هكذا انساقت أوروبا إلى الكارثة

الخميس 2013/10/31
كلارك: دراغوتين ديمتريفيتش أشعل محرقة لم يشهد التاريخ مثيلا لها

باريس- منذ نهاية الحرب، لم يقتنع المؤرخون بما ورد في معاهدة فرساي عام 1919، حول مسؤولية ألمانيا وحدها في اندلاعها، ولئن كانوا يلتقون في اعتبار حادثة سراييفو في 28 يونيو 1914 الشرارة التي أشعلت فتيلها، فإن دوافعها والأطراف المغذية لحدوثها ظلت محل جدل طويل، وتعددت الفرضيات بين قائل إنها حادث لا ذنب لأحد في وقوعه، وقائل إن تنامي القوميات في البلقان هي التي عجّلت بحدوثها، وآخر يردها إلى تنافس القوى الإمبريالية وتناقضات المنظومة الرأسمالية، فضلا عمن يعزوها إلى الرئيس الفرنسي بوانكاري والجنرال النمساوي فون هوتسندورف والقائد الأعلى للقوات المسلحة الألمانية فون مولتكه.

اغتيال

كريستوفر كلارك ينزّل لا محالة اغتيال واحد من غلاة الصرب يدعى غفريلو برنسيب لفرانسوا فرديناند وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية وزوجته والأوضاع في البلقان في صميم الحدث، ولكنه يستدعي حلقات أخرى ظلت لدى المؤرخين منفصلة عن حادثة سراييفو تلك، ويرى أن الحرب بدأت في الواقع عام 1903 يوم قامت مجموعة ضباط صرب تدعى "اليد السوداء" بانقلاب عسكري فظيع أطاح بآل أوبرينيفيتش ونصّب بيار كرادجورجيفيتش الذي صار يعرف ببيار صربيا الأول، دون أن يثير ذلك تنديد باريس ولا لندن.

قائد تلك المجموعة، يقول كلارك، واسمه دراغوتين ديمتريفيتش، ويلقب بآبيس على اسم العجل في الميثولوجيا الفرعونية، هو الذي خطط بعد أعوام لعملية سراييفو، وأشعل بذلك محرقة لم يشهد التاريخ مثيلا لها.

في تلك الفترة، لم تكن صربيا سوى بلد صغير نهض على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، ودفعته النعرة القومية المتصلبة إلى التحالف مع الشعوب السلافية والتسلح بغرض التوسع، وكان الصراع في البلقان على أشدّه، إما لاسترجاع ما اغتصب من ترابها مثل اليونان وبلغاريا، أو للوصول إلى المياه الدافئة عبر المضيقات مثل روسيا القيصرية، فيما كانت القوى العظمى، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تتنافس على تقاسم المستعمرات في المغرب العربي وأفريقيا والشرق الأوسط.

ولم تتخلف إيطاليا (عضو التحالف الثلاثي مع النمسا وألمانيا) عن الوليمة، إذ استولت على ليبيا، مغتنمة ضعف الدولة العثمانية، مما شجع الصرب وشعوب الجبل الأسود والبلغار على انتزاع نصيب من آخر ممتلكات الباب العالي البلقانية، فأدى ذلك إلى اندلاع حرب البلقان عام 1912، التي تحالف خلالها الإغريق والصرب ضد البلغار، وانتهت بوساطة روسية ضمنت لها المرورَ إلى المياه الدافئة وتزعم العالم السلافي، وباستيلاء الصرب على إقليم كوسوفو، في انتصار بالغ الرمزية محا هزيمتهم عام 1389 في المكان نفسه أمام القوات العثمانية الغازية، وهو ما وطّن لديهم التعصب القومي وثقافة الاغتيال السياسي، وغذّى رغبتهم في استرجاع مقاطعات يعتبرونها تابعة لهم تاريخيا.

كارثة

ورغم ذلك، لم يكن أحد يتوقع أن صباح الثامن والعشرين من شهر يونيو 1914 سيشهد شرارة كارثة سوف تجتاح القارة، وتفيض على بقاع كثيرة حولها لتعلن عن اندلاع حرب فظيعة لم يعرف التاريخ لها مثيلا.

حرب تجند لها خمسة وستون مليون مقاتل وأدت إلى مصرع عشرين مليون شخص فضلا عن ملايين الجرحى وسقوط ثلاث إمبراطوريات، وحملت في أعطافها بذور كارثة أفظع هي الحرب العالمية الثانية.

لم تمض سبعة وثلاثون يوما على تلك الحادثة حتى كان فتيل القنبلة جاهزا لا يحتاج تفجيره إلا إلى قدحة: النمسا التي وجدت في مصرع وريث العرش فرصة لمعاقبة صربيا والحدّ من أطماعها في البوسنة وألبانيا وكوسوفو. روسيا التي كانت تريد فرض زعامتها على البلقان، بعد أن ابتلعت القرم، وتظهر بمظهر حامي العالم السلافي، فوضعت بذلك نفسها في خدمة القومية الصربية ونزعتها التوسعية.

فرنسا التي ربطت علاقات وطيدة مع صربيا بانتزاعها صفقة تسليحها من ألمانيا، وتحالفت مع روسيا تحالفا يقضي بدخولها أي حرب تخوضها سان بيترسبورغ، مثلما تحالفت مع بريطانيا للغرض نفسه. إيطاليا التي اغتنمت ضعف الإمبراطورية العثمانية فاستولت على ليبيا وحرّضت صربيا على الاستيلاء على ألبانيا، مما أثار مخاوف النمسا.

عنف

ألمانيا وقد أحست بأنها مطوقة، بين تحالف فرنسي بريطاني من جهة الغرب، وقوة روسية بالغت في تقدير حجمها من جهة الشرق، فآثرت أن تتغدّى بأعدائها قبل أن يتعشوا بها كما يقول مثلنا العربي، فخاضتها وهي كارهة. جاء على لسان أحد الجنرالات الألمان قوله : "نحن مطوَّقون. لذا خير لنا أن تتم المواجهة اليوم وإلا فسوف نُسحق غدا".

أضف إلى ذلك التوترات القومية والعرقية والدينية المحتدمة في تلك الفترة، بين التشيك والألمان، بين بولنديي غاليسيا والأقليات الروتينية والأوكرانية في منطقة الكربات، بين المجريين والرومانيين في ترانسيلفانيا، بين المجريين والصرب في فويفودينا، بين الصرب والكروات في كرواتيا وسلوفينيا، وبين المسلمين والصرب والكروات في البوسنة والهرسك.

ورغم أن كل الأطراف، خصوصا نيكولاس الثاني قيصر روسيا وبوانكاري رئيس فرنسا، لها نصيب من المسؤولية، فلا أحد كان يتصور، أو كان يريد، أن تعم المواجهة بذلك الشكل، ولا أن تبلغ ذلك المبلغ من العنف، ولكن منطق الأشياء غلب إرادة العقول، كما يقول كلارك، فإذا آلية جهنمية تدفع وتجمح جموحا لم يعد أحد يقدر على كبحه، وإذا أولئك القادة السذج يطلقون قوى عمياء تمردت عليهم وجرفتهم.

"المسرنمون" كتاب غني بالمراجع التاريخية صاغه صاحبه بأسلوب أدبي، ولكن أدبيته لم تفقده الصرامة المنهجية التي يتوخاها كل مؤرخ، وقد أجمعت وسائل الإعلام الفرنسية على اعتباره عملا رائعا chef-d'œuvre لا غنى عنه للدارسين والباحثين، خصوصا وأن بعض الدول الأوروبية تستعد لإحياء المئوية الأولى لتلك الحرب.

14