هزيمة الوجدان الكردي

الجمعة 2017/10/27

هل يجوز استغلال لهفة الوجدان القومي عند الشعب الكردي للاستقلال باستفتاء تم رفضه إقليميا ودوليا؟ هل كان مغامرة مهدت الطريق للدولة الكردية، أم مقامرة احتاجها مسعود البارزاني لإسكات الأصوات الكردية الرافضة لسياسته والمطالبة باستقالته؟ بغض النظر إذا كان الاستفتاء “دولة حبر على الورق” قدمها مسعود للشعب الكردي، أو الخطأ الفادح كما وصفه بافيل الطالباني، نجل خصمه الراحل جلال الطالباني، فإن نتائجه فرضت السياسة الأميركية الجديدة في العراق بعد الانتصار على تنظيم داعش.

“نواصل دعم عراق اتحادي ديمقراطي موحد”، هكذا صرح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بعد أن حسمت القوات العراقية المعركة وسيطرت على آبار النفط في كركوك، لتنتهي مرحلة الفوضى الخلاقة وتبدأ مرحلة كبح إيران، محور الفوضى والإرهاب في المنطقة. ولأن استقرار العراق في إطار حكومة وطنية تشرف عليها أميركا من ضروريات المرحلة القادمة، لا بد من تهميش الزعامات الطائفية والقومية في هذا البلد، ومنع فرضها بالقوة سياسة الدولة داخل الدولة. ولأن زعامة البارزاني من ضمن القائمة، منحت تداعيات الاستفتاء أميركا فرصة تهميشه، كما منحتها تداعيات احتلال داعش للموصل فرصة تهميش نوري المالكي واستبداله بحيدر العبادي.

مع دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، غادر مشروع “الشرق الأوسط الجديد” في حقيبة جو بايدن، وحل محله مشروع “أميركا أولا” الذي أكده الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة. انتهت مرحلة الفوضى الخلاقة لأجل تقسيم العراق والمنطقة على أسس عرقية تنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وتمنح إسرائيل شرعية الاحتلال والتوسع. في الحقيقة لم تعد المصالح الإسرائيلية من أولويات السياسة الأميركية الجديدة، وهذا يبدو واضحا من الفتور السياسي بين الطرفين. شبح الأزمة الاقتصادية لعام 2007 وعدم معالجة أسبابها أرغما الرئيس الأميركي على فتح آفاق التعاون مع العرب لتأمين أسواق الطاقة والاستثمار، خاصة بعد دخول روسيا كمنافس لاستثمار الحروب في المنطقة. ولأن العراق منطقة الاقتصاد الأميركي في الشرق الأوسط، فقد سعى ترامب إلى عزله عن التحالف الإيراني الروسي وعودته لمحيطه العربي من خلال السعودية، الحليف الاستراتيجي لأميركا.

لم يكن موضوع الأزمة بين إقليم كردستان وحكومة بغداد يقلق السياسة الأميركية، لكن انشغال حكومة بغداد بأزمات الفساد ومطاردة بقايا تنظيم داعش، وتوتر العلاقات بين تركيا وأميركا، والضغط الأميركي على النظام الإيراني، بالإضافة إلى ازدهار النشاط السياسي في أربيل منذ سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، جميعها أسباب عبدت الطريق أمام رئيس الإقليم للإعلان عن الاستفتاء. اعتمد السيد مسعود على رصيد علاقاته التاريخية مع أميركا وإسرائيل، وحجم المصالح المشتركة بينهم، ومنها محاربة الإرهاب وبيع النفط لإسرائيل. خدع الخطاب الأميركي الناعم لمنع الاستفتاء، والتأييد الإسرائيلي المطلق له دهاء البارزاني، وفشل في تقييم فعل الاستفتاء وتداعياته كفشل صدام حسين في تفسير رد السفارة الأميركية حول رغبته باجتياح الكويت.

تورط الزعيم الكردي بالاستفتاء بعد أن خذله الحلفاء وقرر الهروب إلى الأمام، لم يستجب للمنحة الأميركية ومهلة الانسحاب من كركوك تحت غطاء جوي يحفظ كرامته القيادية، وسلامة قواته من التحالف التركي الإيراني المتربص لفرصة الانقضاض عليهم. ورغم تحدث الإعلام الشيعي الموالي لإيران عن مؤامرات أو اتفاقيات بين قاسم سليماني وعائلة جلال الطالباني، إلا أن التخبط الإعلامي في تصريحات القيادات الكردية مؤشرات تمنحنا الثقة للتعامل معها كترويج طائفي لسليماني وانتصاراته الإعلامية.

مهما تكن طبيعة العلاقة بين إيران وعائلة الطالباني فإنها لا يمكن أن تكون سببا لتجاوز العائلة لإرادة الشعب الكردي، أو تحديا لموقف الإدارة الأميركية من إيران. قوات البيشمركة مثل أي منظومة عسكرية عراقية تابعة لنظام الدولة داخل الدولة، متآكلة بالفساد والمحسوبية وسلطة العوائل، هربت تلك القوات من القتال مثلما هرب الجيش الطائفي الشيعي لنوري المالكي من الموصل، وتسببت بهزيمة ترفض جميع القيادات الكردية الاعتراف بها للتخلص من المسؤولية.

يعاني المجتمع الكردي صدمة نفسية عنيفة ستؤدي إلى عودة الاقتتال الداخلي، ستكون هزيمة الوجدان الكردي المتورم بالخديعة بعد الانسحاب من كركوك، أخطر ما تسبب به البارزاني لشعبه.

كاتبة عراقية

9