هكذا ذهب الشاعر إلى القبر، هكذا عاد الشاعر إلى الحياة

الأحد 2015/03/01
نيرودا شاعر الحبّ والحريّة، وشاعر الإنسانيّة جمعاء

“إنهم يطلقون النار عليهم، إنهم يطلقون النار!”، هذى الشاعر، في العاشرة صباحا، قبل أن يموت. كان قد مرّ على انقلاب العسكر 12 يوما، كانت عربات الجيش في كلّ مكان، وكان أحد الجنود بكامل ثيابه الحربيّة، معتمرا خوذته، متأبّطا مسدسه الرشاش، وإصبع يده اليمنى مثنيّ على الزناد. عربة سوداء مكلّلة بورود بيضاء كثيرة تمرّ على مهلها، في الطرف الأيمن من الصورة، حاملة نعش الشاعر.

خلف السيارة وفي صمت عظيم طابور المشيّعين الطويل؛ نساء كثيرات ورجال أقلّ. وثمّة شابّ وحيد قرب زجاج السيّارة المفتوح، يتهادى على دراجته الهوائيّة، منحنيا بظهره على الهواء.

ثم نلمح من تحت ماسورة المسدس الممدودة، المتأهّبة، مصوّرين صحفيين يخلّدون الجنازة، بالأبيض والأسود، وهي تعبر الشارع، من العيادة التي كان الشاعر يعالج فيها، إلى الجماهير التي عشقت قصائده، فحفظتها عن ظهر قلب، والتي هي في انتظاره هناك. ثم يتّسع المشهد؛ فنرى فتيات صغيرات بتنانير قصيرة، وشبّانا صغارا بشعور طويلة وقمصان حمراء، يحيطون بالسيّارة، وهي تقترب من نقطة الوصول.

ثم ينزل النعش الرمادي من السيارة، وسط جموع غفيرة، حملت الجثمان وطافت به منددة بفاشية العسكر، صادحة بالنشيد الوطنيّ. ثم تتوقّف الجماهير الهادرة قليلا، فنرى في وسطها رجلا بشاربين كثّين، يصدح بأعلى صوته “أين هو الرفيق بابلو نيرودا؟”، فتردّ عليه الجموع بصوت مجلجل “إنه هنا”. ثم يواصل المشيّعون مسيرهم وسط عربات العسكر المدرّعة التي تطوّقهم من كل مكان.

منذ رحيله عن الدنيا، في 23 سبتمبر 1973 وهو في التاسعة والستين، بعيادة سانتا ماريّا في سانتياغو، وسبب موت صاحب “الإقامة في الأرض” مسألة يلفها الغموض.

كان البلاغ الرسمي المعلن آنئذ، يتحدث عن موت “أعظم شاعر في القرن العشرين” بسرطان البروستاتا. ولكنّ مانويل آرايا سائقه وحارسه الشخصيّ، المعيّن من قبل الحزب الشيوعي التشيلي، كان قد أعلن في العام 2011، أن عملاء الطاغية بينوشيه قد حقنوا نيرودا بمادّة تسببت في تردّي صحة الشاعر على نحو متسارع، خوفا من أن يؤدّي هروب الشاعر إلى المكسيك.

إنه الشعر الذي قال عنه نيرودا، ذات قصيدة، إنه قد جاء باحثا عنه من غصون الليل، ومن بين النيران الضارية، فنفر في روحه كالحمّى

وهو الذي كان عازما على ذلك -خاصة وأنه قد وجه قبيل موته بقليل، خطابا حماسيا لاذعا ضدّ الانقلاب العسكري- إلى أن يصبح صوت معارضة خطيرا في الخارج. وبناء على هذه المزاعم، تقدّم الحزب الشيوعي ببلاغ إلى القاضي ماريو كورّاسا، المسؤول عن التحقيق في الجرائم التي ارتكبها نظام بينوشيه، طالبا منه إصدار أمر بنبش قبر نيرودا لفحص رفاته.

وبعد سنتين من التقصّي أصدر القاضي، في شهر أبريل 2013، أمرا بنبش القبر. ثم أصدر أمرا قضائيا آخر لإحضار مايك تاونلي، عميل وكالة المخابرات المركزية الأميركية، المشتبه بأنه المسؤول عن جريمة القتل المفترضة.

عيّن القاضي فريقا من 15 عالما، للبحث عن علامات تدل على إصابة جسد نيرودا بالسرطان، فتذهب مزاعم مانويل آرايا أدراج الرياح؛ كما كلّفهم بالبحث أيضا عن أيّة أدلة على وجود مادة سمّية، فتتعزّز بذلك الفرضية التي ينادي بها سائقه، وحارسه الشخصيّ، خاصة وأن ماتيلده أوروتيا زوجته الثالثة والتي ماتت في العام 1985، كانت تصرّ طيلة حياتها على أن زوجها لم يمت بسرطان البروستاتا، ولكنها لم تذهب إلى أن تزعم بانه قد قتل.

لم تكن المسألة سهلة بالنسبة إلى الفريق المعيّن، بسبب نقص في السجلات المرضية بالعيادة التي كان يعالج فيها نيرودا قبل موته (وهي مسألة في حد ذاتها مثيرة للشبهة والارتياب) نظرا للمكانة الثقافية التي كان يتمتّع بها نيرودا في تشيلي والعالم أجمع.

قضى الفريق سبعة أشهر متواصلة في فحص الرفات، ولكنه لم يتوصل إلى نتائج قاطعة؛ لا آثار سرطان واضحة، ولا تسمّم مفترض. وبناء على هذه النتائج، والتي أعلنها رئيس مصلحة الطب الشرعي في تشيلي، في 8 نوفمبر 2013، قرر القاضي إقفال القضيّة نهائيا، وعودة رفات الشاعر إلى المكان الذي دفن فيه.

شعر قادم من الجحيم، يحطّم أغلال القلب ويجعله حرّا، سكران بالفراغ فوق السماء المفتوحة.. بالشعر، خرج نيرودا إلى الحياة وبالشعر، دخل إلى قبره الأول

وسواء مات نيرودا بالسرطان، أم مات بحقنة من السمّ في معدته، إلّا أنه استطاع طيلة حياته أن يجعل من نفسه الشاعر الذي يهابه الطغاة، ويرتعدون أمامه صاغرين؛ شاعر الحبّ والحريّة، وشاعر الإنسانيّة جمعاء.

“انظروا من حولكم”، خاطب نيرودا القوّة العسكرية الغاشمة التي داهمت بيته -بعد الانقلاب مباشرة، فحرقت جميع أوراقه وكتبه- “لن تجدوا، هنا، أيّ شيء يشكّل خطرا عليكم، إلّا الشعر”. نعم، إنّه الشعر الذي ترتعد منه فرائص الطغاة، وأعداء الحريّة، ومغتصبي أحلام الشعوب. إنه الشعر الذي قال عنه نيرودا، ذات قصيدة، إنه قد جاء باحثا عنه من غصون الليل، ومن بين النيران الضارية، فنفر في روحه كالحمّى. إنه الشعر الذي جعله يرى السموات مفتوحة، والكواكب راجفة، والظلال منخوبة.

شعر قادم من الجحيم، يحطّم أغلال القلب ويجعله حرّا، سكران بالفراغ فوق السماء المفتوحة. بالشعر، خرج نيرودا إلى الحياة. وبالشعر، دخل إلى قبره الأول، في المقبرة العموميّة بسنتياغو. وبالشعر، أخرج رفاته، بعد عودة الديمقراطيّة إلى تشيلي ليدفن، في العام 1992، في بقعة بدارته في إيسلا نيغرا. وبالشعر، مرّة أخرى، يعود إلى قبره الثاني، ليدفن فيه ثانية، من جديد، إلى جوار ماتيلدا أوروتيا، في الحديقة المطلّة على البحر.

“اتركوا لي مكانا تحت الأرض”، كتب نيرودا، في قصيدته التي تحمل ذات العنوان، اتركوا لي “متاهة،/ كي أستطيع أن أمضي، حين أرغب في التقلّب،/ بلا عينين، وبلا لمسة،/ في الخواء، إلى حجر أخرس،/ أو إصبع من ظلال”.

وقد نشعر به، وهو يتقلّب تحت الأرض، بجوار ماتيلده حبيبته وملهمة أشعاره، وهو ينشد “مرّة أخرى، أنا الصامت/ الذي جاء من المسافة/ مدثّرا بمطر بارد وأجراس:/ أدين لموت الأرض الطاهر/ برغبة أن أتفتّح”.

فها هو يتفتّح ثانية، في قبره، ويهمس في أذن حبيبته التي تجاوره في موتها “يا عطشي، ويا رغبتي التي لا تحدّ، ويا دربي المتحوّل!/ يا قيعان أنهار معتمة حيث يجري العطش الأبديّ/ يتبعه التّعب، ويتألّم المطلق”. أو، ربما يقول لها: “سنكون دومًا وحيدَيْنِ،/ سنكونُ دومًا أنا وأنتِ،/ وحيدينِ على الأرضِ/ كي نبدأ حياتنا!”.


شاعر ومترجم من فلسطين مقيم في الأردن

15