"هز وسط البلد" فكرة جادة أفسدتها المغالاة في تصوير القبح

أثبت المخرج السينمائي المصري محمد أبوسيف في أفلامه السابقة وأهمها “أولى ثانوي”، “النعامة والطاووس” و”خالي من الكولسترول”، أنه مخرج جاد مهتم بتصوير القضايا الاجتماعية الحقيقية في مصر من خلال أسلوب سينمائي رصين يبتعد عادة عن المبالغات والتوابل المعتادة، وإن كان يميل للمغالاة في تصوير الصراع الدرامي.
الجمعة 2016/04/01
شخوص بلا شخصيات واضحة

ظلم المخرج السينمائي المصري محمد أبوسيف نفسه كثيرا عندما أراد أن يصور كل شيء، عن كل شيء، في فيلمه الأحدث “هز وسط البلد”، وهو عنوان هزلي غير مناسب لفيلم جاد من أفلام النقد الاجتماعي كما يبدو من الوهلة الأولى.

ظلم أبوسيف نفسه عندما أراد أن يحبس كل أحداث وشخصيات الفيلم في شارع واحد، أقرب ما يكون إلى الحارة التي نعرفها في مسلسلات التلفزيون التقليدية المعادة والمكررة، وهو شارع يبدو واضحا أنه مجرد ديكور صنع في استديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي الجهة التي اشتركت في الإنتاج، رغم اعترافي بما بذل فيه من جهد كبير في التصميم وحشوه بالتفاصيل.

من جهة أخرى، أفرط أبوسيف كثيرا في عدد الشخصيات التي وضعها في سيناريو فيلمه، بينما كان يمكن الاكتفاء ببعضها فقط والتعمق فيها ودفع العلاقات في ما بينها، بينما أدّى تعدد الشخصيات على نحو مربك، لكل من صانع الفيلم والمتفرج، إلى الاكتفاء بالتصوير السطحي العابر والمكرر لمعظم تلك الشخصيات، مع تركيز خاص مبالغ فيه على شخصيات بعينها في الفيلم، لم تكن تستحق كل هذا التركيز والاهتمام.

مثلا صاحب الكشك المقام أمام دار السينما، والرجل العجوز المتصابي أو السفير الفيومي بك (محمود قابيل) الذي تغازله امرأة متقدمة في السن تتدلل بشكل مفتعل، وتغويه إلى أن يصعد معها إلى شقتها (لكي تقوم بتدليك ظهره كما تقول له!)، لنراه بعد ذلك يسقط على الأرض من شدة الإنهاك، واللواء الذي يجلس معهما في المقهى، كلها شخصيات لا تضيف شيئا إلى الفيلم.

ربما تضفي بعض الملامح الضاحكة على الموضوع الذي يعبر عن رؤية أبوسيف للتدهور الاجتماعي والأخلاقي الذي ضرب مصر، والذي يجسده على نحو رمزي، في شارع يُفترض أنه يقع في وسط مدينة القاهرة (وسط البلد)، بينما تغيب كل ملامح وسط القاهرة المألوفة عنه، كما تبدو معظم الشخصيات أقرب إلى سكان الأحياء العشوائية.

يصور الفيلم كيف جعل الفساد جميع الشخصيات من شتى الطبقات، مشغولة بالنصب والاحتيال والسرقة والتفريط بالبيع في كل شيء، وأي شيء، بما في ذلك الجسد، وادّعاء الشرف والأخلاق من السطح فقط، في حين أن النهم والرغبة في الامتلاك يدفعان الجميع إلى التدني على كافة المستويات، فأصبحت القيمة الوحيدة هي المال، وأصبح الحصول على المال هو الذي يحرك الجميع.

أبوسيف أفرط كثيرا في عدد الشخصيات التي وضعها في سيناريو فيلمه، بينما كان يمكن الاكتفاء ببعضها فقط

يجسد أبوسيف رؤيته هذه من خلال شخصيات متنوعة منها ما هو مقنع، مثل الراقصة المعتزلة انتصار (هياتم) التي تقدمت في العمر، وأصبحت تملك دكانا لبيع الملابس تستخدمه ستارا للقوادة وتشغيل الفتيات في الدعارة، التي تصل بوضوح إلى تدبير علاقات سحاقية مع وافدات يأتين من بلدان عربية أخرى، كما نرى بالفعل، أو شخصية مدير دار السينما الجديدة التي يُزمع افتتاحها في نهاية الشارع بفيلم جديد من الأفلام الاستهلاكية السائدة يطلقون عليه “الصدر ولا الورك”.

مدير السينما شخصية سوقية، شره وشرس، مدفوع بشراهة للمال، ويقوم بتمثيل الدور فتحي عبدالوهاب الذي يطلق عليه كاتب السيناريو اسم حسين مؤنس، وهو اسم المفكر والمؤرخ المصري الشهير الدكتور حسين مؤنس بكل أسف.

يستبيح حسين كل شيء لنفسه، فهو يخادع ويحتال حتى لمضاجعة المرأة المتسولة البائسة حورية (إلهام شاهين) التي يرفض الجميع منحها أي فرصة عمل بسبب التصاق أطفالها الأربعة بها في كل مكان، ثم يحتال عليها حسين ويقنعها ببيع طفلة من أطفالها لسيدة ثرية لا تنجب (أنوشكا)، يحصل هو منها على 100 ألف جنيه بينما يمنح حورية 10 آلاف جنيه فقط.

شخصيات ضعيفة

حورية هي أضعف شخصيات الفيلم، بل والسبب الرئيسي في انهيار بنائه كما سنرى، بينما يعتبرها صانع الفيلم الشخصية المحورية التي تجسد بؤس ما وصل إليه الجميع، فهي الشخصية الوحيدة الطيبة، التي لا تنال أي تعاطف أو عطف من جانب أي طرف، بل تقابل دائما بالرفض والاستبعاد.

ولا شك أن إلهام شاهين منتجة الفيلم التي أشركت معها فيه الكثير من أفراد أسرتها، هي التي فرضت أن تصبح شخصية حورية الشخصية المحورية، لكي تتيح لها القيام بدور المرأة المسكينة المغلوبة على أمرها، وهي قد فرضت شقيقها أمير شاهين الذي لا يصلح للوقوف أمام الكاميرا، لكي يقوم بدور كريم وهو شاب يعمل في مقهى يملكه الحاج بدر (الممثل الراحل علي حسنين)، والذي يحب الفتاة الصعلوكة ابتسام (زينة) ويريد أن يتزوجها، يثق فيه أبناء الشارع- الحارة، بسبب أمانته واستقامته، لينتهي إلى أن يسرق كل ما لديهم من أموال كدسوها بشكل مشروع أو غير مشروع، بما في ذلك المشغولات الذهبية التي كانت تشتريها خطيبته وتخفيها في مخبأ أطلعته عليه، ثم يختفي من الشارع.

الغالبية العظمى من الشخصيات عند أبوسيف تتصف بالنذالة والخسة، تبحث عن فرصة لاقتناص الآخر، تدنت بقيمها الأخلاقية إلى أدنى مستوى يمكن تخيله.

بائع الذهب لا يمانع شراء مشغولات ذهبية تسرقها رجاء (حورية فرغلي) التي تعمل لدى انتصار، لكنها تقوم أيضا بتنظيف مقاه الشارع ومحلاته، تسرق كلما أتيحت لها الفرصة، وتحتال لكي تستجدي أصحاب السيارات المارة بالشارع بعد أن تستأجر ملابس أحد عمال النظافة لترتديها، وهي التي تزين لحورية بيع طفلتها.

هذه الشخصية تنال أيضا الكثير من الاهتمام حتى لو أدى ذلك إلى الكثير من الاستطرادات والتكرار، فالواضح أن الشخصية كتبت لكي تقوم بها حورية فرغلي (حورية تقوم بدور رجاء، وإلهام شاهين تقوم بدور حورية!).

الفيلم يصور كيف جعل الفساد جميع الشخصيات من شتى الطبقات، مشغولة بالنصب والاحتيال والسرقة

وهناك طارق، وهو صاحب مقهى آخر، مشغول طوال الوقت بالبحث مع صحافي مرتزق يدعى رؤوف، عن وسيلة لاستثمار المقهى بعد أن فقد أهميته، وهناك حسن وهو ابن الحاج يكن صاحب محل بيع أدوات التدخين الذي يرغب في شراء مخزن جاره الملتحي المتدين رفاعة، أما رفاعة فهو عضو في إحدى الجماعات الإرهابية وخبير في تصنيع القنابل، لكنه يشترط أيضا أن يقبض الثمن مقدما عشرات الآلاف من الدولارات قبل أن يقوم بتسليم القنابل. والجماعة المتطرفة التي لا نعرف شيئا عنها، تريد نسف الشارع والمنطقة مع افتتاح دار السينما التي تراها بؤرة للفساد، ويقول ممثل الجماعة الذي يكلف رفاعة بإعداد القنابل، ثم توزيعها في أماكن متعددة من الشارع، إنه لا أحد بين الجميع يمكن أن يكون بريئا، أي إنهم جميعا، يستحقون القتل، وهو على ما يبدو رأي المخرج أبوسيف نفسه، الذي يجعل مشاهدي فيلمه يتوصلون أيضا إلى الإحساس نفسه فيرغبون في رؤية مشهد انفجار كبير يقضي على الجميع.

ومع ذلك، فالانفجار لا يقع، بل يركز الفيلم في مشاهده الأخيرة على حورية وهي تصرخ نادمة على بيع ابنتها، ثم تفقد ابنا آخر يضيع منها، وربما يكون قد اختطف، لنصل إلى مصرع ابنها الأكبر عندما تصدمه سيارة وهو يعبر الطريق، مما يؤدي إلى فقدان المرأة عقلها فتلقي بابنتها الصغيرة في حاوية للقمامة، وتسير في الشارع، تهذي وتتطلع إلى أصحاب السيارات المارة تطلب منحها عملا، الآن، بعد فقدانها لأبنائها.. وهي المشاهد التي تسقط الفيلم في هوة الميلودراما المثيرة للشفقة، وتجرده من حسناته القليلة.

تعدد الشخصيات

إن فكرة استخدام بناء سينمائي متعدد الشخصيات، تغيب عنه الحبكة، ليست جديدة في السينما المصرية، لكنها مجازفة يمكن أن تقضي على الفيلم، إذا لم يعرف المخرج كيف يتعامل مع تلك الشخصيات المتعددة، فيضفي على كل منها ملامح مختلفة عن غيرها، لا أن يكرر من خلالها الفكرة نفسها طوال الوقت.

وهذا تحديدا ما نراه في هذا الفيلم الذي يبدأ بداية جيدة، بحركة كاميرا تجوس وتتجول بين الشخصيات، تتابعها في تحركاتها في حدود المكان، ثم يعجز بعد ذلك عن تضفير وتوليف علاقات حقيقية ذات معنى في ما بينها، بل يجنح إلى التكرار والثرثرة والضغط كثيرا على فكرة التدني والانحدار والانهيار الأخلاقي، مع جنوح السيناريو أصلا إلى استخدام شخصيات نمطية متهالكة مثل شخصية المنتج السينمائي الذي يأتي إلى دار السينما للاطمئنان على الدعاية، لفيلم “ورك وصدر”، ثم يستعين بالصحافي المرتزق المستعد لبيع نفسه لكل من يدفع، ويسأله عن رأيه في وضع الدعاية على مدخل السينما “الصدر أم الصدر؟”، في سياق يتيح للمخرج السخرية من نقاد السينما وتصويرهم كمجوعة من المأجورين، يصبحون نقادا، إذا أمكن لهم كتابة أي شيء على الورق، كما يتردد حرفيا في الفيلم.

فكرة استخدام بناء سينمائي متعدد الشخصيات، تغيب عنه الحبكة، ليست جديدة في السينما المصرية، لكنها مجازفة يمكن أن تقضي على الفيلم

كان من الممكن أن يكون الفيلم أكثر انضباطا، إذا ما استبعدت شخصية السفير المتهالك الفيومي، والمرأة المتصابية، وكرم عامل المقهى، وصاحب الكشك أمام السينما، وابتسام (زينة) واختزلت شخصية حورية فرغلي إلى النصف، كما كان يجب أيضا اختزال شخصية إلهام شاهين المتسولة إلى النصف، أي استبعاد مشهد موت ابنها في حادث وإلقاء طفلتها المتبقية في القمامة، وحذف كل ما جاء بعد ذلك، والاكتفاء بموضوع بيع الابنة ثم شعورها بالندم.

بهذا الشكل كان يمكن استبعاد ما يقرب من نصف ساعة من الأحداث، وانهاء الفيلم بتفجير السينما في الوقت الذي يرقص الجميع، دون ما حاجة إلى افتعال موضوع سرقة أموالهم على يد الشخصية الزائدة واجبة الاختفاء كرم، فما العيب في أن يكون لدينا فيلم يقع في ساعة ونصف الساعة؟

وفي المقابل، فإن هذا التحكم الدقيق البارد في رسم الشخصيات وصياغة الأحداث الذي نطالب به، حيث يصبح أمامنا فيلم من أفلام التعليق الاجتماعي الساخر المشحون بالأفكار الخفية التي نشعر بها دون أن نسمعها، وتخليصه من المباشرة والشعارات وتكرار الفكرة، وتقليص الشخصيات التي تصرخ بالعفن والتدني والفظاظة، كان يقتضي سياقا سينمائيا آخر، وربما مخرجا آخر أيضا لا يستمرئ ممارسة لعبة الإشارات الرمزية الفجة المباشرة، بأن يسلط الكاميرا في نهاية الكثير من المشاهد، على الحروف المكتوبة على لوحات السيارات المارة، حيث يجعلها تحمل معاني مثل “فزع، خوف، زاغ، فُجر..” وغير ذلك من الأوصاف الساذجة المضحكة التي يُقصد منها التعليق على المواقف التي نشاهدها في الفيلم، فإذا لم يكن أبوسيف قادرا على التعبير عن فكرته من خلال الأداء والمواقف نفسها والأداء التمثيلي الذي جاء للأسف نمطيا، فلماذا يتعب نفسه، ويتعبنا معه، من البداية؟

16