هشام المشيشي يتجاوز "عُقدة" حقيبة الداخلية في التعديل الوزاري المُرتقب

البرلمان التونسي يتلقى كتابا رسميا من رئيس الحكومة هشام المشيشي لمناقشة منح الثقة للوزراء الجدد بعد تجاوز أزمة حقيبة الداخلية.
السبت 2021/01/16
الغنوشي يستميل المشيشي

بعد أيام من الأخذ والرد بينه وبين حزامه السياسي، نجح رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي في تجاوز السجال الذي دار في الكواليس حول حقيبة وزارة الداخلية التي سيشملها التعديل الوزاري، وذلك وسط تحذيرات من أن يصبح المشيشي رهينا لدى حركة النهضة وأن يؤدي ذلك إلى توتر علاقته مع الرئيس قيس سعيد.

تونس- لم يحل الحجر الصحي الشامل لاحتواء سرعة انتشار فايروس كورونا في تونس دون تواصل الاتصالات والمشاورات بين رئيس الحكومة هشام المشيشي والأحزاب والكتل البرلمانية الداعمة لحكومته بحثا عن توافق وتفاهمات حول التعديل الوزاري المُثير للجدل الذي تترقبه غالبية الأوساط السياسية في البلاد.

وشملت هذه الاتصالات والمشاورات التي جرت بعيدا عن الأضواء خلال اليومين الماضيين حركة النهضة الإسلامية وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة، إلى جانب كتلة الإصلاح داخل البرلمان برئاسة حسونة الناصفي، وكذلك الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد).

وسعى المشيشي من خلال هذه المشاورات التي أجراها بالنيابة عنه عدد من المستشارين المقربين منه، إلى ضمان حزام برلماني داعم للتعديل بأكثر من 109 أصوات، إلى جانب التوصل إلى هدنة اجتماعية تبدو ضرورية له في هذه الفترة، وذلك من خلال إرضاء اتحاد الشغل بضم بعض المحسوبين عليه في فريقه الحكومي الجديد.

وقالت مصادر سياسية لـ”العرب”، إن تلك المشاورات التي دعمتها بوادر الانفراج التي لاحت في نهاية الأسبوع الماضي، في أعقاب تدخل رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي من داخل سجنه لحسم التباينات الحادة في مواقف أعضاء كتلته النيابية بخصوص هذه المسألة، تم خلالها التوصل إلى تفاهمات في آخر لحظة، جعلته يستعد للإعلان عن فريقه الجديد.

مصطفى بن أحمد: من الضروري أن تحافظ الحكومة على استقلاليتها
مصطفى بن أحمد: من الضروري أن تحافظ الحكومة على استقلاليتها

وكشفت أن المشيشي قد يكون توجه بكتاب رسمي إلى البرلمان طلب فيه تحديد موعد لعقد جلسة عامة لمنح الثقة للوزراء الجدد الذين اختارهم في سياق التعديل الوزاري، الذي مازال يُشكل بملابساته والحسابات السياسية المُحيطة به حدثا بارزا لم يتوقف الاهتمام به في سياق رهانات التعويل عليه للتخفيف من حالة الاحتقان السياسي الراهن.

وفي تأكيد ضمني لهذه المعلومة التي تردد صداها بقوة داخل البرلمان، اقترح مصطفى بن أحمد رئيس كتلة حزب تحيا تونس، في تصريحات إذاعية بُثت الجمعة، قيام البرلمان باستثناء لإقرار التصويت المباشر خلال فترة العمل بالإجراءات الاستثنائية، أو انتظار  نهاية العمل بهذه الإجراءات الاستثنائية على التعديل الوزاري.

وشدد على “عدم إمكانية التصويت على التعديل وفق إجراءات العمل الاستثنائية بالبرلمان، لأن ذلك قد يكون مخالفا للدستور ويُضعف أيضا صورة الحكومة، لأنه من غير الممكن التصويت على التعديل الوزاري عن بعد دون معرفة التوجهات الجديدة للحكومة والأهداف من التعديل”.

وكان الكشف عن هذا الكتاب الرسمي قد ترافق مع تسريبات ازدحمت بها الكواليس السياسية، مفادها أن هشام المشيشي سيُعلن عن التشكيلة الجديدة لفريقه الحكومي في الساعات القادمة، بعد أن سلم الرئاسة قائمة بأسماء الوزراء الجدد الذين سينضمون إلى حكومته.

وفي تفاصيل هذه التسريبات، فإن المشيشي أقدم على هذه الخطوة بعد أن مكنته تلك التفاهمات من تجاوز عقدة حقيبة وزارة الداخلية التي أثارت خلافات حادة حولها داخل حزامه السياسي والبرلماني كادت أن تتسبب في تفككه، خاصة بعد أن وضعت حركة النهضة الإسلامية فيتو على بعض الأسماء التي تم اقتراحها لتولي هذه الحقيبة.

وقابل حزب قلب تونس فيتو النهضة بفيتو مماثل شمل الأسماء المرشحة لتولي وزارات العدل والطاقة والجماعات المحلية، وذلك قبل التفاهم في نهاية المطاف على منح رئيس الحكومة أحقية اختيار وزير الداخلية من بين اسمين اثنين هما وليد الذهبي وسفيان الصيد، مع الاستجابة لمُقترحات حزب قلب تونس بخصوص وزارة العدل التي يتنافس عليها حاليا اسمان أيضا هما الهادي الديري (مُقرب من النهضة) ويوسف الزواغي (مُقرب من حزب قلب تونس).

ويبدو أن حركة النهضة الإسلامية ليست لها تحفظات على الاسمين المذكورين، وتدفع في المقابل إلى تعيين بعض المحسوبين عليها لتولي بقية الحقائب الوزارية، وخاصة منها وزارة الطاقة التي يتنافس عليها كل من منجي مرزوق (مقرب من النهضة) ورضا بن مصباح (محسوب على قلب تونس)، وكذلك خالد قدور الذي يحظى بدعم الاتحاد العام التونسي للشغل.

وربطت مصادر “العرب” توجه رئيس الحكومة إلى البرلمان لنيل الثقة بالنسبة إلى الوزراء الجدد بسعيه للحصول على شرعية قانونية للتعديل الوزاري، خاصة وأنه يخشى من موقف الرئيس قيس سعيد الذي سبق له أن أعلن أن المشيشي لم يتشاور معه بخصوص هذا التعديل، وبالتالي قد لا يقبل بأداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه.

ولا يستبعد المراقبون هذه الفرضية بالنظر إلى الأزمة المُعلنة بين الرئيس سعيد والمشيشي التي اقتربت من القطيعة بعد إقالة وزير الداخلية توفيق شرف الدين في السادس من الشهر الجاري في خطوة فاجأت في توقيتها وطريقة إخراجها الجميع، لاسيما بعد إعلان المشيشي أن الإقالة “جاءت لتفادي إرباك واختراق وزارة الداخلية”.

المشيشي سعى من خلال هذه المشاورات التي أجراها بالنيابة عنه عدد من المستشارين المقربين منه إلى ضمان حزام برلماني داعم للتعديل بأكثر من 109 أصوات

ولعله لهذا السبب، لم يتردد مصطفى بن أحمد في تصريحاته الإذاعية، في التحذير من مغبة “خلق أزمة سياسية جديدة في البلاد إذا ما تم إقرار الذهاب إلى التصويت على التعديل الوزاري المُرتقب وفق إجراءات العمل الاستثنائية بالبرلمان”.  واستنكر في هذا الصدد ما وصفه بـ”سوق ودلال” للأسماء المُقترحة لتولي الحقائب الوزارية، مشددا في هذا الإطار على ضرورة أن “يفضي هذا التعديل إلى حكومة أهداف وفق برنامج واضح وتحافظ الحكومة على استقلاليتها”، وهو شرط أساسي لحصولها مجددا على ثقة كتلة حزبه.

ويأخذ هذا الاستنكار بعدا آخر مع تزايد الأصوات المُنددة بما وصفته بخضوع التعديل الوزاري المُرتقب إلى مناورات تخللتها عمليات “مُقايضة وابتزاز” جعلت المشيشي “يهرب من مظلة الرئيس سعيد، ليسقط في أحضان راشد الغنوشي”، في سياق عملية سياسية بدت في معظمها غير مطمئنة لغالبية الفاعلين السياسيين.

4