"هشاشة" لإيناس العباسي.. أرض الاغتراب وأبواب الجريمة

السبت 2014/01/11
الرعب.. الثيمة الأساسية في المجموعة

عمان - عوالم الغربة والاغتراب في الزّمان والمكان، الاغتراب عن البشر والإنسانيّة، بكل ما تنطوي عليه هذه العوالم من مشاعر الضعف وأحاسيس المرارة، وما تنتجه من اهتزاز القيم والأخلاق والمبادئ، هي ما يشغل قصص التّونسيّة إيناس العباسي، وهي تكتب في المغترَب الخليجيّ، حيث المال، ولا شيء سوى المال، هو ما يجذب الإنسان ويدفعه إلى ترك بلاده، ليواجه أشكالا وصورا من البؤس النفسيّ والانسلاخ عن ذاته.

تصدّر العباسي مجموعتها القصصية “هشاشة” الصادرة مؤخرا عن دار الفارابي ببيروت، بمقولة نيتشه “لسنا صادقين تماما إلّا في أحلامنا”.

فالمجموعة التي تضمّ عشر قصص، تحتشد بالأحلام ذات الطابع الكابوسيّ، تنعكس في لغة العنف التي تعبر بها الكاتبة عن مسارات وحيوات “أبطالها” الذين يفتقرون إلى “البطولة”، ويعانون صورا من الهشاشة تفرز أشكالا من القتل المادي والمعنوي للإنسان، تتجسّد في افتقاد الأبعاد الإنسانية، وسيادة قوانين وقيم هي من إفرازات المجتمعات التي تقوم الحياة فيها على التنافس والصراع، لا على التفاهم والمحبة. فالغربة عن الوطن، تنتج اغترابا مرعبا في مدينة “قاف” الخليجية.

يمكن اعتبار القصة الأولى “حين رأيت جثتها”، القصة المحورية في المجموعة، إذ تدخل الكاتبة في تفكيك ملامح مدينة “قاف” التي يضطرّ غسان للعيش فيها، فهي “من فرط نظافتها، ودقّة تصاميم مبانيها، يشعر من يزورها أول مرّة وكأنّه دخل إلى لوحة، إلى صورة مدينة مثاليّة”. فمدينة “قاف” لها جمالها الخاص، وهي “مدينة صغيرة تستمتع بالتباهي بمجوهراتها”.

ثم تلتقط السّاردةُ ملمحا مهما يتمثل في خلو المدينة من المجانين، متسائلة كيف تكون مدينة حقيقية من دونهم؟ فالمجنون هو روح المدينة، وهو جرحها المفتوح النابض بالحقيقة. ويُخفي هذا الملمح سمة أساسية في حياة المدينة وسكّانها، يتعلق بقدرة هؤلاء على التكيّف، فمن لا يتكيّف يُصاب بالجنون أو ينتحر.

تتكثف في المدينة الكثير من صور المعاناة البشرية، بدءا من “الطقس الذي تحالف مع الغربة ضدّه”، والأرق الذي هو “لعنة المغتربين”، مرورا بلحظات سوداء يُسائل فيها نفسه بندم عن سبب مغادرته بلده وهو “الحاجة إلى عمل لا يوفره وطنه”. ومن وسائل إدامة “تكيّفه” الاضطراري أنه “لم يعد يستمع لفيروز صباحا كي لا ينهمر الحنين على يومه فيفسده”، وعدم مشاهدة التلفزيون الذي “بدل أن يُخفّف من وحشته زادها”.. وصولا إلى مشهد ملابس لباكستانيين يُهيّأ له بأنها جثّة امرأة شنقت نفسها. فكلما ضاق الوقتُ بالبطل ردّد لنفسه عبارة “التأقلم أو الاندثار” كتعويذة قديمة، ولذلك أيضا نجده في نهاية القصّة يتوهّم انتحار المرأة التي راقبها لفترة من الزمن في شقّة قريبة ويقول إنّها “ربّما كانت وافدة جديدة ولم تستطع التأقلم وسيطر عليها الاكتئاب ففضّلت الموت على العودة إلى بلادها مهزومة، أو ربّما كانت لديها ديون ومشاكل أكبر من أن تحلّها.. اللعنة.. حتى اسمُها لا يعرفه”.

الرعب، هو الثيمة الأساسية في المجموعة، يتجسّد في كل قصة على نحو مختلف شكلا، ومؤتلف مضمونا، وتوحّده لغة متوترة سخرة وحارّة تراوح بين الواقعيّ والفانتازيّ والغرائبيّ، تعبيرا عن فساد القيم والأخلاق، وانهيار المجتمع. هنا نجد امرأة تقتل أختها غير الشقيقة (من أبيها) انتقاما منها ومن زوجة الأب اللتين تزرعان فيها الحقد باضطهادهما لها منذ طفولتها؛ في لحظة ما تكتشف “شيراز" أنّ وجود علاقة بين زوجها وأختها، فتكون النهاية بالقتل.

وتتواصل صور الأزمات البشرية، فنشمّ للخوف رائحة، مع مازن وهو يجلس إلى مكتبه ست عشرة ساعة أو أكثر يوميّا، فيكتشف مع مرور السنوات أنه بقدر ما سهلت شبكة الأنترنت حياته بقدر ما أحكمت خيوطها حوله. ومع “طائر النحس وأشياء أخرى” نسير في حياة شخص مرفوض في الجيش لأن قدميه مُسطحتان، وهو كائن جمع الأدب والرياضيات، فتزاوجا في روحه حتى صار عقله بستانا من الحروف والأرقام. تمازجت الحروف العربية واللاتينية في حياته بعفوية بحيث كان يبدأ صباحاته بالخطوط والأرقام ويرفّه عن نفسه مساء بقراءة الشعر. ويخشى أن يُجنّ في مغارة عزلته، فيقدم على تناول كميات من البروزاك للانتحار. فيقول له الطبيب “هذا الدواء صُمّم لتحفيز المشاعر الإيجابية لدى المكتئبين، وتركيبته من الأعشاب الطبيعية. يعني حتى لو تناولت مائة علبة منه فلن تموت، ستشعر في البداية بالغثيان ثم بالسعادة وبرغبة مجنونة في الحياة لا أكثر ولا أقل”.

وفي خضم أزمات المجتمع، تبرز أزمة العلاقة الزوجية المسكونة بالشك، عبر سؤال الزوج لزوجته “لماذا ومنذ متى والطفل ابن من؟ ابني أمْ ابنه؟”. ويبحث عن نقاط الشبه بينه وبين صديقه. وعرف الناس في ما بعد أن جارهم حين تعرض لأزمة قلبية تمكن من الاتصال بالاسعاف في آخر لحظة. وفي زاوية أخرى نلتقي امرأة تحتاج إلى كلية، يرفض زوجها التبرّع لها بها، ويقترح شراء كلية من شاب هندي، وفي الهند يسقط الزوج في غيبوبة، فتشعر المرأة بالتحرر منه. وتكشف الكاتبة هنا عن أزمتين، الفقر وحريّة المرأة، “حين يبيع الإنسان جزءا من جسده فبكلّ تأكيد هو لا يملك رفاهية اختيار مصدر آخر للعيش”. وفي الأيام التالية “شُوهدت وسط مومباي امرأة تقود دراجة نارية بسرعة وتهوّر.

16