استكمال تدمير البنية البشرية للعراقيين إلى جانب بنيتهم المادية خاصة العرب السنة، وصنعت رموزا للحكم من ميليشيات رديفة للحرس الثوري الإيراني.
الأربعاء 2021/02/17
القمع وسيلة لإغلاق باب المنافسة من خارج بيت الطاعة

لم يكن إبداع وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في الفوضى الخلاقة سوى تبرير لاحتلال العراق وقتل مليون شهيد عراقي خلال الاحتلال الأميركي عام 2003، ومن قبله الحصار الظالم الذي ارتكبت خلاله مختلف الجرائم، وأبشعها جريمة قتل 400 مدني كانوا في ملجأ العامرية بصاروخين أميركيين في 13 فبراير 1991. لكن رايس كعادة المسؤولين الأميركيين اعترفت في 18 مايو 2017 بأن “الولايات المتحدة لم تذهب إلى غزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 من أجل تحقيق الديمقراطية بل للإطاحة بطالبان والإطاحة بحكم الرئيس العراقي صدام حسين في بغداد الذي كنا نظن أنه كان يعيد بناء ترسانة من أسلحة الدمار الشامل”.

قبل تصريح رايس بعام واحد (عام 2016) عبّرت زميلتها مادلين أولبرايت (وزيرة الخارجية عام 1997) عن ندمها على تصريح وحشي في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، ذلك حين سُئلت إن كان يستحق أن يقتل نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار؟ أجابت “نعم يستحق”! ثم ندمت بعد ربع قرن بقولها “هذا أغبى شيء قلته في حياتي”.

طبعا، هذان الاعترافان المتأخران لن يعيدا الحياة لشهداء العراق المدنيين، والأخطر من ذلك أن صاحبة تسويق الفوضى الخلاقة رايس تحولت إلى مُحاضِرة في الجامعات. لكن رموز هذه الفوضى ونتائجها في العراق لا يزالون متحكمين بالسلطة الطائفية التي صممها ونفذها لهم قادة اليمين المحافظ في واشنطن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول ولفويتز وتلامذتهم، مثل خليل زلماي زادة وبول بريمر.

أبطال الظلم هؤلاء الذين يتحكمون برقاب الناس يشيعون القتل والتدمير لتبرير بقائهم، بينما يتبلور حكم الشعب المثالي وفق تلك النظرية الأميركية الفاشلة.

لعبة الفوضى الأميركية، التي بشّرت بالشرق الأوسط الجديد، كان من ضحاياها العراقيون والسوريون والليبيون واليمنيون، بعد إشاعة وتبرير القتل والتدمير من أجل التحكم الأميركي ثم الإيراني وتسليم السلطة لجياع المال والجاه.

لقد نجحوا في تدمير دولة عراقية عريقة وتمزيق أواصر مجتمع كان متجانسا بطوائفه وأعراقه، ولم يفكر أي رئيس أميركي حكم بعد المتورط الرئيسي بجريمة العراق جورج بوش الابن بوضع حد لهذا الانهيار وتصحيح تلك النتائج الكارثية لا في العراق ولا في باقي مناطق الفوضى الأخرى.

وجد هؤلاء الرؤساء الأميركيون أنفسهم عاجزين أو راضين بعد أن استلم محركات ومفاعيل نظرية “الفوضى الخلاقة” الجهنمية ولي الفقيه الإيراني علي خامنئي، الذي استنسخها وطوّرها وجعلها ميدانا لوجيستيا لبرنامج تصدير الثورة بأساليب ماكرة وبغطاء التشّيع الفارسي بعد سرقة التشيّع العربي من نجف العراق، مُعززة بدوافع الثأر من أهل العراق وبأدوات محلية عراقية جاهلة.

قطعت تطبيقات الفوضى الشيعية الإيرانية غير الخلاقة شوطا متقدما في استكمال تدمير البنية البشرية للعراقيين إلى جانب بُنيتهم المادية، خاصة ضد العرب السنة، وصنعت رموزا جديدة للحكم من ميليشيات رديفة للحرس الثوري الإيراني شكلت أنموذجا لبلدان عربية أخرى موضوعة على قائمة تصدير الثورة.

لصالح نظرية الفوضى “الشيعية الإيرانية” تُستثمر لعبة الانتخابات في صناعة الحكم التنفيذي كل أربع سنوات تبعا لمظاهر الفوضى ذاتها المصنوعة في أعلى سلطة في طهران، ثم يتمّ إنتاج مظاهرها المتعددة وتنفيذها من قبل قادة على المسرح السياسي الشيعي داخل العراق حصلوا على مشروعية برلمان مُزيف على مدى السنوات السابقة، معتقدين أنهم مازالوا محافظين عليها حتى في ظل الفشل والفساد وحضور النموذج الوطني المتمثل في ثورة شباب أكتوبر عام 2019، التي ينبغي ألا تُبقي بعدها مشروعية لأي كيان سياسي شيعي أو سنّي يخدم تلك النظرية المتوحشة.

من متطلبات عدم السماح بدخول لاعبين جُدد لساحة المنافسة المُزيفة من خارج بيت الطاعة لخامنئي، أن تستمر عمليات قمع أصحاب الرأي الوطني الحقيقيين والمعارضين للفشل وسرقة المال العام، فأولئك هم المتورطون الحقيقيون في الدعم الخفي لمختلف أشكال منظمات الإرهاب وفي مقدمتها داعش، لتجري بعد ذلك عمليات التسوية عبر مظاهر الفوضى الشيعية الخلاقة ذاتها بين بعض من يريدون التجاوز أو التنافس على مركز الولاء.

مشهد اللامعقول في التنافس الانتخابي الذي يتفرّج عليه هذه الأيام شعب العراق المكلوم بفواجع الموت والجوع والحرمان يشير ميدانيا إلى بعض تطبيقات وتفصيلات نظرية الفوضى اللاخلاّقة الشيعية هذه في العراق.

كيف يُعقل أن تتضمن حمى التسابق الانتخابي مصطلحات شعبية متخلفة لمضامين حوادث مرّت على العراقيين ولم يكونوا جزءا منها، ولا مصلحة لهم فيها، بل كانت ومازالت مظهرا من مظاهر الصراع والتنافس على الاستفراد “الشيعي” بين أطراف شيعية متنافسة على درجات التحكم مثلما يُطلق عليه اسم “البطّة” كردّ على من وقف بوجه أصحابها عام 2008 فيما سمي صولة الفرسان، بالمعنى الواضح لفهم العرب غير العراقيين “صراع المالكي ومقتدى الصدر”.

وكيف تُفهم مدلولات استعراضات عسكرية شعبوية في الشارع المُثقل أهله بهموم الحياة اليومية وباستقطاعات الحكومة للرواتب وهي المصدر الوحيد لسد رمق العيش وفرض ضرائب لاإنسانية؟

وكيف يقتنع الجائع المهموم بحياة أطفاله بتفسيرات غامضة مثل إحداث الصدمة والرعب لإرهابيي داعش والبعثيين في استعراض القوة بالشارع بعد الحصول على معلومات لا تمتلكها أجهزة الحكومة الاستخبارية والأمنية بتنفيذ مخطط لتفجير المراقد الشيعية في بغداد وكربلاء والنجف، مع أن حماية البشر قبل المراقد هي من سلطة الحكومة، وتترافق معها تصريحات لبعض الذين يحاولون استعادة أدوارهم بعدما حامت حولهم شكوك حول النزاهة الشخصية، في تكرار لمقولة “لولاهم لسقطت بغداد بيد داعش”؟

الطرفان المتنافسان في الشارع هما من مرجعية طائفية واحدة وهما لا يتحملان فكرة أن تخرج رئاسة الحكم التنفيذية من يد “شيعة السلطة”. وتتقاسم هذا الشعور الطائفي جميع الأطراف السياسية الشيعية، حتى الأفراد من خارجهم الذين يتباهون بمدنيتهم في تقليد مفروض سنده الفوز البرلماني وليس الدستوري.

لهذا تتطلب موجبات الفوضى المُستنسخة أن يتم تشتيت القوى الحاضرة في المسرح الشيعي وبعثرتها وإسقاط ونفي القوة الثورية الشبابية التي اكتسحت الشارع الشيعي وقدّمت من أجل مشروع التغيير أكثر من 700 شهيد، ليصل الصراع داخل هذا الوسط درجة الغليان المُسيطر عليه، ثم يتم التجميع وترتفع راية انتصار الفوضى الشيعية الإيرانية اللاخلاّقة.

هذا النمط من تطبيقات الفوضى المعتمدة على تزييف الشعارات واللعب بمشاعر الناس ثبتت هزيمته في العراق، رغم أن محرّكيه الأصليين كانوا من زعماء الولايات المتحدة المالكة لأحدث وأرقى وسائل الإعلام والخداع والقتل والتدمير في العالم. فكيف سيصبح حال من يعبثون في إيران بوسائل تقنية ليسوا هم أصحابها لكنها مُستنسخة كالاستنساخ “الصيني” الشائع وبأفكار لا تصلح لحياة العصر الحديث؟

لا شك أن النتيجة ستكون هزيمتها في إيران والعراق حتى وإن دفع الثمن من دماء هذين الشعبين الصابرين.

9