هكذا تكلمت ماتا هاري بعد 100 عام على إعدامها

تحل هذه السنة ذكرى مرور مئة عام على إعدام الجاسوسة الهولندية مارجاريتا جِرترودازيلي الشهيرة بـ”ماتا هاري”، وهو الاسم الفنيّ الذي اتخذته الجاسوسة أثناء رقصها، لُقبت بأنها جاسوسة الجاسوسات، حيث كانت تستعمل شيفرة معقدة في رسائلها، وعندما تمّ إلقاء القبض عليها في أوّل مرّة فشل الفرنسيون في إثبات التهمة عليها، لكن في المرة الثانية خدعوها باستخدام شيفرة خاصّة يفهمها الفرنسيون وحدهم، وبالفعل تمّ الإيقاع بها، وبعد مُحاكمة استمرت لمدة شهرين تمّ إعدامها في عام 1917 في مدينة فنسين الفرنسية. عن هذه الشخصيّة المثيرة للجدل يُقدّم الكاتب البرازيلي باولو كويلو روايته الجديدة «الجاسوسة».
السبت 2017/01/14
امرأة قالت إنها ولدت في الزمن الخطأ

في روايته الجديدة “الجاسوسة” يُقدِّم الروائي باولو كويلو سيرة حياة الراقصة والجاسوسة الهولندية ماتا هاري، في مروية أشبه بسيرة ذاتية عنها بعد اتهامها بأنها كانت تعمل في الحرب العالمية الأولى لحساب الألمان، ولم ينس المؤلف وهو يروي سيرتها على لسانها أن يرسم التحولات التي أصابت شخصيتها، كما يذكر العوامل التي دفعتها إلى هذا التحول في حياتها، من راقصة اشتهرت برقصة خاصة بها، إلى مومس مفضلة لدى أثرياء الطبقة العالية، انتهاء بعملها كجاسوسة.

امرأة مثيرة

في مستهل الرواية يُقدّم لنا الكاتب حكاية من كتب التراث العربي عن استخلاص الحكمة، في الحقيقة قد لا يبعد مغزى هذه الحكاية التي ساقها في تقديم الرواية، عن حكايته عن الجاسوسة التي يعترف هو أيضًا بأنه تعلّم منها كثيرًا على نحو ما تعلَّم المتصوف الأكبر الذي دعاه باسم حسن، وهو يجيب عن تساؤل من كان معلمك، فيسوق حكايات ذات مغزى أنه تعلَّم على يد مئات، لا يستطيع حصرهم، ولكنه حصر الأكثر تأثيرًا في ثلاث شخصيات هي: اللص والكلب والطفل، فالحكمة كما يقول لا يعرف من يشعل نارها؟ وبالمثل قصة الجاسوسة هي الأخرى.

يعقب هذه المقدمة استهلالٌ مقتبس من خدمة الأنباء الدولية بتاريخ 15 أكتوبر 1917، وهو أشبه بتقرير صحافي عن وقائع إعدام ماتا هاري. ثم تبدأ الرواية في ثلاثة أجزاء. الجزء الأول عبارة عن رسالة طويلة عكفت على كتابتها مارتا قبل أسبوع من يوم الإعدام، وهي موجّهة إلى محاميها الأستاذ كلونيه، تبدو الرسالة أشبه باعتراف عن حياتها، “في هذه اللحظة أستحضر حياتي كلها”، والدوافع التي اضطرتها إلى العمل هكذا، إلا أنها ليست اعترافًا بتهمة الجاسوسية، بل ترى نفسها بريئة منها تمامًا، فهي كما تقول في منولوجها الحزين “امرأة ولدت في الزمن الخطأ” .

تسرد البطلة في أسى وقائع حياتها منذ طفولتها في هذه المدينة التي لم يسمع بها أحد “لوواردون”، ثمّ تعثّر حظ أسرتها وإفلاسها عام 1889، وإرسالها إلى مدينة لايدن للدراسة، لكي تتدرب وتصبح مُعلمة رياض أطفال، في هذه المدينة أدركت جمالها بسبب تقليد الفتيات لها، وتم اغتصابها على يد مدير المدرسة في السادسة عشرة من عمرها، تتذكره بصورة سيئة دون سائر الرجال الذين منحوها الفرح أو المجوهرات أو المكانة الاجتماعية، إلى أن تأتي النقلة الأخرى في حياتها بعد زواجها من ضابط هولندي يدعى رودولف ماكلادو يعيش في أندونسيا، وهناك احترفت الرقص، ولكن مرت بحياة وعرة بعض الشيء حيث الزوج المخمور والشكاك في هروبها إلى أن تعثرت بأندرياس الذي كان صديقا لزوجها وهو الذي خفف كثيرًا عنها.

يذهب الكاتب إلى تقديم صورة من وجهة نظر راقصة في الحياة، فيما هي تُقدّم خبرتها عن علاقة المرأة بالمرأة وصراع النساء فيما بينهن على الرجل

كانت التحولات في شخصيتها بسبب قرارها عدم قدرتها على تحمل المشكلات، ثم الرقص وشخصية أندرياس الضابط صديق زوجها.

يبدأ الجزء الثاني من الرواية وتبدأ معه حياة جديدة لماتا هاري بعد أن اتخذت هذا الاسم لها وهي في باريس، حيث تبدأ الحياة الصّاخبة كراقصة والشهرة المدوية لها بعد أن بدأت الصحف تنشر عن حفلاتها ورقصاتها وعريها الذي كانت تقول إنها ما إن تعتلي منصة الرقص حتى تنسى المرأة التي كانتها وتقدم كل شيء.

السيرة والوقائع

تبدأ التجربة المثيرة لها بعد لقائها فرانس أولاف الذي عرض عليها العمل كراقصة في ألمانيا، وبعد موافقتها على عرضه تذهب إلى ألمانيا، ثم يعرب لها عن المساعدة التي يريد أن تقدمها إلى ألمانيا. وفي عرضها لحياتها تستعرض أجواء الحرب التي بدت نذرها وهي ترى الجنود أثناء رحلتها بالقطار إلى ألمانيا، ولكنها تتعجب من أن جنون العالم يضحي بالآلاف من القتلى، ثم عودتها إلى هولندا ومنها إلى لاهاي بعد علاقتها بصيرفي لتنتهي الرسالة إلى محاميها وينتهي الجزء الثاني من الرواية. في الجزء الثالث يرد المحامي على الرسالة وهي مؤرَّخة قبل يوم واحد من تنفيذ الإعدام، وهو يشرح فيها ما قام به من جهود من أجلها.

نتساءل هنا هل التزم باولو كويلو وهو ينقل لنا سيرة الجاسوسة الهولندية ماتا هاري بالوثائق التي قرأها واعتمدها في كتابة سيرتها؟ أم أنه عمد إلى التخييل، وصبغ الرواية بصنعة الأديب؟ يعترف باولو نفسه في حوار له قائلا “الوقائع صحيحة والتسلسل التاريخي فيها صحيح لكني وضعت نفسي مكان شخص آخر ويصعب القول أين حورت مساري، ربما في تصوري لآخر رسالة كتبتها ماتا هاري، لكني أعتقد أنني كنت قريبًا جدًّا مما فكرت فيه”.

حياة راقصة تحولت إلى أخطر الجواسيس

صنعة الروائي ظاهرة عبر هذه الحبكة التي جعلت من الرّواية بمثابة القرار والجواب، فالجزء الأول رسالة من مارتا للمحامي، وفي الجزء الثاني جواب الرسالة من المحامي لمارتا، بمثابة دحض لاتهامها له بالتراخي في الدفاع، كما يسوق فيها الحجج لضعف موقفها. وكأنها مذكرة دفاع يقدمها المحامي عن قضيته التي يترافع عنها. الشيء اللافت أن كويلو رغم أنه خلف الرواة الذين يحركون السرد، فإنه يقع في فخ التعاطف معها، فقد أبرزها في صورة الضحية، على عكس صورها في الوثائق وكتب التاريخ وأيضًا عندما قدمتها السينما.

ربما رأى باولو أن هاري كانت ضحيّة لواقعها الاجتماعي المحبط الذي دفعها لأن تتنازل في مقابل الحصول على المال، وهو ما كان له مقابله من مردود في عالم الرِّجال الذين فتنوا بجمالها. وربما أيضًا ليبرز حقارة لعبة السياسة، وهو ما ظهر بصورة جلية عبر الراوي الضمني في الرسالة التخييلية التي كتبها على لسان مارتا وهي تستعرض بها مسيرة حياتها، وكأنها تقدّم تأمّلات لهذه الحياة، وليس مراجعات، ومن قدمن لها المساعدة ومَن وقفن حجر عثرة في حياتها.

يذهب الكاتب إلى تقديم صورة من وجهة نظر راقصة في الحياة، فيما هي تُقدّم خبرتها عن علاقة المرأة بالمرأة وصراع النساء فيما بينهن على الرجل كما فعلت في موقفين، الأول موقف زوجة أندرياس التي أطلقت النار على نفسها، والثاني في علاقته بزوجة مسيو غيميه، حالة الصراع المكتوم الذي يتحول إلى بركان. يضع باولو في الخاتمة ما نشر عن الحادثة وسرقة الرأس التي تم اكتشافها في عام 2000 ثمّ وقع من اتهمها بالتجسس في التهمة ذاتها ومحاكمته.

17