هكذا رأى الرحالة والمستشرقون بدو العراق والجزيرة العربية

كثيرا ما أثارت عادات البدو العرب وتقاليدهم فضول العديد من المستكشفين والرحالة، لما فيها من متعة وأسرار ظلت محفوظة ومجهولة في الكثير من الأحيان، فألفوا حولها كتبا ووضعوا لها دراسات حملت مضامينها رؤى الرحالة وخاصة الأوروبيين منهم الذين اهتموا ببدو العراق والجزيرة العربية، وحين نطّلع على هذه العناوين نجدها تعكس في جانب كبير منها الفضول المعرفي الذي يسيطر على أولئك الرحالة، حيث حاولوا من خلال رحلاتهم أن يُجيبوا عن هذا الفضول.
الأربعاء 2016/02/17

صدر عن دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، ودار أوبيوس للنشر والتوزيع بمونتريال كندا، كتاب “بدو العراق والجزيرة العربية بعيون الرحالة”، للباحث علي عفيفي علي غازي، الذي يتناول فيه من خلال منهج البحث التاريخي التحليلي المقارن، رؤية الرحالة لقيم وعادات وتقاليد بدو العراق والجزيرة العربية من القرن السادس عشر حتى منتصف القرن العشرين. يقول محجوب الزويري في تقديمه للكتاب إن الكتاب يركز “على تقديم جوانب من القصص غير المحكية في كتب التاريخ حول البدو وحياتهم في العراق والجزيرة العربية. ويتناول الكتاب أكثر من ثلاثين عنوانا تتعلق برؤية الرحالة الأوروبيين لبدو العراق والجزيرة العربية”.

صور البداوة

يبدأ الكتاب باستعراض دوافع وأهداف الرحالة عبر العصور، منذ العصور القديمة مرورا بالرحالة المسلمين، وانتهاء بالرحالة الغربيين في العصر الحديث، الذين جابوا الشرق، فيبدأ بتعريف كلمة الرحلة واشتقاقاتها اللغوية، ثم يُعرّف باصطلاح الرحالة، والمقصود بأدب الرحلات، والأسس التي قام عليها، وأهم ما يُميزه عن غيره من الآداب.

يرصد الكتاب رؤية الرحالة لشيخ القبيلة والعشيرة البدوي، ومكانته الاجتماعية، ومصادر دخله، ومصاريفه، والصفات التي يجب توافرها فيه، كي يتمّ اختياره شيخا للقبيلة، وكي تنقاد له بكافة رجالها ونسائها، وتُطيعه، في ظل غياب قوة تفرض سطوته وقوته عليهم، فقط العرف والعادات والتقاليد ما يحدد العلاقة بين أفراد القبيلة وشيخها، فهو لا يحكم بوسائل سلطوية معينة، وإنما فقط بنفوذه وشخصيته البارزة، وهو شيخ لأن القبيلة تعتبره الأكفأ، وأفرادها يُطيعون تعليماته لأنهم يثقون بحكمته وبُعد نظره.

يتناول بعد ذلك رؤية الرحالة للرجل البدوي، والشباب البدوي، والمرأة البدوية، وما أوردوه من قصص الحب المتبادل بين الشباب والشابات، ويرصد كذلك كيفية تعامل البدو مع العبيد بينهم، من خلال ما رأوه رأي العين، وسجلوه في كتاباتهم، ليؤكد على أن هذه الفئة من المجتمع البدوي تمتعت بقيمة وقدر عظيمين، وتملكت الحرية في العيش والزواج والتعبير عن آرائها، فعاش أفرادها حياة حرة كريمة، ليس كما تروّج له كتابات الغربيين عن سوء معاملة المسلمين لهذه الطائفة من المجتمع، والتي كانت تمثل قيمة اقتصادية واجتماعية عظيمة.

حياة البدوي تقوم على التنقل والترحال وراء العشب والكلأ، وتجبره على امتلاك القليل من المتاع والبسيط من الأدوات

يرصد الكتاب صورة المرأة النجدية بعيون الرحالة البريطانية آن بلنت، كنموذج للرحالة الغربي المعتدل في رؤيته، والذي نجح في اختراق ذلك المكان المغلق، مكمن الأسرار لدى الغربي، ومنهل الملذات لدى الشرقي، ليرصد بعيني آن بلنت حقيقة ما رأته، ولمسته، ووصفته، بعيدا عن نظرتها التعصبية التهكمية اللاذعة. ولا شك أن الأزياء هي أول ما يسترعي انتباه السائح في بلاد تختلف عن بلاده حضارة ودينا ولغة ومُعتقدا، وقد أبدى معظم الرحالة إعجابه بغرابة الأزياء البدوية وطرافتها، فتطرق هؤلاء إلى وصفها بدقة مُبرزين الفرق الظاهر بين أزياء الفقراء والأغنياء، وخاصة النسائية منها.

يوضح المؤلف كيف يستقبل المجتمع البدوي الطفل المولود الجديد، وكيف تُجرى مراسم العقيقة البدوية. ويُقدر البدو قيمة الماء لأنه أثمن من الذهب؛ بل هو الحياة في البيداء. ثم يتناول بعض العادات والتقاليد والقيم البدوية، فيذكر أن لكل قبيلة عادات خاصة، ومخالفتها عند البدو إثم كبير، ويشير إلى أن البيئة فرضت على البدوي تقاليده وعاداته، فليست العادة قائمة بذاتها، وإنما تعتمد على الظروف. ثم يتناول اعتقاد البدو في الجن، فيذكر أن الصحراء الواسعة الموحشة تفرض تأثيرها على فكر البدوي، إذ تخيّل الصحراء آهلة بأحياء لها طبائع وحشية سماها الجن والعفاريت، والأشباح.

عادات أهل الصحراء

يوضح الكتاب أن جميع الرحالة الذين زاروا العراق والجزيرة العربية قد اتفقوا جميعا على أهمية الإبل لحياة البدوي في الصحراء، فهي أثمن ما يملك في حياته القاسية، إذ هي طوق نجاته في بحور الرمال العظيمة، ومصدر مأكله ومشربه وملبسه، واستخدم بعرها كوقود بعد تيبسه، وبولها للتنظيف، وكدواء، ومادة لغسيل الشعر، فضلا عن أهم خاصية، التي منحتها الاسم الشهير “سفينة الصحراء”، وهي وسيلة الحمل لدى البدوي، لحاجياته وأثقاله إلى أمكنة لم يكن بالغها إلا بشق الأنفس.

يتمتع الحصان العربي الأصيل ببنية جسمانية متينة ومتكاملة، وهو قليل الأمراض سريع الشفاء، لديه قدرة عالية على تحمل المشاق تحت أقسى الظروف، ويتميز بشجاعة فطرية تُساعده على الثبات في المعارك، ويحتفظ بهدوء نادر، ويأتي في مقدمة الخيول في العالم من حيث الذكاء، وأورد المؤلف ما ذكره الرحالة من قصص تثير الإعجاب عن ذكاء الفرس العربية الأصيلة.

الكتاب يرصد صورة المرأة النجدية بعيون الرحالة البريطانية آن بلنت

ينظر البدوي للصيد بالصقور باعتباره التسلية الرئيسية في البادية، ويشكل الصيد جزءا من طعام البدوي، فيستخدم الصقور في صيده، والصيد بالصقور من طباع البدوي. ثمّ ينتقل إلى الحديث عن التيمم والوضوء للصلاة. فيذكر أن الرحالة أوضحوا كيف يقوم البدوي بتحديد مواقيت الصلاة نهارا بالظلال، وليلا استدلالا بالكواكب.

ينتقل الكتاب لتناول ما رصده الرحالة من مظاهر لشهر رمضان المبارك لدى بدو العراق وشبه الجزيرة العربية، مع استخدام المنهج المقارن لمقارنته بما رصده الرحالة لدى المدن الحضرية. فقد اعتنى الرحالة الأوربيون برصد مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، وما يصاحبه من عادات وتقاليد.

كما توافرت المعلومات الخاصة بشعائر الحج، حيث يذكر الرحالة الكثير عن استعدادات البدو للحج، والدروب التي ساروا فيها إلى مكة المكرمة، ومظاهر الاحتفالات بعد عودتهم، والتهاني المقدمة لهم من الأقران، ثم ماذا كان هؤلاء الحجاج يفعلون عندما يحل عيد الأضحى عليهم مرة أخرى، وهم في مضاربهم وبين أهلهم، وأصدقائهم. ويوضح بعد ذلك مظاهر الاحتفال بالعيد، فيشير إلى أن فرحة العيد تتباين من بلد إلى آخر.

تقوم حياة البدوي على التنقل والترحال وراء العشب والكلأ، وتجبره على امتلاك القليل من المتاع، والبسيط من الأدوات، حتى لا يثقل كاهله بأثاث، لأن كل شيء غير ضروري هو بمثابة عائق له. وكل ما يملكه البدو عبارة عن الملابس التي يرتدونها، والأسلحة، والسروج، وعدد قليل من القدور، وقرب الماء، والخيام المصنوعة من شعر الماعز، والحيوانات التي تُنظم تنقلاتهم.

ثمّ يتحدث بعد ذلك عن الكلك، وهو عبارة عن مركب يتخذه أهل العراق من الظروف والأزقاق، تنفخ وتشدّ بعضها إلى بعض. ثم يشير إلى اهتمام الرحالة بالشعر البدوي، وتحملهم مشاق السفر والترحال في بوادي الجزيرة العربية، لأجل الحفاظ عليه، وقد جمعوا منه الكثير في كتب، تحسب لهؤلاء الرحالة والمستشرقين، الذين اهتموا بالتراث العربي الإسلامي عامة، وتراث البادية خاصة، مشيرا إلى أن الشعر البدوي يعرف بالشعر النبطيّ، أو بالشعر العامي، لعدم تقيده بما يتقيّد به الشعر الفصيح، ولأن مفرداته هي من اللهجة البدوية، ولأن معظم شعرائه من البدو.

14