هشام شرابي.. مفكر نهضوي حارب التزمت الفكري والعقائدي

السبت 2014/01/11
شرابي: أزمة العرب في التاريخ الذي لا يزالون يعيشون على هامشه

بالرغم من أنه عاش الشّطر الأكبر من حياته في الولايات المتحدة الأميركيّة طالبا في الفلسفة بجامعة شيكاغو، ثمّ أستاذا في جامعة “جورج تاون” بواشنطن، ظلّ المفكر الفلسطيني هشام شرابي على علاقة وطيدة بوطنه، فلسطين، وظلّت كتاباته النظريّة والأكاديميّة وغيرها تتمحور في مجملها حول القضايا الأساسية في العالم العربي، وحول روح التنوير والتغيير والإصلاح. لذا يمكننا نعته بالمفكر “النهضوي الجديد” الذي واصل عمل العقلانيين العرب الذين ظهروا في النصف الأول من القرن العشرين متمرّدين على التحنط والتحجر والتزمت الفكري والعقائدي.

كان مولد هشام شرابي، الذي ينتمي إلى عائلة مسلمة سنيّة ميسورة على شاطئ يافا في الرابع من أبريل 1927. غير أن مدينة عكا التي أمضى فيها صباه هي التي تعلّق بها أكثر من غيرها من المدن الفلسطينيّة. لذلك كتب عنها يقول: “زرت مدنا، وشاهدت سواحل كثيرة. لكني لم أقع على مدينة تضاهي عكّا رونقا، ولم أر ساحلا يفوق ساحلها جمالا”. ويضيف هشام شرابي قائلا: “صورة عكّا في تصوّري للمدينة، خارطة عكّا في عالم المدينة الذي ظلّ قائما في ذهني، أحفظ تضاريسها عن ظهر قلب. أراها واضحة أمامي مهما طال غيابي عنها. هي الحضور الدائم”.

عن طفولته السّعيدة في عكّا، كتب هشام شرابي يقول: “كان بيت جدّي على شاطئ عكّا. ومن هناك في يوم صحو كنت أتلفّت إلى الشمال فأرى النافورة، وصخرة كنت أجلس عليها، ومع أكل وشرب أقضي النهار أقرأ، وأحاول من وقت إلى آخر أن أصطاد سمكة، وكان بيت جدّي خارج السّور. ومن نافذة غرفة نومي، كنت مساء أراقب غروب الشمس، وكنت أنام ليلا، وأستيقظ صباحا على صوت هدير الموج. ومدرجي على الشاطئ إلى الجنوب باتجاه حيفا، وبركة الشيخ أسعد (والد الزعيم الفلسطيني أحمد الشقيري)، كانت آنذاك نقيّة صافية؛ هذه هي صورة عكّا أمامي. الماضي لا يظهر أبدا بوضوح، نسترجعه، نعيد خلقه، لكنه دائما جزء من كيانك الداخلي، مع ذلك لا نزعة صوفيّة عندي. عندما يكبر المرء، وتمرّ صور الماضي أمامه يرجع إليه إحساس قويّ بالطفولة ألأولى يصعب التّعبير عنه”.


عكا.. ذكريات الصبا


كان هشام شرابي في السابعة من عمره عندما التحق بمدرسة رفيعة في رام الله. وفي عام 1938 انتقلت عائلته إلى بيروت فانتسب هو إلى “الأنتارناسيونل كوليدج” التابع آنذاك للجامعة الأميركيّة التي انتقل إليها في خريف عام 1943. غير أن اتصاله بعكّا، مدينة صباه الأول، ظلّ وثيقا فيما كانت بيروت تحدد وجهاته اللاّحقة. وفي الجامعة الأميركيّة، شرع الطالب الشاب الذي كان شعلة من الحماس الوطني، ينشغل بالسياسة وهمومها. ومفتونا بالقوميّة العربيّة، انضمّ إلى “الحركة العربيّة السريّة” التي كان من جملة أعضائها شفيق حجا وكاظم الصلح وواصف كمال ودرويش المقداجي وآخرون. لكن تحت تأثير أستاذه شارل مالك الذي كلّفه بإعداد دراسة عن الحزب القوميّ السوري، انجذب هشام شرابي إلى أنطون سعادة، زعيم الحزب المذكور. وسرعان ما أصبح هذا الأخير زعيمه الروحي بامتياز. وبسبب نشاطاته السياسية، أصبح ملاحقا من قبل الأجهزة الأمنيّة، وعاش فترة عصيبة سوف يروي تفاصيلها في ما بعد بكتابه البديع “الجمر والرماد”.

بعد حصوله على الماجستير في الآداب من الجامعة الأميركيّة عام 1947، سافر هشام شرابي إلى الولايات المتحدة الأميركيّة ليلتحق بجامعة شيكاغو. غير أنه سرعان ما انقطع عن دراسته ليعود إلى لبنان منضمّا إلى الحلقة الضيّقة المحيطة بأنطون سعادة، ومتسلّما إدارة شؤون الثقافة والفنون الجميلة في الحزب القومي السوري. وفي هذه الفترة الحاسمة.

انتقد مفكري النهضة مشيرا إلى أن خطأهم الأساسيّ هو اعتقادهم بأن المحافظة على القيم الإسلامية أساس لحركة إصلاحية


الجمر والرماد


عاش هشام شرابي تجربة مهمة للغاية لا بالنسبة إليه فقط، بل بالنسبة إلى عصره وجيله. فقد وجد نفسه في قلب الأحداث السياسيّة التي كانت تعيشها منطقة الشرق الأوسط. فبين عامي 1947 و1948، خسر الفلسطينيون والعرب الحرب ضدّ اليهود الذين سارعوا بإنشاء دولة لهم لتصبح بين عشية وضحاها عضوا في الأمم المتحدة بمباركة مطلقة من الدول الغربية، وحتى من المعسكر الشيوعي بقيادة ما كان يسمّى بالاتحاد السوفياتي. وبذلك فقد هشام شرابي وطنه، فلم يعد باستطاعته العودة إلى عكاّ، مدينته المفضّلة. وكان عليه أن ينتظر عام 1993 لكي يتمكن من رؤيتها ثانية. وكانت تلك الكارثة الأولى.

أمّا الكارثة الثانية فقد تمثّلت في إعدام أنطون سعادة في صيف عام 1949، وكان هشام شرابي آنذاك في عمان لما بلغه خبر إعدام زعيمه الروحي عن طريق بائع جرائد الصباح. وفي كتابه “الجمر والرماد” يصف حالته النفسية في تلك اللحظة الرهيبة قائلا: “سكون عميق يخيّم على كلّ شيء. الناس يسيرون كما لو أنهم في فيلم صامت. أصوات العالم الخارجي لم تعد تصلني. أقفلت كما يقفل الراديو أو النور الكهربائي. أسمع ما يشبه الهدير آتيا من بعيد. أحسّ بدوار (…) إنه شكل من أشكال الموت”.

غير أن هشام شرابي سرعان ما يستعيد رباطة جأشه عندما يتذكّر كلمات أنطون سعادة في الخطاب الذي ألقاه قبل إعدامه بأشهر قليلة حيث قال: “إننا نقتل العيش لنقيم الحياة. مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب، بل خافوا الفشل… سنغيّر التاريخ. الحياة وقفة عزّ فقط”.

بعد إعدام أنطون سعادة، عاد هشام شرابي إلى الولايات المتحدة الأميركية ليلتحق مجددا بجامعة شيكاغو. وهناك بدأ فصلا جديدا من حياته الفكريّة والسياسيّة حيث تعمّق في دراسة فلسفة نيتشة وغيره من كبار الفلاسفة الألمان والغربيين. وعقب إحرازه على شهادة الدكتوراة عام 1953. عيّن في ربيع العام ذاته أستاذا في جامعة “جورج تاون” بواشنطن لتدريس مادتي التاريخ والفلسفة، ثم مادة الفكر الأوروبي الحديث منذ هيغل وحتى كبار فلاسفة القرن العشرين. وبشهادة طلبته وزملائه من الأساتذة، كان هشام شرابي أستاذا مرموقا بالمعنى الحقيقي للكلمة. وكانت المحاضرات والدروس التي يلقيها تعكس ثقافة موسوعيّة، وفكرا نقديّا ثاقبا، ورصانة علميّة رفيعة المستوى.

وفي جامعة “جورج تاون” درّس هشام شرابي من سيصبح البعض منهم شخصيّات بارزة مثل الرئيس ألأميركي السابق بيل كلينتون الذي كتب في سيرته يقول: “أمّا الحلقة الدراسيّة المطوّلة في مادة التاريخ ألأوروبي فكانت في أساسها دراسة شاملة لتاريخ الفكر ألأوروبي. وكان أستاذ المادة هشام شرابي، وهو لبناني ألمعيّا، واسع المعرفة والعلم، شديد الالتزام بالقضية الفلسطينيّة”.

ترى الأصولية الإسلامية أن خلاصها يكمن في بعث ماض إسلامي مجيد معتمدة على النص القرآني للبرهنة على إمكانية بعث مجتمع إسلاميّ أصيل في الزمن المعاصر


إخفاق المصلحين العرب


في الآن نفسه، واصل هشام شرابي نضاله السياسي ضمن الحزب القومي السوري، ولم يستقل منه إلاّ عام 1955. كما أصدر بالاشتراك مع صديقه يوسف سلامة (1925-2009) مجلة للحزب القومي السوري. وابتداء من الستينات، برز هشام شرابي كمفكر تنويريّ كبير مهمته الحفر عميقا في التاريخ العربي من دون كذب على النفس، وخداع الآخرين. وكان هدفه بناء مستقبل جديد يضع العرب في التاريخ الذي لا يزالون يعيشون على هامشه”. وهذا ما يؤكده كتابه “المثقفون العرب والغرب” (1970) الذي كتب في مقدمته يقول: “لقد حاولت في هذا الكتاب إظهار التطور الإيديولوجي في العالم العربي الحديث في ضوء التطور الاجتماعي والاقتصادي، وتباين العلاقات الأساسيّة التي تربط كلّ فكر سياسيّا كان أم فلسفيّا أم دينيّا، بالمصالح التي ينبثق عنها، ويعبر عنها هذا الفكر (الإيديولوجيا) وذلك ليس بالتجريد النظري بل بالعودة إلى التيّارات والقوى التاريخيّة التي رسمت وشكّلت نهضتنا”.

وفي كتابه المذكور، انتقد هشام شرابي مفكري النهضة الذين نادوا بالإصلاح مشيرا إلى أن خطأهم الأساسيّ هو اعتقادهم بأن المحافظة على القيم الإسلاميّة يمكن اعتبارها أساسا لحركة إصلاحيّة.

وأضاف يقول: “لكن الحقيقة الصّارخة أن الفكرة الإصلاحيّة في الإسلام فشلت في أن تصبح نقطة التقاطب للحركة الإصلاحيّة ككل بل بالعكس، أصبحت موضع معارضة للعناصر المجدّدة على الطريقة الغربيّة، والعناصر العلمانية فتحولت جهودها عبر التغيير المتزايد، إلى مواقف عصمويّة حرفية جامدة لتفقد بالتالي القيم التقليدية صلتها بالواقع″.

ويضيف هشام شرابي قائلا إن سبب إخفاق المصلحين العرب يعود إلى أنهم “قبلوا بموقف مساوم ضعيف، وإلى أنهم عالجوا القضايا الحياتيّة الملموسة من خلال التجريدات العقائدية لا من خلال الواقع الحيّ والمعاش. كما أن أخذهم الساذج بالعقل قد أوقعهم في مناظرات سياسية عقيمة”.

في “المثقفون العرب والغرب” انتقد هشام شرابي أيضا وبشدّة الأمبرياليّة الغربيّة مؤكّدا اعتمادا على أدلّة دامغة على أنها -أي الأمبرياليّة- نفّذت سياسات، واتخذت مواقف معادية لبعض أشكال التغيير الاجتماعي. كما أنها طبقت منهج عمل “ساعد في تمزيق الوحدة السياسية الداخليّة، وفي منع التنمية الاقتصادية الوطنيّة. وفي عام 1970 انتقل هشام شرابي إلى بيروت ليعمل في مركز التخطيط الفلسطيني، وأستاذا زائرا في الجامعة الأميركية. غير أن الحرب الأهليّة التي اندلعت عام 1975 أجبرته على الانقطاع عن عمليه المذكورين.

إننا نقتل العيش لنقيم الحياة. مارسوا البطولة ولا تخافوا الحرب، بل خافوا الفشل… سنغير التاريخ. الحياة وقفة عز فقط


البنية البطركية


في كتبه المذكورة اهتم بدراسة ما سمّاه بـ”البنية البطركيّة” جاعلا إيّاها مسؤولة عن جمود المجتمعات العربية، وعن عجزها عن التفاعل مع مقتضيات العصر الحديث.

ويرى هشام شرابي أن الهيمنة العثمانيّة على جلّ البلدان العربيّة هي السبب الرئيس والحاسم في التطور الاجتماعي والسياسي للنظام البطركي الحديث إذ أن البنية الأساسية للإمبراطورية العثمانية هي مجرّد بنية آستبدادية بمعنى أن نظام الحكم كان حسب تعبير مونتسكيو “نظام حكم ليس فيه لأحد صفة المواطن”.

ويشير هشام شرابي إلى أن “المعضلات التي يجابهها العالم العربي على صعيد عام من اجتماعية واقتصادية وعسكرية وثقافية، إنما مصدرها واحد وهو حالة المرض العائدة أساسا إلى البنية البطركية” وإلى ثقافتها التي تتحكم في سلوك المجتمع، وممارساته، وتغذي العلاقات السلبية من هيمنة وقهر واستغلال. وهكذا تنقلب الثروة في المجتمع البطركي إلى علاقات ومصالح واتجاهات متضاربة، وتصبح الإيديولوجيا الثورية خطبا وشعارات، والممارسات الثورية مجرّد استعراضات مسرحيّة!

يخلص هشام شرابي إلى القول إن تقويض المجتمع البطركي الذي يهيمن بكامل ثقله على المجتمعات العربية الإسلاميّة معيقا تقدمها وتطورها، يتطلّب عمليّة تغيير شاملة تقوم على الحداثة والديمقراطيّة وتحرير المرأة داعيا المثقفين العرب إلى الانفتاح على الثقافات الأخرى، وإلى التعرف على الغرب بالخصوص، وإلى دراسة تجربته الحضارية المديدة بهدف الاستقلال عنه فعليّا لا نظريّا.

كما اهتم هشام شرابي بدراسة ما سمّاه بـ”البعث الإسلامي”، و”الأصوليّة الإسلامية” معتبرا هذه الظاهرة ثمرة أخرى من ثمرات الهيمنة البطركيّة على المجتمعات العربيّة. وهي أيضا نتيجة من نتائج التشويهات التي أحدثتها الأمبريالية الغربية في المجال المعرفي والثقافي.

ويعيد صاحب “الجمر والرماد” اكتساب الأصولية الإسلامية لزخمها كعقيدة لا إلى نظريات نقدية بل إلى تحديها غير المساوم لوضع سياسي خانق. لذا ترى الأصولية الإسلامية أن خلاصها يكمن في بعث ماض إسلامي مجيد معتمدة على النص القرآني للبرهنة على إمكانيّة بعث مجتمع إسلاميّ أصيل في الزمن المعاصر، زمن التكنولوجيا والتقدم العلمي الهائل على جميع المستويات.

بعد انقطاعه عن العمل في جامعة “جورج تاون”، عاد هشام شرابي إلى بيروت ليستقر في شقة أمام البحر الذي أحبه منذ طفولته الأولى مواصلا العمل والكتابة، مستقبلا أصدقاءه وطلبته من مختلف الأجيال والأجناس، متجنبا الحديث عن المرض العضال الذي كان يدمّر جسده.

وفي 13 يناير 2005، لفظ هشام شرابي أنفاسه محاطا بابنتيه ليلى ونادية وببعض الأصدقاء المقربين، ودفن في مقبرة “الباشورة” وسط بيروت.

14