هشام الخشن: الكتابة الموجهة نهايتها النسيان

الروائي المصري يرى أن العمل الروائي يجب أن يكون مرآة لتاريخ الجيل ومعاصرا لأحداثه.
الخميس 2020/11/19
استدعاء الزمن الماضي يصنع حكايات مُدهشة

ربما كان ميل القراء إلى الروايات التاريخية نوعا من الحنين إلى الماضي، حنين رومانسي يرى في ما سبق حدوثه صورا مفعمة بألوان فاتحة وضبابية سحرية. بينما الرواية التاريخية لا تقدم الماضي في صورته السحرية بقدر ما تعريه وتنقده. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي المصري هشام الخشن حول الكتابة التاريخية وقضايا أدبية أخرى.

يحكي الزمن الماضي حكايات غريبة ماتعة تظل دوما محل استدعاء في ذاكرة كل إنسان. تتشابك الانتصارات والانكسارات معا لترسم خبرات متراكمة لدى النفس الإنسانية، ويمكن إعادة سردها مرة أخرى بل ومرات عديدة في أوقات بعينها بغرض رصد تحولات اجتماعية لافتة.

بهذا التصور صاغ الروائي المصري هشام الخشن، حكايته الجديدة في رواية “شلة ليبون” الصادرة مؤخرا في القاهرة، حيث تحكي قصة مجموعة تتكون من سبعة أصدقاء قدامى، يتجمعون معا يوما واحدا في العام، في ليلة رأس السنة للعب البوكر في عقار “ليبون” بحي الزمالك، القريب من وسط القاهرة. وعلى مائدة الربح والخسارة، يستدعي الروائي تاريخ كل شخصية ليقارب بين لعبة البوكر، وحيوات البشر وما تشهدانه من متغيرات وتحولات.

قراءة الأحداث الهامة

يقول الروائي المصري لـ”العرب”، إن قيمة الاستدعاء الماضوي لدى كل شخصية من شخصيات اللعبة تبلور تحولات مجتمعية مهمة، فالشخوص الذين يمثلون أنماطا متباينة يواجهون مجريات الحياة بطرق مختلفة.

ويضيف أن الشلة التي تلعب لا تلتقي للمرة الأولى فهناك تاريخ مشترك بين أفرادها، وكل شخصية من أفرادها تتبلور درجة تفاعلها مع مصاعب الحياة وفق دوافعها الخاصة.

ويرى أن كل رواية عبارة عن سرد للحدث غير العادي في حياة شخصياتها ما يعني تقديم معاناة كل شخصية، بما يعبر في النهاية عن معاناة جيل بأكمله، ولا يوجد جيل دون أزمات وقضايا، والعمل الروائي يجب أن يكون مرآة لتاريخ الجيل ومعاصرا لأحداثه.

هشام الخشن، من مواليد القاهرة في يوليو سنة 1963، وتخرج في كلية الهندسة بالجامعة الأميركية في القاهرة، وبدأ مشروعه الأدبي سنة 2009 بمجموعته القصصية المعنونة “حكايات مصرية جدا”، ولاقت نجاحا كبيرا، وحققت ست طبعات في سنوات قليلة.

رصد للتحولات الاجتماعية اللافتة
رصد للتحولات الاجتماعية اللافتة

وأصدر الروائي في يناير 2011 روايته الأولى “ما وراء الأبواب”، ثُم أصدر روايته الثانية عن انتفاضة 25 يناير بعنوان “سبعة أيام في التحرير”، وتم تحويلها إلى مسلسل درامي بعنوان “ويأتي النهار”. ولفتت روايته الثالثة “آدم المصري” أنظار الكثير من النقاد، ثم كتب مجموعة قصصية مشتركة مع الكاتبة رشا سمير بعنوان “دويتو”، قبل أن يصدر في 2014 رواية “جرافيت” التي رُشحت سنة 2016 ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية. وصدرت له في ما بعد روايتا “تلال الأكاسيا”، و”حدث في برلين”.

يمثل الجانب التاريخي ثيمة ثابتة لدى الروائي المصري من خلال العودة إلى عصور ماضية وإعادة قراءة أحداث هامة في التاريخ، واسترجاع ذكريات الشخوص في الرواية، كما هو الحال في رواية “شلة ليبون”.

استخدم الخشن في روايته الأحدث أسلوب الأصوات المتعددة لمنح شخوصه قدرا من العدالة في التعبير عن وجهات نظرهم، وتأكيد فكرة عدم التعاطف أو الانحياز لأيّهم على حساب الآخرين.

ويوضح لـ”العرب”، أن كل رواية تستدعي طريقة سردها، فلا يوجد أسلوب معين ندعي أنه ضابط أفضل للسياق، ومن الممكن أن ينوع الكاتب في الرواية الواحدة، بين الراوي العليم وأصوات شخوصه.

ويضيف أن استخدام أصوات متعددة يمثل تحديا كبيرا، فلا بد أن يكون لكل صوت بصمته المميزة وبطاقة تعريفه التي تجعل القارئ يتعرف عليه ويتفاعل معه دون مجهود خاص، ويزداد التحدي صعوبة مع اختلاف كينونات كل صوت وتطور شخصية ذلك الصوت مع أحداث الرواية.

ويعترف الخشن بأنه لم يكن له هدف محدد ليرصده حين شرع في كتابة “شلة ليبون”، ولا يؤمن أن الروائي يجب أن يحدد هدفا معينا من وراء كتابته لرواية بعينها، “إنني أفضل أن تتفاعل الشخصيات مع أحداث الرواية فينتج عن ذلك ما قد يراه البعض رصدا لزمن معين أو قراءة لمتغيرات مجتمعية أو ما شابه ذلك، وفي الرواية الأخيرة لم أحتج لبحث طويل بقدر ما اكتفيت بسرد فترة حية في ذاكرتي، لأن زمن ومكان الرواية قريبان جدا مني، وأبطالها يمثلون جيلي، وقصدت أن يكونوا في سني”.

ويشير إلى أن التاريخ مهم جدا للروائي ولا يمثل مجرد ظل للنص، بل إنه يراه جزءا أصيلا في البناء السردي للشخصيات أو للمكان، وحتى لزمن الرواية نفسه، ونحتاج أن نستدعي التاريخ الذي أوصلنا للحظة السرد.

وفي تصوره أن إقبال القراء على الروايات التاريخية له أسباب مركبة، بين “نوستالجيا”، أو حنين إلى الماضي يمثل للبعض هروبا أو تطلعا رومانسيا لأزمنة يرونها أفضل من واقعهم، أو رغبة عارمة في التعرف علي تاريخ سمعوا عنه القليل، وقد يجد البعض في الروايات التاريخية مثالية يرتاحون بالغوص فيها بعيدا عن إيقاع حياتهم العصرية شديد السرعة.

وتعد الروايات التاريخية معادلتها شديدة الصعوبة في ظنه، حيث يؤمن بوجوبية البحث الجيد من أجل الالتزام بالثابت تاريخيا، ومزج ذلك بخيال الكاتب دون تجن أو خلط لمجريات العصر، ويتفوق الروائي في بحثه حين يجد أحداثا تاريخية غير معهودة أو ما يسمى “تاريخا غير مروي أو غير معروف”، وتتميز روايته بدهشة تعلي من قيمتها وتلهب خيال القراء.

ويؤكد هشام الخشن في حواره مع “العرب”، أنه يجد رخصة محببة في إعادة صياغة التاريخ، ويرفض تماما تبديل الأحداث ولو تحت بند خدمة العمل فنيا، قائلا “هناك معادلة صعبة يحتاج الكاتب أن يصل من خلالها إلى توازن مثالي بين ما هو ثابت من أحداث وما يزيده عليها خياله”.

وضرب مثلا بروايته “حدث في برلين”، التي ترصد نزوح النازيين من ألمانيا بعد هزيمة أدولف هتلر، وأن شاغله الأساسي في الرواية قراءة معاناة البشر على أيدى بشر آخرين مثلهم، وقال “وجدت في شخصيات الرواية النسائية سبيلي لتأكيد هذا الطرح، لأن المرأة لديها مشاعر أقوى من الرجل، كما أن كثيرا من الأحداث لم تكن لتنال تعاطف القارئ لو أن الذي مر بها رجل”.

الجوائز والدراما

كل رواية عبارة عن سرد للحدث غير العادي في حياة شخصياتها ما يعني تقديم معاناة كل شخصية
كل رواية عبارة عن سرد للحدث غير العادي في حياة شخصياتها ما يعني تقديم معاناة كل شخصية

بالنسبة إلى ظاهرة الجوائز وتحولها لدى البعض إلى أداة توجيه وتحوير للإبداع الروائي، يقول هشام الخشن “أي كتابة موجهة لأي سبب محكوم عليها بالنسيان، ولا أظن أن مبدعا حقيقيا يفصل إبداعه على مقاس جائزة وإلا فُقد ذلك الإبداع، ولا أعتقد أن هناك فائزا بجائزة كبرى قصد مما كتب الفوز، الأقرب أنه تمنى الفوز بها أو اطمأن لفرصها في الفوز، لكنه بالتأكيد لم يكتبها أو يبدعها ووضع بها ضمانات الفوز”.

وقد أسهمت الجوائز في إثراء الحراك الثقافي بما ساعد في إنعاش الحياة الثقافية، وهي نوع من التكريم والتقدير للإبداع، وغيابها عن مبدعين آخرين لا يجب أن ينظر إليه باعتباره تقليلا من شأنهم.

ويلفت هشام الخشن إلى أن البعض ينتقد الجوائز أو يهاجمها إن لم تكن من نصيبه، وهذا في تقديره خطأ من أولئك المبدعين، لأن عدم فوزهم لا يقلل من تفوقهم، وإن كان يخضع لعوامل أخرى كثيرة تتعلق بذائقة المحكمين وتوجه الجائزة نفسها فنيا، وغير ذلك من أسباب تجتمع لدى من يفوز بها.

وحول تحويل الأعمال الروائية إلى دراما، حكى الخشن أن له تجربتين، في الأولى قام بإهداء العمل للشركة المنتجة دون مقابل، وحين صدر وجده مشوها تماما عن الرواية، فطلب رفع اسمه من على التترات، وعدم الإشارة إلى أنه مأخوذ عن روايته، وفي الثانية اشترى المنتج العمل، لكنه لم ير النور بعد.

ويرى أن موقف الكاتب الراحل نجيب محفوظ من عدم التدخل في تحويل أعماله إلى دراما كان هو الموقف الأصوب، فالرجل كان متفوقا في كتابة السيناريو وله سيناريوهات متنوعة، لكنه لم يكتب سيناريو لأي من أعماله الروائية، وترك الأمر للآخرين.

والخشن لا يجد الخبرة والدراية الكافية لكتابة السيناريو، ويفضل أن يكتبه متمرس في هذا المجال، ويقول “حين أتفاوض على تحويل أي من أعمالي إلى دراما أكتفي بوضع شرط أن أراجعه مع القائمين على السيناريو كي أتفادى تكرار التجربة الأولى التي لم أستحسنها”.

 ومن الضروري أن يتقبل الكاتب الأصلي إعطاء مساحة للمبدع الذي يليه (السيناريست) ليتعامل مع العمل بما يحقق الهدف المرجو من التحويل إلى عمل يناسب شاشة عرضه.

وكان للأديب المصري تجربة سابقة في الكتابة المشتركة، حيث قدم مجموعة قصصية مع الكاتبة رشا سمير، حملت عنوان “دويتو”، واستمتع بالتجربة، وما زال يجد في فكرة الكتابة المشتركة شغفا، وإن كان يراها صعبة لأسباب أخرى تتعلق بتشابك ظروف المشاركين معا.

ويرى هشام الخشن أن اللغة أهم عنصر في رسم أجواء الرواية، ويجب أن تختلف مع اختلاف زمن الحكي، كي تعبر عنه بمفرداته وتركيباته اللغوية، والموهبة أساس تبدل وتطور اللغة، وتعلي كاتبا ما وتسمو به إلى عنان السماء أو تهبط به إلى الأرض.

ويضيف “نشأت على قراءة جيل العظماء، مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي وإحسان عبدالقدوس، وفي الفترة الحالية أستمتع بكتابات المعاصرين من الكتاب العرب والمصريين، ولن أذكر أسماء بعينها حتى لا أنسى أحدا، واكتشفت في السنوات الأخيرة عددا من المبدعين الكبار في لبنان والعراق ودول الخليج العربي واستمتعت بها”.

ويتابع “عالميا أحب روث وبارنز ومانتل وموريسون وغيرهما من الكتاب الإنجليز والأميركيين الذين أستمتع بقراءة أعمالهم بلغتها الأصلية، وأحرص دائما على قراءة الروايات الفائزة بجائزتي البوكر والبوليتزر، وأجد عادة في ما أدخله كتابها من تجديد علامات وإشارات لتطوير كتاباتي”.

15