هزيمة داعش أصبحت هزيمة لأميركا

الخميس 2015/10/08

من برنامج أميركي كلف 500 مليون دولار لتدريب 3 آلاف مقاتل سوري “معتدل” في هذا العام، لم يبق منهم سوى خمسة أشخاص كما صرح الجنرال لويد أوستن للكونغرس، لقد تلقوا التدريب والرواتب ثم هربوا.

يقول الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس إن المشكلة المركزية في سوريا، هى أن العرب السنة لن يرغبوا بالشراكة معنا ضد الدولة الإسلامية ما لم نلتزم بحمايتهم “وهذا يعني حمايتهم من الحرب المفتوحة التي يشنها بشار الأسد وقوته الجوية واستخدامها للبراميل المتفجرة”. هل عند الولايات المتحدة حقاً ما تحاجج به روسيا؟ تبدو أميركا اليوم وكأنها الوحيدة التي ليست لديها خطة. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لـمح إلى أنه لا شيء اسمه الجيش الحر أو معارضة معتدلة تقاتل على الأرض في سوريا، وتوجه روسيا دعوة مفتوحة للجيش الحر للتفاوض مع موسكو إذا كان له وجود حقاً، والرئيس بوتين تساءل سابقا من أين جاءت داعش؟ لقد جاءت من المجهول أليس ذلك غريباً؟

سيدة العالم تفكر الآن هل محور الشر هو إيران أم داعش أم روسيا؟ وكل هذه النماذج باقية وتتمدد، يبدو أن السياسة الأميركية في مفترق طرق، فهزيمة داعش أصبحت هزيمة لأميركا، لا فائدة أميركية تُرتجى من قطع رأس البغدادي بسيف القيصر الروسي. إن هذا سيعني بأن روسيا قادرة على تحقيق الأمان في المنطقة بعد أن عبثت بها الولايات المتحدة. أي أنه سيكون إعلاناً قوياً لدولة روسية قادرة على الوفاء بتعهداتها في الشرق الأوسط.

دول الخليج ملت من الابتزاز الأميركي، فدولة راسخة كالسعودية تخاطب الخارجية الأميركية حول الخطر الإيراني وإنقاذ الشعب السوري من مشروع إبادة علني، فترد السياسة الأميركية بتحالف عالمي ضد شيء جديد اسمه داعش، أو بمؤتمرات حول اللاجئين السوريين. يبدو أن فلاديمير بوتين قد تدخل في التوقيت الحرج فروسيا لا تقبل باللاجئين، ولا تؤمن بالديمقراطية، ويبدو أنها مستعدة لتخريب السياسة الأميركية بالمنطقة.

الشرق مرهَق من حرق الجثث المتبادل بين الطوائف، ومن عدم مصداقية السياسة الأميركية. فلا هي جادة في التصدي للأطماع الإيرانية، ولا هي جادة في بناء دولة مدنية في العراق، ولا هي جادة في محاربة داعش. والبيت الأبيض هو الطرف الوحيد الذي يصرح بأنه لا يمتلك إستراتيجية في المنطقة.

العرب عموما، يعيشون حالة ارتياب مطلق، فقد استهلكوا أنفسهم بصراعات داخلية غير مجدية مع صدام حسين وداعش، بينما المنظومة الشيعية كانت تعيش حالة تنظيم وتطور إلى درجة أنها تستطيع التفاوض مع الدول العظمى لسنوات والخروج باتفاق نووي، وإلى درجة إقناع الأميركان بتسليمهم العراق للسيستاني، وحين تم ضرب عملائهم الحوثيين باليمن جلب الصفويون الروس كبديل للولايات المتحدة وسط ذهول عالمي. فما هي شرعية التدخل الروسي لولا الشبكة الممتدة من حزب الله إلى النظام العلوي في سوريا وحتى العراق وإيران؟

خلال أربعة عقود أصبحت هناك منظومة شيعية متكاملة وذات تنسيق عال بقيادة ورعاية طهران. بينما العرب كانوا دائما مشغولين بمسألة الإخوان المسلمين والديمقراطية، أو بصدام حسين وداعش. هذا التشويش نابع من استجابة العرب للابتزاز الأميركي المرتبط بأزمات اقتصادية أكثر منه بالتطور الطبيعي للمجتمعات العربية، وهذا هو في الحقيقة سبب التطرّف والفوضى.

التذمر السني من سياسة أميركا واضح، فهي تريد منهم إنفاق أعمارهم ومدخراتهم في انتظار القضاء على صدام حسين، ثم عشرين سنة أخرى للقضاء على داعش، وفي الأثناء يجري إعداد إيران لتصبح سيدة المنطقة وشرطي الخليج. فلا يبدو تهجير سنة العراق ونصف الشعب السوري على يد الصفويين أمراً يبعث على الارتياح في العالم الإسلامي، وبسبب انعدام الوسيلة يلجأ المسلمون إلى المساجد حتى تحولت إلى معسكرات مخيفة للاحتجاج السلمي والديني الصامت.

الحكومات العربية تبحث عن تسويات عادلة تجعل الحياة آمنة في ظروف صعبة كهذه، فليس صحيحا بأن داعش قتل ربع مليون إنسان سوري، الذي فعل ذلك هو بشار الأسد، وليس صحيحا أن داعش قتل مليون سني عراقي الذين فعلوا ذلك هم الصفويون بمساعدة المخابرات الأميركية التي دربت فيلق بدر وجعلت منه فرقا للموت. هذه هي حكاية الراكعين في المساجد بحزن، بل هذه حكاية الجميع حتى الذين يسكرون في البارات ويغضبون لتقهقر العرب وصعود نجم إيران ومشروعها الصفوي بتشجيع عالمي.

نحن أمام روسيا تتمتع بشعبية وقبول شيعي كبير، مقابل رفض سني شديد للأميركان وسياستهم. أي إننا في انتظار كارثة حقيقية إذا لم تتدخل الولايات المتحدة لتصحيح موقفها مع أصدقائها في المنطقة. والجانب الإيجابي الوحيد للتدخل الروسي، هو أننا نشهد لأول مرة تراجعا للخطاب الطائفي بين السنة والشيعة في الشارع العربي، فقد أصبح الصراع بين الغربيين الكبار كما يبدو.

كاتب عراقي

8