هستيريا وتفاحات

السؤال البديهي، لماذا تحتوي دساتيرهم وأعرافهم ما يوفر الحماية لكبار المسؤولين، ثم لا يجوز الأمر ذاته لأعرافنا؟ لماذا يبدو التطاول على مناصبنا السيادية سهلا لهم، بينما تظل مناصبهم السيادية محصنة؟
الخميس 2018/12/13
لماذا كل هذا التطاول على المملكة العربية السعودية

ما من جهاز مخابرات غربي إلا وارتكب جرائم ومخالفات جسيمة. والأدلة التي تثبت تورط تلك الأجهزة بأعمال غير مشروعة، أكثر من كثيرة. ولكن لم يحصل، ولا لمرة واحدة، أن طالت الاتهامات بتلك المخالفات رئيسا أو رئيس وزراء أو وزيرا أو منصبا ساميا.

يجدر القول إن طبيعة أجهزة المخابرات الغربية تجعل من المنطقة الرمادية في عملها واسعة إلى درجة أن منتسبيها، أو بعضهم على الأقل، يعتقد أنه يملك “رخصة للقتل”، أو بحسب التعبير الشائع،License to kill وهم يمارسون تلك “الرخصة” ضد كل من يعتقدون أنه يشكّل خطرا. بل ويحتفلون بها أيضا.

سلسلة أفلام جيمس بوند، ليست في الواقع سوى احتفال دائم بتلك الرخصة.

ولو عدت بالذاكرة إلى الأيام القريبة التي كانت وكالة “سي.آي.أيه” تقوم فيها باختطاف مشتبه بهم وتعذبهم في الطائرات وفي مراكز سرية حول العالم، لأدركت على الفور أن جيمس بوند الحقيقي ليس بذلك اللطف ولا الرشاقة ولا الوجه الحسن.

وكل تلك الأفعال، كانت من عمل “تفاحات فاسدة”، كما دأب المسؤولون الأميركيون على القول في كل مرة ينكشف فيها عمل بشع من أعمالهم. وغاية القول هي إن تلك الأعمال أبعد ما تكون عن أن تطال مديرا عاما، دع عنك وزير الدفاع أو نائب الرئيس أو الرئيس نفسه، بل ولا حتى أي ضابط كبير.

جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب في سجن أبوغريب في العراق كانت شاهدة على ذلك. وهي جرائم بالكاد أدين بسببها جنديان من رتبة متدنية.

وشكرا للأمير تركي الفيصل الذي عاد ليذكرنا بأخطاء الـ”سي.آي.إيه” وسوء تقديراتها، حين زعمت تقاريرها أن العراق غارق حتى أذنيه بأسلحة الدمار الشامل. فكانت دافعا لغزو هذا البلد، بناء على أكاذيب عرجاء ومبالغات عوراء واندفاعات رعناء. ثم كانت سببا لمقتل مئات الآلاف من البشر، ودمار بلد بأسره.

السؤال البديهي، لماذا تحتوي دساتيرهم وأعرافهم ما يوفر الحماية لكبار المسؤولين، ثم لا يجوز الأمر ذاته لأعرافنا؟ لماذا يبدو التطاول على مناصبنا السيادية سهلا لهم، بينما تظل مناصبهم السيادية محصنة؟

فبرغم كل الاتهامات التي وُجهت لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وبرغم سلسلة التحقيقات البرلمانية بشأن دوره في تزييف الحقائق التي أدت إلى غزو العراق عام 2003، فإنه لم يواجه اتهاما جنائيا واحدا، حتى وهو خارج منصبه.

لقد أدت أكاذيب بلير، وتمسكه بغزو العراق، إلى انتحار (أو قتل) واحد من أكبر علماء بريطانيا النوويين: ديفيد كيلي. وذهب دم هذا الرجل هباء لمجرد أن جيمس بوند “المؤسسة” البريطانية، كان ينتظر من الحرب منافع وصفقات. فضاع الدم وضاعت الصفقات، حتى أن أحدا لم يجر تحقيقا جديرا بالاعتبار حول من كان يقف وراء “انتحار” كيلي، أو من دفعه إليه، هذا إن لم يُقتل بدم بارد أصلا، لأن شهادته بعدم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، كانت ستبدد مشروعا متكاملا للغزو تم الاشتغال عليه لسنوات طوال.

ولئن كانت تقاليد الكتابة الصحافية الجنائية، هناك، لا تجيز حتى ذكر اسم الجاني قبل صدور الحكم عليه، فلدينا الآن من نماذج الهستيريا الإعلامية (التركية والقطرية خاصة) ما أصبح يجيز لنفسه تحديد المتهمين واختراع الأدلة وإجراء المحاكمات وإصدار الأحكام دفعة واحدة. بل وقد تذهب الوقاحة حد الحديث عن أدلة وتسجيلات ليس لها وجود أصلا. إنما يتم فبركتها من أجل التصعيد والإثارة الفارغة فحسب.

القفز من فوق مؤسسات القضاء، هو بحد ذاته عمل خطير، لأنه يجعل من دولنا مسرحا لكل ضغينة وملعبا لكل حاقد. بل ويكشف، بجلاء، أن بعض الإعلام في بيئتنا موجود فقط لكي يؤدي وظيفة الهدم.

ما يجري التطاول عليه، عندما يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية، هو قوتها؛ هو مشروعها التنموي، هو مكانتها الإقليمية والدولية، هو قدرتها على أن تكون لاعبا قويا في الحرب ضد الإرهاب، وأدوات صنع وتمويل الإرهاب. هذا هو القصد.

ويظل السؤال معلقا، بحثا عن جواب: لماذا يجوز لتفاحاتهم أن ترتكب انتهاكات، ثم لا يجوز لتفاحتنا أن تفعل الشيء نفسه؟ لماذا لم يُحاسب شرطي مرور في وكالة الـ”سي.آي.إيه”، على ما اقترفته من أكاذيب وأعمال قتل، بينما يتحول الأمر إلى تشهير حقيقي إذا وقع انتهاك في سلتنا؟ لماذا يجوز قتل ديفيد كيلي، بدم بارد، ولا يجوز قتل جمال خاشقجي، إلا لتقوم الدنيا ولا تقعد؟

المنطق يقول: كل القتل مُدان. والكيل بمكيالين فيه مُدان أيضا.

8