هشام غصيب والخطاب الثقافي العربي بين عقلانيتين

يرى المفكر الأردني الباحث هشام غصيب، صاحب الكتابين المعروفين “تجديد العقل النهضوي” و”نقد العقل الجدلي”، أن التاريخ العربي الحديث هو تاريخ إخفاقات الوطن العربي المتتالية في عودته إلى التاريخ ودخوله العصر وتملكه الحداثة. ويصنّف هذه الإخفاقات، في حديثه عن “الخطاب الثقافي العربي بين عقلانيتين”، ضمن ندوة عقدتها مؤخرا الجمعية الفلسفية الأردنية، إلى: الإخفاق الاقتصادي والإخفاق القومي والإخفاق السياسي والإخفاق الثقافي.
الاثنين 2015/08/10
تخطي الإشكال الثقافي العربي هو مفتاح إزالة إرث الإخفاقات الكبرى

يشير المفكر والباحث الأردني هشام غصيب، في ندوة عقدتها الجمعية الفلسفية الأردنية، إلى أن الوطن العربي أخفق في عملية الإصلاح الزراعي وحماية القطاع الزراعي من تغوّل الرأسمال العالمي، وكذلك في تصنيع نفسه ورفع الإنتاجية، وفي بناء قاعدة علمية تقانية فعالة وإطلاق قوى الإنتاج العربية، وأيضا احتلال زاوية معتبرة في السوق العالمية.

وكانت من نتائج هذا الإخفاق التدني المريع للإنتاجية، وضعف السوق الداخلية، وضعف ترابط القطاعات الوطنية، ولجم قوى الإنتاج، والحيلولة دون تحديث جلّ القطاعات الإنتاجية، وتدني مستوى المعيشة والخدمات، وتفشي البطالة والفقر، ووضع المجتمع العربي تحت رحمة السوق العالمية وتقلباتها.

ضياع الهوية القومية

يؤكد هشام غصيب أن الوطن العربي أخفق في تحديد هويته القومية الحديثة، وفي توحيد نفسه قوميا على أسس تنموية حديثة. فهو يعاني اليوم من ضياع غير مسبوق للهوية القومية، وعاجز عن تعريف هويته القومية، ويتوه في فوضى عارمة في هذا المضمار، ويحصر نفسه في هويات ما قبل رأسمالية، كالطائفية والمناطقية والقبلية والعائلية.

وقد أفضى ذلك إلى تفكك الأوطان ودخولها في احتراب أهلي مستدام مدمّر. وبتعبير آخر، فقد اخفق عرب اليوم في بناء مجتمع قومي مدني وتنموي متماسك، الأمر الذي حوّل المجتمع العربي إلى كومة من المجموعات المتنافرة وغير التنموية.

ويوضح غصيب أن الوطن العربي أخفق في بناء مؤسسات موضوعية حديثة واضحة الوظائف والآليات والأهداف. وظلت المؤسسات العربية واجهات شكلية لمصالح ومزاجات فئوية وفردية ضيقة، الأمر الذي يعزز المحاباة والفساد والواسطة والتمييز.

الدولة انقلبت إلى الشكل الأبشع لـ"اللاعقل الظلامي"

وعلى صعيد الدولة السياسية، فقد أخفق الوطن العربي في تحديث نظمه السياسية، أي في بناء مؤسسات سياسية موضوعية ذات وظائف مؤسسية موجهة صوب تنظيم الإنتاج والتنمية والحقوق والواجبات والحريات. فظلت النظم السياسية العربية مجرّد أجهزة قمع وامتيازات تسلطها المافيات الحاكمة في نهب الموارد المادية والبشرية وهدرها وفي إذلال الشعوب ولجم قواها الإنتاجية.

وتلجأ النخب السياسية العربية الحاكمة في ممارسة حكمها إلى أساليب الحكم الفردي المطلق ما قبل الحديثة، وتغطي استبدادها القروسطي بقشرة رقيقة من المؤسسية الدستورية الديمقراطية. لكن حقيقتها لا تمت بصلة فعلية إلى أساليب الحكم الحديثة المقيدة دستوريا وأخلاقيا وحقوقيا. ولئن كانت الدولة في نظر هيغل الشكل الأسمى للفكرة الأخلاقية، فقد انقلبت في الوطن العربي إلى الشكل الأبشع لـ”اللاعقل الظلامي”.

يجد غصيب أن ثمة إشكالا ثقافيا في الوطن العربي لا مثيل له في الأمم الأخرى، يتمثل في إخفاق العقل العربي في اختراق قلعة الدين، رغم الجهود البطولية للمعتزلة والفلاسفة في هذا المضمار، الأمر الذي مكن قوى الاستبداد العسكري وقوى اللاعقل من دحر قوى العقل ومحاصرتها. وكانت نتيجة ذلك أن تقوقعت العقلانية العربية في زوايا ضيقة، واتخذت موقفا دفاعيا حال دون تمكنها من تخطّي شكلها القديم صوب أشكال أكثر تقدما.

انكماش ثقافي

أدّى هذا التكلس إلى انكماشها حتى تلاشت كليا، فخيّم ظلام اللاعقل الدوغمائي على حضارتنا. وحاولت قوى النهضة في القرنين التاسع عشر والعشرين أن تتحدّى لاعقل الثورة المضادة الثقافية، وأن تؤسس لروحية ثقافية تنويرية جديدة، لكنها ظلت على السطح، ولم تستطع أن تخترق قلعة الدين ولا أن تنفذ إلى قلب اللاعقل السائد من أجل تفكيكه وتخطيه.

هشام غصيب يكشف أن قوى النهضة حاولت أن تؤسس لروحية ثقافية تنويرية جديدة

وأدّى هذا الإخفاق إلى تراجع ثقافة التنوير النهضوية، تلاه تراجع حركة التحرر الوطني العربية، الأمر الذي عزز لاعقل الثورة المضادة الثقافية ورسخه في تربة المجتمع العربي الحديث في الأعوام الثلاثين الأخيرة. وكان لاستمرار هيمنة اللاعقل الموروث، كما بيّن ياسين الحافظ ومحمد عابد الجابري، دور كبير في إجهاض حركة التحرر الوطني العربية، ومحاولات تحديث المجتمع العربي الحديث والعودة إلى التاريخ.

ويبيّن غصيب أن هناك من ينادي بالعودة إلى العقل النظري القديم، ممثلا في ابن رشد مثلا، وتمثله، ثم استئناف المسيرة الحضارية من لحظة الانقطاع.

لكن هذا المشروع يغفل، من وجهة نظره، حقيقة تاريخية في غاية الأهمية هي أن للعقلانية تاريخا، بمعنى أنها لم تبق على حالها، وإنما تغيّرت كيفيا، فلئن كان العقل النظري العربي هو قمة العقلانية في العصر الوسيط، فقد جرت تحوّلات في نصف الألفية الأخير أفرزت عقلانية جديدة هي العقلانية العلمية التي تخطت العقلانية القديمة الميتافيزيقية وتفوّقت عليها.

والعودة إلى العقلانية القديمة لا يحل إشكالنا الثقافي البتة لأنها في الواقع، ورغم عظمتها، عقلانية غير قادرة على التعامل بفاعلية مع الواقع الحي. ولذلك فإنه من العبث محاولة إحياء العقلانية الميتافيزيقية أو العودة إليها، وإنما علينا أن نتملك العقلانية العلمية الحديثة، وهي تشكل تحديا كبيرا للوعي المثقل باللاعقل الموروث، ونعيد بناء وعي جديد على أنقاضه، بصورة متواصلة، حتى يتطابق الوعي مع العقلانية العلمية، ويتم تفكيك اللاعقل الموروث والصورة الأسطورية المتخيلة التي تأسر الوعي. عند ذاك، ينفتح الوعي العربي على الواقع الطبيعي الفعلي والواقع التاريخي الفعلي، فيدخل الإنسان العربي في تفاعل مؤثر وفعال مع هذين الواقعين.

ويرى غصيب أن هذه السيرورة الثورية، التي يسميها الاستغراب، هي مغامرة محفوفة بالمخاطر الجمّة، إلا أن خوضها ضرورة تقدمية ملحة ولا مفرّ منها بتاتا. ذلك أن تخطّي الإشكال الثقافي العربي هو مفتاح إزالة إرث الإخفاقات الكبرى، التي ابتلينا بها، والتي ما زالت ترهقنا وتسحب البساط من تحت أرجل حركاتنا النهضوية.

14