هشام جنينة محارب عنيد ضد الفساد تحت وابل الاتهامات

الأحد 2016/01/10
جنينة شجاع عند المغامرة لكشف الفساد

القاهرة - تمسكه الذي لا يقبل المساومة بالمبادئ جعله عدوا للجميع، وشخصاً “ثقيل الظل” على كل المسؤولين الحكوميين الذين يعرفون أن وجوده على رأس الجهاز المركزي للمحاسبات، الجهاز الذي يعتبر أبرز جهاز رقابي في مصر، هو مثل خنجر حاد النصل في جنب أيّ مسؤول فاسد.

بالمقابل، اعتاد هشام جنينة تلقي الضربة تلو الأخرى، سواء من المسؤولين الفاسدين بأنفسهم، أو ممن ينوب عنه، من إعلاميين يستفيدون منهم ويأكلون على موائدهم. فتراهم يبادرون بالهجوم عليه، والتشكيك في نواياه، بل الطعن في وطنيته وانتمائه السياسي.

ضابط الشرطة السابق

لكن تبقى الخلفية القضائية والشرطية للرجل، إلى جانب تقاريره الرقابية المدعومة بالبراهين، هي الحصن المنيع أمام كل من حاولوا النيل من منصبه وسمعته، حيث أفادته فترة عمله كضابط بوزارة الداخلية، ثم وكيلا للنائب العام قبل أن يتدرج في المناصب ليصبح رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة قبل توليه رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات في معرفة أهمية التخطيط الهادئ قبل الانقضاض على فريسته، كذا اتباع الإجراءات القانونية بصرامة لتفويت الفرصة على المتربصين للتشكيك في الإجراءات.

التدرج في كل هذه المناصب، زرع بداخله قوة في مواجهة الفاسدين وشجاعة عند المغامرة لكشف الفساد. فهو لا يهاب التهديدات الأمنية، لأنه كان رجل أمن، ولا يعجز عن الرد على ما يحاك حوله من تهم تتعلق بنشر تقارير حول الفساد بأجهزة الدولة، كونه جلس على مقعد القاضي قبل بلوغ كرسي “حامي المال العام للدولة”.

وبين هذا وذاك، عوّد نفسه على تجاهل كل ما يحاك ضده من هنا أو هناك. لأنه يؤمن بأن لديه من القنابل شديدة الانفجار ما يكفي للرد على أعدائه من الفاسدين.

عصي على الترويض

على النقيض من غالبية أبناء مهنته، يتميز هشام جنينة بشخصية عصية على الترويض، وهي المهمة التي فشلت كل الأنظمة التي عاصرها في إنجازها، لكن عناده دائما ما يكون مبنيًا على مبادئ شخصية تربى عليها منذ الصغر، ويتبين مع الوقت أنها كانت رؤية ثاقبة. ربما يدركها كثيرون لكنهم رفضوا الإفصاح عنها، خوفًا على مناصبهم أو خوفًا على مصالحهم.

لم يكن من المستساغ أن يخرج قاض في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ليحرج النظام في وسائل الإعلام. ويكشف عوراته للرأي العام. لكن شجاعة الرجل طغت على مخاوف الأغلبية من سطوة النظام، بعدما وقف في وجه المستشار ممدوح مرعى وزير العدل الأسبق، وتقدم ببلاغات ضده بتهمة تزوير الانتخابات البرلمانية.

هشام جنينة يراهن على الشعب بعدما فقد الأمل في أن يأتي التغيير من وسائل الإعلام، التي تتفنن في نشر معلومات مغلوطة حول توجهاته السياسية والاجتماعية، للوقيعة بينه والشعب والدولة

هذا الاتهام المباشر لنظام مبارك، كان اللبنة الأولى التي بنى بها قاعدته الشعبية العريضة في الشارع المصري، ومعالم صورته كرجل قال كلمة حق في وجه سلطان جائر، ما جعل اسمه محفورًا في عقول فئات كثيرة، حتى لو كانت تجهل القراءة والكتابة، لكنهم حفظوا اسم رجل مسؤول بمنصب مستشار قضائي يهين نظام مبارك على الملأ.

بعدها حمل لواء الإصلاح داخل سلك القضاء المصري، باعتباره واحداً من أبرز رموز تيار الاستقلال الذي ناضل من أجل تحقيق استقلال كامل للقضاء بعيدًا عن الارتماء في أحضان السلطة.

غير أن نشأته داخل أسرة قضائية تميل للاستقلالية بطبعها، زرعت فيه مثالية أن يكون المسؤول مستقلًا بقراراته ومنصبه عن كل مؤثرات الحياة السياسية، فهو نجل المستشار أحمد جنينة، أحد أبرز رموز تيار الاستقلال في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي كان ضمن القضاة الذين شملتهم مذبحة القضاء الشهيرة في العام 1969، حينما أحيل المئات منهم إلى المعاش بدعوى عدم الصلاحية.

كل ذلك انعكس عليه، فنشأ وتربّى على الاستقلال. لدرجة أنه ما من قضية تتعلق باستقلال القضاء إلا وكان حاضرا فيها. لأنه يعتبر أن كل مساس بسلطة القضاء، يصنّف ضمن مرتبة الفساد المقنن، الذي يستوجب فضحه والتصدي له، أيّا كانت النتائج.

لكن اندفاعه في الذود عن استقلال القضاء يصل به أحيانا إلى الدخول في معارك غير مطلوبة، ويكلفه انقسام الناس حوله، مثلما فعل حين طالب بإقالة زميله المستشار عبدالمعز إبراهيم رئيس محكمة استئناف القاهرة السابق، حينما تدخل في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، إبّان حكم المجلس العسكري عقب ثورة 25 يناير، للموافقة على سفر المتهمين الأجانب.

ورغم مرور سنوات تغيرت خلالها الأحوال فإنه لم يندم على مطالبته التي يفسرها بإيمانه بمبدأ “الساكت عن الحق شيطان أخرس”، وحينما يتعلق الأمر بالحق ينحّي كل الأعراف جانبًا.

يقول “أنا ضد أن يتحايل شخص أو مؤسسة على القانون حتى لو كان هذا الشخص قاضيًا أو مستشارًا جليلاً، وتطبيق القانون على القمة قبل القاع، أقصر الطرق لتحقيق الأمان الاجتماعي والعدالة في أي بلد”.

عدو للجميع

كان مع كل موقف نضالي. فذاع صيته بين الجمهور كراعٍ للنزاهة. والأهم عنده أنه لا يرى للفساد مكانًا بغض النظر عن منصب الفاسد، فهو الذي خرج في مؤتمر صحفي وقت تشكيل حكومة حازم الببلاوي عقب ثورة 30 يونيو 2013 ليقول إن وزير العدل المستشار عادل عبدالحميد تربّح من الفاسد، وعليه مخالفات مالية جسيمة.

جنينة يواصل افتتاح فروع لجهاز المحاسبات لفتح ملفات الفساد في المحافظات وسط حرب شعواء تشن عليه

عندما تأكدت الأنظمة المتعاقبة أنه من الصعب إسكات الرجل، حاول بعضها استدراجه لتولّي منصب وزير العدل في أكثر من تشكيل وزاري. لكنه أيقن أن هذه محاولة لإسكاته وإحراجه أمام الرأي العام، فآثر الرفض واستمر في التصدي لكل ما هو مخالف للتقاليد التي تربى عليها في بيته القضائي.

رأى فيه الرئيس المعزول محمد مرسي أداة قوية للتخلص من رموز نظام حسني مبارك، وفضح فسادهم الذي انتشر في كل مفاصل الدولة تمهيدًا لمحاكمتهم. فأصدر قرارًا جمهوريًا في السادس من سبتمبر من العام 2012، بتكليفه بمنصب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أملًا في أن يضمن ولاءه.

لكن رياح جنينة أتت بما لم تشتهيه سفن الرئيس الإخواني. فاتهم المستشار رئيس الدولة بالتدخل في السلطة القضائية بشكل سافر، حينما خالف قرار المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان، وقال إنه لا يعترف بالحكم بدعوى أنه مسيّس.

ولأنه رجل لا يرتدي عباءة أيّ نظام حاكم، حتى لو كان صاحب الفضل عليه في بلوغ منصب رفيع المستوى، قرر فضح محمد مرسي في مؤتمر صحفي عالمي وأفصح عن تقارير تتضمن مخالفات عديدة خطيرة تمس رئاسة الجمهورية وبعض أجهزة الدولة السيادية. ما دفع الإخوان لاتهامه بأنه أحد رجال نظام حسني مبارك وأنه أداة للتخلص من الحكم الإسلامي.

هكذا كانت التهمة في عهد محمد مرسي. لكن في ظل نظام الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، تحولت التهمة الموجهة للرجل لتصبّ عليه القول بأنه شخصية إخوانية تحاول إثارة الفتنة في البلاد بإصدار تقارير رقابية تتعلق بفساد جهات بارزة بالدولة لخدمة أنصار الإخوان وإثارة الشارع قبل الذكري الخامسة لثورة 25 يناير.

وتعالت الجلبة ضده بعدما تحدث عن استفحال الفساد وبلوغه نحو 75 مليار دولار (600 مليار جنيه) خلال العام الأول لحكم السيسي. وهو التصريح الذي جعله يتعرض لهجوم شرس من قبل إعلاميين مؤيدين للنظام، بل إن بعض المحامين تبرعوا برفع دعاوى ضده من تلقاء أنفسهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، للمطالبة بمحاكمته بتهمة “محاولة إسقاط النظام” لكن الشيء الإيجابي أن السيسي شكّل لجنة لتقصي حقائق حول الأمر.

ما يزعج الرجل، أن الإعلاميين الذين رفعوا له القبعة في عهد محمد مرسي بعدما كشف فساد أجهزته، هم أنفسهم من تطاولوا عليه بعد الإفصاح عن فساد الجهات الحكومية في عهد السيسي، وهو ما دفعه لوصفهم بأنهم “فئة ممولة تعمل ضد الأمن القومي، وأقل وصف لهذا الهجوم الإعلامي أنه عواء”.

الحرب المعلنة ضده تجاوزت حدود عمله لتصل شظاياها إلى بيته حيث نشر البعض معلومات عن زوجته بأنها سيدة فلسطينية وعلى علاقة بحركة حماس، وهو ما رد عليه بقوله “لست من النوع الذي يتم ترهيبه.. نعم زوجتي فلسطينية، ولها أقارب بقطاع غزة، وتذهب إلى هناك لصلة الرحم”.

الحرب المعلنة التي تشن على جنينة تجاوزت حدود عمله لتصل شظاياها إلى بيته حيث نشر البعض معلومات أن زوجته فلسطينية وعلى علاقة بحركة حماس

يؤمن جنينة بأن ولاءه الوحيد يجب أن يكون للحق. لهذا لم يمنعه عمله كضابط في وزارة الداخلية من الكشف عن قيام مسؤوليها بمنع الجهاز المركزي للمحاسبات من مراقبة أمورها المالية ما تسبب في بلوغ معدلات الفساد بالجهاز الأمني إلى 2.5 مليار جنيه (ما يزيد عن 300 مليون دولار). كما لم يتأثر بلقب المستشار الذي حصل عليه من عمله في السلك القضائي وقال إن المخالفات المالية لهيئات القضاء بلغت 3 مليارات جنيه (375 مليون دولار).

يدرك الرجل أن الحرب التي يخوضها تحتاج إلى دعم أكبر مؤسسات الدولة التي لم يدنها بالفساد. بل يجاهر دائما بالقول إن “حسابات مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية تخضع لتفتيش الجهاز المركزي للمحاسبات، ولا توجد بهما مخالفات تذكر”. وهو الأسلوب الذي روّض بعض الجهات التي اعتادت الهجوم عليه وتتهمه على طول الخط بمحاولة زعزعة الثقة بين الشعب والمؤسسات السيادية في البلاد.

ضد الخطوط الحمراء

قناعته بحصانة منصبه ضد رغبة رئيس الجمهورية بعزله أو إقالته ضاعفت من جرأته للخوض في أمور لا يجرؤ مسؤولون آخرون على التطرق إليها. فلا يتورع عن إثارة قضايا حساسة أو الدخول في سجالات كلامية حتى مع المؤسسات السيادية التي تعرف دائما بأنها خطوط حمراء. لكن الرجل يرفض الاعتراف لها بذلك، انطلاقا من أنه لا أحد أو جهة فوق القانون، وأن السيادة للشعب وحده.

تجاهل بعض أجهزة الدولة لتقارير الفساد التي يكشف عنها بين الحين والآخر لم يصبه باليأس لحظة، بل إنه يتعامل بمبدأ أن المزيد من الضغط كفيل بتحقيق الإصلاح والشفافية ومحاربة الفساد.

يراهن على الشعب بعدما فقد الأمل في أن يأتي التغيير من وسائل الإعلام التي تتفنن في نشر معلومات مغلوطة حول توجهاته السياسية والاجتماعية للوقيعة بينه وبين الشعب والدولة.

المستشار يقف ضد تحايل أيّ شخص أو مؤسسة على القانون حتى لو كان قاضيًا، ويرى أن تطبيق القانون على القمة قبل القاع، أقصر الطرق لتحقيق الأمان الاجتماعي والعدالة في أي بلد

ولأن المستشار المخضرم يلمّ بكل خيوط اللعبة التي تحاك ضده بدأ يتعامل مع الفساد بتوصيفات مختلفة لأجل البحث عن حلول غير تقليدية تشجع الدولة على التعامل مع هذا الملف بأساليب تقود إلى نتائج ملموسة، وتستهدف حماية حقوق الشعب المنهوبة من حفنة قليلة من الفاسدين وأعوانهم.

كما أدرك أن الحل لمواجهة خصومه في التعامل مع محاربة الفساد بعبارات قاسية يكون مردودها أوقع من لغة الأرقام الصادمة، فأطلق مقولات جدلية مثل أن “الفساد أخطر من الإرهاب”، و”مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب التي تتصدى له الدولة في كل مكان، بل يمكن أن تكون مكافحة الفساد أهم في هذه المرحلة من مكافحة الإرهاب”.

لكن من يتربصون به فسروا كلامه بأنه دعوة للتوقف عن مواجهة الإرهاب، وزاد البعض بأنه يشجع على الإرهاب، لكنه رد بهدوئه المعتاد بأن “استمرار إخفاء الفساد يهدم أقوى الدول”.

يرفض فزاعة الانهيار الاقتصادي ويؤمن بأن الأزمة ليست في الاقتصاد بل في انهيار منظومة الأخلاق لدى المواطنين بمختلف الطبقات، حيث أن مشاكل الاقتصاد يمكن معالجتها عن طريق وضع سياسات صحيحة، بينما مسألة الأخلاق تحتاج إلى التربية السليمة وتغيير الفكر والثقافة لكي يتحقق المراد.

لكن خوض الرجل لمثل هذه المعارك وغيرها جعل منه محارباً حكيماً بإمكانه استخدام كل الأسلحة لمواجهة أعدائه، فهنا يستخدم سلاحاً سلمياً حينما يشيد بأمانة الرئيس على البلاد واهتمامه بمحاربة الفساد لنفي تدهور العلاقة معه. وهناك يطلق سلاح القنابل المؤلمة ضد الوزارات والمؤسسات السيادية للتأكيد على نزاهة الجهاز المركزي للمحاسبات. لكنّ شعبيته في الشارع وتقاريره الرقابية التي لم تسلم منها وزارة أو جهة حكومية تظل المانع الحقيقي لأيّ محاولة من الدولة لإبعاده عن ملف محاربة الفساد.

7