هسلاهولم  مكان يقول لنا "كل ما نحتاجه هو الحب" 

ليست الموسيقى وحدها ما يجذب الناس إلى البلدة السويدية، جيل أكبر كان يقف على الأرصفة، هو الجيل الذي تعيده ذكرى تلك السيارات إلى طفولته.
الأحد 2018/02/25
هسلاهولم بلدة تحتفي بالموسيقى

للموسيقى عطرها. من لا يصدق ذلك عليه أن يذهب إلى هسلاهولم، واحدة من البلدات الصغيرة في مقاطعة سكونا جنوب السويد. هناك لا ينافس الفن الطبيعة في أعز ما تملك من ثروات: إيقاعها حسب بل وأيضا يستولي على شيء من عاداتها الغامضة. أتخيّلها بلدة هادئة، هسلاهولم تلك.

يمر بها المسافر مسرعا من غير أن يلتفت إليها لا لأنها لا تثير الانتباه بل لأنها تشبه في جمالها وغنجها وترفها البريء الكثير من البلدات السويدية الأخرى. غابة خضراء شاسعة رصعت بعدد من البيوت التي تغفو على بحيرات تعجّ بالبط وسواه من طيور الماء المهاجرة. غير أن تلك البلدة تفارق هدوءها ثلاثة أيام في السنة حين تعصف بها رياح الموسيقى.

بين عالمين

حينها تنقسم البلدة إلى نصفين: نصف يذكر بيوم الحشر ونصف يبقى مخلصا لعاداته في الاستسلام لسحر الطبيعة وهي تحصي أنفاس المرء الذاهل عن وجوده. في النصف الثاني كان الفندق الذي اخترته مكانا لإقامة جسدي فيما كانت الروح مني تظل كل الوقت محلقة في فضاء النصف الأول، حيث كانت الموسيقى تمتزج بأجساد شباب وشيوخ حضروا من مختلف أنحاء أوروبا لا ليشاهدوا فعاليات مهرجان (سييستا) الموسيقي وحسب، بل ليعيدوا أيضا لحواسهم زهوها ونبل تمرّدها. عطر الموسيقى هو جزء من ذلك الإلهام الحسي الذي يعيشه المرء وهو يرتقي سلما للغياب. 

4320 دقيقة من الموسيقى. ثلاثة أيام من الفجر إلى الفجر لم تفلت منها دقيقة واحدة. في هسلاهولم، البلدة المكوّنة من الماء والنبات وأناشيد العصافير الصغيرة.

حين تغني السياسة

خُيّل إليّ أن كل قبضة هواء إنما هي سلة نغمات. يشعر المرء أن أصواتا ليّنة ورحيمة تنبعث من كل مكان من حوله ومن جسده أيضا، إن جلس على حجر أو تمدّد على عشب أو استظل بشجرة أو استلقى على سريره في الفندق أو نام على الأرض في خيمته. جوقة كمنجات وحشد من الأبواق وجمع من القيثارات يرافق خيال الصوت البشري الذاهب إلى سؤال مصيره.

يقال إن (سييستا) هو مهرجان سنوي للموسيقى المعاصرة يقام في بلدة منسية في جنوب السويد ولكنه في الحقيقة كون من التلاقيات بين مجموعة هائلة من الوقائع اللامرئية. كانت هناك دائما أشباح ترافقنا وتترفق بنا وتحنو علينا.

الفضاء يهب المعنى المستلهم من الفن
الفضاء يهب المعنى المستلهم من الفن

عشرات الفرق الموسيقية حضرت من مختلف أنحاء أوروبا لتستعرض تجاربها الموسيقية الشعبية والتجريبية على حد سواء. شيء من الموسيقى وشيء من نقيضها فيما الطبيعة تلهو بربيع دافئ لا يتكرر ولا يستعاد. لا تستثني الحواس صوتا قادما بعاطفته من منجم رؤاه. هذه هي الموسيقى كما نعيشها لا كما نتخيّلها. الموسيقى ليست فكرة نظرية بل هي حدث واقعي.

ولكنه الواقع الذي يهب الفضاء معنى مختلفا، هو المعنى المستلهم من الفن. الصوت، ألا يمكن رؤيته؟ تتيح لنا الموسيقى الانتقال إلى منطقة تتحرر فيها الحواس من عبودية وظائفها. (انتي فلاغ) الفريق الأميركي كان يدعونا إلى تخيّل قدرتنا على أن نتغير، أن نحل في أجسادنا قوة مختلفة تعيننا على عدم القبول بما يُملى علينا من خيارات سياسية عبر ثقافة الميديا. لقد تحدث زعيم ذلك الفريق أكثر مما غنى أو عزف.

غير أن الجمهور كان مشدودا إلى الإيقاع الشعري الخفي الذي رافق دعوته إلى التمرّد على سياسات فرض الأمر الواقع على الشعوب. شيء من الموسيقى وشيء عنها يمتزجان. ليست الموسيقى أنغاما تعزف لتسمع. لا شيء في خبرة الشقاء الإنساني يدعو إلى الطرب. تنقصنا هذه الفضيلة بالرغم من عظمة فجائعنا.

 أجتاز البلدة كلها مرات عديدة في اليوم في رحلتي ذهابا وإيابا ما بين طرفيها. مرة أترك فيها الكنيسة المشيّدة بالطابوق الأحمر على الطراز القوطي ورائي والشمس تضيء جدرانها ومرة أخرى يواجهني ناقوس الكنيسة فيها، وهو الذي لم ينس عاداته بالرغم من أني لم أر أحدا من المصلين داخلا إلى الكنيسة أو خارجا منها. كما لو أن ذلك الناقوس كان يرغب في المشاركة في الإيقاع الذي يخترق فضاء البلدة. أستمع إلى دقات الناقوس وارفع رأسي.

هناك من يفكر بنا في السماء. هذا بالضبط ما تقوله الموسيقى. في اللحظة ذاتها تصلني موسيقى مدرسية: أطفال توزعوا بين شوارع البلدة على شكل فرق موسيقية.

كل فريق منهم يعزف أفراده على آلة بعينها. فريق متخصّص بالهوائيات وفريق ثان متخصّص بالوتريات وثالث بالطبول والأكثر غرابة من بينها ذلك الفريق الذي اختص بالضرب على الخشب.

أمشي بين الأزقة كما لو أن هناك موجة تسلمني لأخرى ممتطيا هواء هذياناتي. في لحظة مبهمة قررت البلدة أن تكون موجودة من خلال فتيانها وفتياتها الصغيرات في ذلك الحفل المجنون. لا فرق بين فيفالدي وفريق “آبا”. الموسيقى لا زمان لها.

صلاة جماعية في الموسيقى

يلتحق المرء بالأثر الذي تتركه الموسيقى على الشارع. لا بأس، هناك شيء من البركة ينزلق من برج الكنيسة ليمس الأقدام فيقول المرء: الرعية لا تزال تنعم بالخير وهو ما لا تنكره الأصوات القادمة من أعماق الغابة.

الموسيقى تجمع وتوحّد ولا تستثني أحدا من نعمها. حدث إيماني يعيشه الشباب من غير أن يهتدوا إلى معانيه العميقة. غير مرة شعرت أن هناك صلاة جماعية تقام في ركن من أركان الحفل، غير أنّ الديمقراطية وهي نوع من أنواع الهوس الشعبي تجعل من الإنصات إلى الفعل الفريد نوعا من العزلة النخبوية.

يمكنني أن أسمي فرقا بعينها: بلاسيبو، سونيك يوث، انتي فلاغ، فوينكس. هذه الفرق من بين عشرات الفرق الموسيقية كان لها نداؤها الخاص وهو ذريعتها في الانخطاف الموسيقي. لا شيء له علاقة بالتسلية أو إنكار الزمن. فنانون قرّروا أن يقفوا عند الحافات من وجودنا.

هنالك فرق بين أن تبعث الموسيقى فيك الخدر وبين أن تدعوك إلى التحرر من نفسك ومن كسلك وعيائك. على الضفة الثانية يقف المتمردون. كنا هناك. وكنت أراقب الحاضرين: هنودا وأفارقة ومن أميركا اللاتينية. أما العرب فلم أر واحدا منهم. ربما لأنه ليس هناك في الحفل ما يطرب.

كل ما نحتاجه هو الحب

هذه هي الموسيقى كما نعيشها
هذه هي الموسيقى كما نعيشها

غالبا ما لا يكتمل مهرجان للموسيقى من غير استعراض فخم للسيارات القديمة. أ لأن الموسيقى قديمة قدم الإنسان؟ علاقة مبهمة حقا تفرضها تقاليد المدن والبلدات السويدية. هناك حنين غريب إلى ما لم نعد نستعمله، ما ألقينا به في الخزائن. حدث مدهش فعلا أن ترى سيارة عمرها أكثر من سبعين سنة لا يزال في إمكانها أن تسير في الشارع مزينة مثل عروس.

 فجأة يصبح الواقع جزءا من فيلم أميركي قديم. في الجانب الهادئ من هسلاهولم وقع الصخب وعلت ضجة جمهور آخر. لقد اخترقت السيارات القديمة شوارع البلدة القديمة قريبا من حديقة الكنيسة. فوجئت أن الجمهور لم يكن هو نفسه الذي أتى من أجل الموسيقى.

ليست الموسيقى وحدها ما يجذب الناس إلى هذه البلدة إذن. جيل أكبر كان يقف على الأرصفة. هو الجيل الذي تعيده ذكرى تلك السيارات إلى طفولته.

ربما يشكل استعراض السيارات نوعا من العناد ضد الزمن. حنين إلى فاكهة لم تعد موجودة. كانت الموسيقى تصل من غير أن يقلقها صخب السيارات. الشغف بالاختراع لا يلغي البداهة باعتبارها ولعا إنسانيا. يمكن لجيمس دين الذي قتل بسبب ولعه الشديد بالسيارات أن يقول لك: الموسيقى هي الأصل.

 موهبة أن يكون المرء موجودا في مكانين، ربما يكمل أحدهما الآخر يمكن اكتسابها بيسر في لحظة فالتة من لحظات الخيال. أنظر إلى جمهور السيارات القديمة، من وقف منهم على الرصيف أو من كان يقود سيارة أو يجلس إلى جانب سائقها فتعود ذاكرتي إلى ستينات القرن الماضي: قصات الشعر، الثياب، الوقفة، النظارات الطبية والشمسية، الشعارات المكتوبة على القمصان ويصل لي إيقاع أغنية للبيتلز.

“كل ما نحتاجه هو الحب” لم تكن أذني تتخيّل فالصوت لم ينبعث من أعماقي. كان هناك في الطرف النائي من البلدة من يردّد كلمات البيتلز. حين غادرت البلدة صباح اليوم الرابع رأيت الكثيرين وهم يلوّحون بأيديهم مثلي تماما. كان عطر الموسيقى وقد امتلأنا به يشدنا إلى أشباح تقف تحت المطر في وداعنا في بلدة ستعود إلى نومها الأبدي ما إن نغادرها.

9