هكذا ستكون الإسكندرية بعد ألف عام

ستة تشكيليين مصريين من جماعة "الحنين المستقبلي" يرسمون مدينة الإسكندر الأكبر الآتية من خلال معرض فني في القاهرة تحت عنوان "إسكندرية 3000".
السبت 2018/03/24
تعامل مستقبلي مع الإسكندرية الحلم

القاهرة – ذهب الفنان المصري فرغلي عبدالحفيظ بعيدا في سبيل تحقيق فكرة استشراف مدينته الإسكندرية، تحديدا إلى سنة 3000، ليقدّم رؤيته البصرية للمدينة الحلم مع مجموعة من الفنانين الآخرين.

ويرى عبدالحفيظ، وهو واحد من أبناء الإسكندرية، أن مستقبل مدينته يمكن أن يكون أكثر إشراقا إذا ما أريد لها ذلك، لذا فقد فكّر الفنان في رسم ملامح مدينته في المستقبل، ومن هناك شكّل ستة فنانين معا جماعة “الحنين المستقبلي”، وهي الجماعة التي أسّسها الفنان فرغلي عبدالحفيظ قبل عام تقريبا، فكيف يرى الفنان مدينته بعد المئات من السنين؟ هذا ما يحاول هؤلاء الفنانون الإجابة عنه من خلال معرض فني استضافته قاعة “الزمالك للفنون” في القاهرة تحت عنوان “إسكندرية 3000″.

حنين مستقبلي

ضم المعرض إبداعات ست فنانين من أعضاء جماعة الحنين المستقبلي، وهم ياسمين الحاذق وآية الفلاح ونهى دياب وعادل مصطفى وياسمينة حيدر وكاريل حمصي، إضافة إلى الفنان فرغلي عبدالحفيظ مؤسّس هذه الجماعة الناشئة.

 

الإسكندرية مدينة مصرية لها تاريخ طويل، فقد كانت مصر حاضرة في وقت من الأوقات، وعرفت بمدرستها الفلسفية في عهد اليونان، وكانت مكتبتها واحدة من أهم معالم التمدّن والعلم في العالم القديم، وعلى شواطئها شيّدت واحدة من عجائب الدنيا السبع، وهي منارة الإسكندرية، وحتى اليوم لا تزال مدينة الإسكندرية من أجمل المدن المصرية، فهذا الماضي العريق والممتد عبر المئات من السنين يمثل مصدرا للفخر والزهو لأبنائها.

وتسعى الجماعة كما يقول عبدالحفيظ إلى تطويع كلمة الحنين كي تشير إلى المستقبل، بدلا من اقتصارها على الحاضر، فقد كثر الحنين إلى الماضي، كما يقول “كأننا نرفض الحاضر والمستقبل معا، وحتى حين نحب شيئا من الماضي ينبغي أن تكون عيوننا على المستقبل، حيث يمثل الغاية، فقد شبعنا بكاء على ما فات، وفي الوقت نفسه لا نستطيع التخلي عن الجذور من أجل الحاضر والمستقبل، عندما يحب الإنسان مستقبله فإنه يسعى إلى تحقيق واقع قوي، ويصبح عنده الدافع إلى الحياة وإلى التغيير”.

فهل نجح الفنانون المشاركون في التعبير عن الرؤية المستقبلية للمدينة بالفعل؟ ربما تختلف رؤية الفنان التشكيلي كثيرا عن رؤية المصمّم أو المهندس، كاختلاف النظرة العملية أو الواقعية عن النظرة الحالمة، لكنهما يشتركان معا بلا شك في مساحة الخيال المتاحة لهما.

وقد يضع المهندس تصوّراته للمدينة على هيئة طرق وإنشاءات ووسائل مواصلات تخيلية، أما الفنان فقد يمزج خياله وتوقعاته بما لديه من أدوات كاللون والخط والمساحة فيخرج بمكوّن إبداعي مختلف.

ولم يكن الهدف، كما يقول عبدالحفيظ، هو وضع تصوّر لشكل المدينة بقدر ما هو محاولة للتعبير عن مشاعر الفنانين المشاركين ومحبتهم لمدينتهم، كل حسب أسلوبه وطريقة تعامله مع السطح المرسوم.

في المعرض قدّمت الفنانة آية الفلاح خمسة أعمال تصويرية اتسمت أغلبها بالعلاقات الخطية، فكل لوحة من لوحاتها ترتبط بحدث معين ومكان في حياتها، وتوثّق الأعمال للحالة العاطفية والعقلية لها في تلك المرحلة.

تنوع الرؤى

قدّم الفنان عادل مصطفى أربع لوحات استلهم خلالها الحياة المعاصرة بأساليب مختلفة، ووظف الفنان في أعماله مجموعة من العناصر المختلفة المرتبطة بمدينة الإسكندرية كقلعة قايتباي والبحر والمباني العتيقة التي تتميّز بها هذه المدينة، كما قام بتوظيف الخط العربي في إحدى اللوحات رابطا كل ذلك بنسيج من اللون الزاهي والعلاقات البصرية.

انطباعات منسجمة
انطباعات منسجمة

وجمعت الفنانة ياسمينة حيدر في أعمالها بين الرسم بالألوان الزيتية وخامة الزجاج التي شكّلت بها عناصر أقرب ما تكون إلى هيئة المياه على سطح اللوحة.

والمساحة في لوحات حيدر الأربع هي مساحة حرة لعناصر محدودة كالأسماك والتماثيل الإغريقية والمصرية القديمة التي مزجت بينها في عنصر واحد.

أما الفنانة كاريل حمصي فقد مزجت في أعمالها أيضا بين عدد كبير من العناصر، مستعينة بأسلوبها الذي يميل إلى الرمزية، فالإسكندرية في لوحاتها هي امرأة جميلة تقف في شموخ على رأسها تاج كليوباترا وتحيطها كل رموز المدينة العريقة، بداية من مؤسسها الإسكندر الأكبر إلى الرموز الثقافية المصرية الحديثة كالموسيقي سيد درويش ونجيب محفوظ، والفنانين الروّاد من أبناء مدينة الإسكندرية كمحمود سعيد وسيف وأدهم وانلي.

واتسمت أعمال الفنانة نهى دياب بالميل إلى التجريد والارتجال في صوغ العلاقات بين المساحات اللونية، وتتبنى دياب تقنيات متنوعة على مسطحات مصبوغة مستوحاة من الطبيعة وكائناتها.

أما الفنانة ياسمين الحاذق، فهي تربط بين فضاءات المدينة المتخيلة وكائناتها الغرائبية الموزّعة على مساحة اللوحة، حيث تتسم أعمالها بالخطوط والمساحات المتداخلة والتكوينات الظلية.

وعرض الفنان فرغلي عبدالحفيظ مجموعة من أعماله التي يرصد فيها انطباعاته عن مدينة الإسكندرية، وهو المعروف بأعماله التي يرصد خلالها عددا من المدن التي زارها أو عاش فيها لفترة من الوقت، وعبدالحفيظ في تناوله لتلك التجارب لا يهتم بالتفاصيل بقدر اهتمامه بالانطباعات السريعة المنسجمة مع طريقته في التلوين، فاللوحة لديه أشبه بالإسكتش أو الرسم التحضيري يعالجها، كما يقول، دفعة واحدة لتحتفظ برونقها والأحاسيس التي يحملها تجاه تلك المدينة أو غيرها.

13