هكذا سقطت الموصل: الجيش العراقي مؤسسة فاشلة في قلب دولة فاشلة

الخميس 2014/10/16
بدلة عسكرية تابعة للجيش العراقي ملقاة على الأرض

بغداد- يروي اللواء مهدي الغراوي في تقرير خاص لوكالة رويترز، تفاصيل استيلاء تنظيم داعش على مدينة الموصل العراقية في العاشر من يونيو 2014 وتوجه المجموعة جنوبا نحو بغداد وانهيار الجيش العراقي أمامها. ويرى الخبراء الإجابة على السؤال كيف سقطت الموصل؟ ستساعد على فهم الأزمة وتحدد ردة فعل الزعماء في العراق والشرق الأوسط وفي المنظومة الدولية. وهي ردة فعل لا تقتصر فقط على المواجهة العسكرية ضد تنظيم داعش بل يجب أن تضم أولا معالجة الأسباب الكامنة وراء صعود داعش وتقدّمه في العراق.

في أواخر مايو اعتقلت قوات الأمن العراقية سبعة أعضاء في تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الموصل وعلمت أن المجموعة تخطط لشن هجوم على المدينة في أوائل يونيو.

وكان اللواء مهدي الغراوي يعلم أن الهجوم قادم، لذلك طلب قائد العمليات في محافظة نينوى، وعاصمتها الموصل، تعزيزات من أكثر القادة تمتعا بثقة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي. ولأن الجيش العراقي كان منهكا تجاهل الضباط الكبار هذا الطلب. كما نقل دبلوماسيون في بغداد معلومات عن هجوم وقيل لهم إن قوات عراقية خاصة ترابط في الموصل وبإمكانها التعامل مع أي تطورات.

في الرابع من يونيو حاصرت الشرطة الاتحادية في الموصل تحت قيادة الغراوي القائد العسكري لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق ففضّل أن يفجر نفسه على الاستسلام. وكان الغراوي يأمل أن يمنع مقتله الهجوم المرتقب. لكنه كان مخطئا.

في الساعة الثانية والنصف من صباح اليوم السادس من يونيو عاد اللواء الغراوي ورجاله إلى غرفة العمليات بعد تفقّد نقاط التفتيش في المدينة التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة. في تلك اللحظة كانت قوافل من شاحنات البيك أب تتقدم من اتجاه الغرب عبر الصحراء التي تقع فيها الحدود الفاصلة بين العراق وسوريا.

وكان في كل شاحنة أربعة من مقاتلي الدولة الإسلامية. وشقت هذه القوافل طريقها إلى نقاط التفتيش التي كان في كل منها رجلان لتدخل المدينة.

بحلول الساعة الثالثة والنصف صباحا كان المقاتلون المتشدّدون يحاربون داخل الموصل. وبعد ثلاثة أيام ترك الجيش العراقي الموصل، ثاني أكبر مدن العراق للمهاجمين. وأدى سقوط المدينة إلى سلسلة من الأحداث التي مازالت تعيد تشكيل العراق رغم مرور أشهر.


ما هي نتائج سقوط الموصل؟


كان سقوط الموصل سببا في بدء هجوم استمر يومين واقترب فيه مقاتلو التنظيم من بغداد على مسافة 153 كيلومترا فقط، مما أدى إلى سقوط أربع فرق عراقية وأسر ومقتل آلاف الجنود العراقيين. وساهم هذا الهجوم في إزاحة المالكي عن منصبه كما دفع القوى الغربية وحلفاءها من دول الخليج العربية إلى بدء حملة قصف جوي لمواقع المتشددين الإسلاميين في العراق وسوريا. لكن الغموض ظل حتى الآن يكتنف الظروف التي أحاطت بسقوط الموصل وبمن أصدر الأمر بترك القتال والانسحاب.

"الموقع أربعة" سجن شهير في بغداد تردد أن السجناء كانوا يعذبون فيه أو يباعون لواحدة من أكبر الميليشيات الشيعية

فلم تصدر رواية رسمية لما حدث ولم ينشر سوى ما رواه الجنود عن عمليات هروب جماعي من الخدمة ومزاعم من قوات المشاة بأنها اتبعت أوامر صدرت لها بالهرب. وفي يونيو اتهم المالكي دولا في المنطقة، لم يذكرها بالاسم، وقادة وساسة منافسين بالتآمر لإسقاط الموصل لكنه لزم الصمت منذ ذلك الحين. ومع ذلك ألقت بغداد اللوم على اللواء الغراوي. ففي أواخر أغسطس اتهمته وزارة الدفاع بالتقصير في واجبه. وهو الآن ينتظر ما تتوصل إليه هيئة التحقيق ثم المحاكمة العسكرية. وإذا كان قرار المحكمة بالإدانة فمن الممكن أن يحكم عليه بالإعدام.

وتم أيضا احتجاز أربعة من ضباط الأمن الذين كانوا يعملون تحت امرة الغراوي انتظارا لمحاكمتهم ولم تتمكن رويترز من الاتصال بهم. ويعتزم البرلمان عقد جلسات استماع لمعرفة ما حدث في سقوط الموصل.

ويظهر تحقيق أجرته وكالة رويترز أن مسؤولين عسكريين من مستوى أرفع والمالكي نفسه يتحملون جانبا من اللوم على الأقل. فقد شرح عدد من أرفع القادة والمسؤولين العراقيين بالتفصيل للمرة الأولى كيف استفاد تنظيم الدولة الإسلامية من نقص القوات والخلافات في ما بين كبار الضباط والزعماء السياسيين في العراق وحالة الذعر التي أدت إلى ترك المدينة. ويقول الضباط والمسؤولون إن المالكي ووزير دفاعه ارتكبا خطأ مبكرا فادحا برفض عروض متكررة من القوات الكردية المعروفة باسم البشمركة لتقديم المساعدة.

ودور الغراوي في الكارثة موضع خلاف. فالغراوي من أفراد الطائفة الشيعية المهيمنة في البلاد، ويقول محافظ نينوى وكثير من المواطنين إنه استعدى الأغلبية السنية في الموصل قبل بدء المعركة. وساهم ذلك في ظهور الخلايا النائمة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية داخل الموصل نفسها. واتهم ضابط عراقي الغراوي بأنه لم يحشد القوات لوقفة أخيرة في مواجهة الدولة الإسلامية.

من جانبه يقول الغراوي إنه ظل صامدا ولم يصدر الأمر النهائي بالانسحاب من المدينة. ويقر آخرون اشتركوا في المعركة صحة هذا الزعم ويقولون إن اللواء مهدي الغراوي ظل يقاتل حتى سقطت المدينة. وعند ذلك فقط هرب الغراوي من ساحة المعركة.

ويقول الغراوي إن واحدا من ثلاثة أشخاص ربما يكون قد أصدر الأمر النهائي هم عبود قنبر الذي كان في ذلك الوقت نائبا لرئيس الأركان بوزارة الدفاع أو علي غيدان الذي كان قائدا للقوات البرية أو المالكي نفسه الذي كان يوجه كبار الضباط من بغداد بنفسه.

ويضيف الغراوي أن سر من قرر الانسحاب من الموصل يكمن مع هؤلاء الثلاثة. ويقول الغراوي إن قرار غيدان وقنبر ترك الضفة الغربية للموصل كان سببا في هروب جماعي من الخدمة لأن الجنود افترضوا أن قادتهم هربوا.

وأيد مسؤول عسكري عراقي رفيع ذلك. ولم يعلق أي من الرجال الثلاثة علانية على قراراتهم في الموصل. ورفض المالكي طلبات من وكالة رويترز لإجراء مقابلة في إطار هذا التقرير. ولم يرد قنبر بينما لم يتسن الاتصال بغيدان.

وقال اللواء قاسم عطا المتحدث العسكري الذي تربطه علاقات وثيقة بالمالكي إن الغراوي “قبل الآخرين جميعا… فشل في دوره كقائد”. وأضاف أن الباقين “سيكشف عنهم أمام القضاء”.


من هو مهدي الغراوي؟

رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وقائد الشرطة الاتحادية في الموصل اللواء مهدي صبيح الغراوي وقائد القوات البرية الفريق أول علي غيدان وقائد العمليات المشتركة الفريق أول عبود قنبر


من أوجه عديدة تعد رواية الغراوي لما حدث نافذة على العراق. فهذا القائد العراقي يعد شخصية رئيسية منذ عام 2003 عندما بدأ الشيعة يكتسبون نفوذا بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين وحزب البعث السني الذي كان مهيمنا من قبل.

وحيّا القادة العراقيون الغراوي ذات مرة باعتباره بطلا بينما يرى السنة أنه استغل الحرب العراقية على التطرف للتغطية على عمليات ابتزاز شركات للحصول على أموال وتهديد الأبرياء بالاعتقال والقتل.

وصعد نجم الغراوي في القوات المسلحة التي تسودها الانقسامات الطائفية والفساد والسياسة. وأصبح الغراوي الآن أسير هذه القوى نفسها.

ولا يوضح قرار معاقبته وتجاهل دور الشخصيات الأعلى رتبة مدى صعوبة إعادة بناء القوات المسلحة فحسب بل يبين أيضا لماذا تواجه البلاد خطر التفكك، كما ثبت في الموصل أن الجيش العراقي مؤسسة فاشلة في قلب دولة فاشلة.

وأصبح الغراوي، على حد قوله، كبش فداء وضحية للاتفاقات والتحالفات التي تبقي النخبة السياسية والعسكرية في العراق في مواقعها. وأحيل غيدان وقنبر موضع ثقة المالكي إلى التقاعد. ويقول الغراوي، الذي يعيش في مدينته الواقعة في جنوب العراق، إن رؤساءه ألقوا عليه أخطاء نظام متصدع.

وقال قائد العمليات السابق في محافظة نينوى لرويترز خلال زيارة لبغداد قبل أسبوعين “هم يريدون فقط إنقاذ أنفسهم من تلك الاتهامات. التحقيق يجب أن يشمل أعلى القادة والقيادات… على الكل أن يقول ما لديه حتى يعرف الناس”.

تطهير المؤسسات الأمنية من الطائفية وسبل التحايل لجمع المال والمناورات السياسية ستستغرق سنوات


من مهد الطريق إلى الموصل؟


توقع الغراوي أن تكون الموصل جحيما. ففي السنوات التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 أصبحت المدينة مركزا لتنظيم القاعدة وحركة التمرد السني.

ويقيم بعثيون سابقون وقادة عسكريون سابقون في محافظة نينوى. كذلك كان للأكراد موطئ قدم في المدينة. فبعد سقوط صدام حسين أصبحوا يهيمنون على قوى الأمن والحكومة المحلية.

وفي عام 2008، وبعد عامين من تولي المالكي رئاسة الوزراء، بدأ يعمل على تأكيد سلطته في المدينة. ولأنه كان يتوقع احتمال أن يغدر الأكراد به بدأ حملة تطهير للضباط الأكراد من فرقتي الجيش الموجودتين في الموصل ويضع رجاله لحماية مصالح بغداد. وعين المالكي مجموعة من القادة الذين استعْدوا الأكراد والسنة في المدينة. وفي عام 2011 وقع اختياره على الغراوي.

ورغم كونه شيعيا فقد كان الغراوي عضوا في الحرس الجمهوري في عهد صدام حسين. وفي عام 2004 وبعد سقوط النظام العراقي دعمت واشنطن الغراوي في قيادة واحدة من فرق الشرطة الوطنية الجديدة في العراق. وكانت تلك الفترة في غاية القسوة. وقد تم ربط قوى الأمن التي هيمن عليها الشيعة بما فيها الشرطة بسلسلة من عمليات القتل خارج نطاق القانون. واتهم الأميركيون الغراوي بإدارة كتائب الشرطة كواجهة للميليشيات الشيعية التي ألقيت عليها مسؤولية قتل المئات من الناس أغلبهم من السنة.

وحقق مسؤولون أميركيون وعراقيون مع الغراوي لقيادته الموقع أربعة وهو سجن شهير في بغداد تردد أن السجناء كانوا يعذبون فيه أو يباعون لواحدة من أكبر الميليشيات الشيعية وأكثرها وحشية.

وفي أواخر عام 2006 تحرك المسؤولون الأميركيون لوقف أعمال القتال وضغطوا على نوري المالكي لصرف الغراوي من الخدمة ومحاكمته بتهمة التعذيب. وكلف المالكي الغراوي بمهمة أخرى لكنه لم يشأ أن يحاكمه.

ويتذكر السفير الأميركي ريان كروكر تبادل الصياح مع المالكي بسبب الغراوي. وقال كروكر عام 2010 “من دواعي شعوري بخيبة الأمل وهي كثيرة عدم الإيقاع بهذا الفاشل البائس”.

مسلحو داعش كانوا يملكون عتادا أفضل من الجيش العراقي

ويقول الغراوي إنه لم يرتكب أي أخطاء خلال تلك الفترة وليس لديه ما يعتذر من أجله. وأضاف أنها كانت حربا أهلية. وكان التمرد السني مصرا على القضاء على الحكومة التي يقودها الشيعة. كما قتل شقيق الغراوي على أيدي مقاتلين من السنة.

ويقول الغراوي “كنا نعمل في ظل ظروف خاصة. ومنعنا الحرب الأهلية. بل إننا في واقع الأمر أوقفناها. فأين هي أخطاؤنا؟“.

بعد إنزال رتبته ظل الغراوي ينتظر فرصة ملائمة؛ فعاش حياة كئيبة في فيلته ذات الإضاءة الخافتة في المنطقة الخضراء تزينها صور قديمة من بينها بضع صور له مع أعضاء في الكونغرس الأميركي ووزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفيلد.

وأوكلت إليه سلسلة من المهام البسيطة. وظل مكتب المالكي يقترح اسمه بانتظام لمناصب أعلى وظل المسؤولون الأميركيون يعرقلون هذه الاقتراحات. وبينما كانت القوات الأميركية تستعد لمغادرة العراق عين المالكي الغراوي في أعلى منصب قيادي للشرطة الاتحادية في الموصل.

وهناك استعاد الغراوي مجده السابق. وعرض التلفزيون العراقي صورته وهو يقف في سهول نينوى بالزي المموه الأزرق وهو ويعلن نجاح عملية لإحباط مؤامرة إرهابية. وكافأه المالكي بمنحه عقارا سكنيا في أحد الأحياء الراقية في بغداد.

وفي بيته بالعاصمة وأثناء إجازة قصيرة من الموصل في شهر ديسمبر الماضي جلس الغراوي بكل زهو على أريكة خضراء وحوله جدران مطلية باللون الأصفر الشاحب وتحت قدميه سجادة من جلد فهد وأرضية تشع بلاطاتها بريقا لامعا.

وتدلت من على الحائط صورة زيتية للغراوي. وراح الغراوي يتباهي بالاعتقالات وهو يقلب مجموعة من صور الجهاديين الذين اعتقلهم رجاله.

ورغم انتصاراته كان صريحا في ما يتعلق بالتمرد الذي عاود الظهور العام الماضي مع تنامي شعور السنة بخيبة الأمل إزاء الحكم الطائفي للمالكي. وقال إن الحرب في أفضل الأحوال تمثل ورطة.

وقال إن تنظيم القاعدة الذي كان في ذلك الوقت التنظيم الأم لتنظيم الدولة الإسلامية قبل أن ينفصل عنه الأخير هذا العام يحقق مكاسب. وأضاف “يجب أن أعترف أن القاعدة أقوى من أي وقت مضى. فالقاعدة تحتاج الموصل وتنظر إليها باعتبارها إمارتها”.

وقال الغراوي إن القوات اللازمة لتأمين المحافظة تنقصه. كذلك فإنه واجه معارضة متنامية من السنة في الموصل الذين اتهموه ورجاله بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون. ويرفض الغراوي هذه الاتهامات.وفي مارس عينه المالكي قائد العمليات في نينوى.


كيف سقطت الموصل؟


بينما كان مقاتلو الدولة الإسلامية يسابقون الريح صوب الموصل قبل فجر يوم السادس من يونيو كان الجهاديون يأملون كما قال واحد منهم في ما بعد لصديق في بغداد أن يستولوا على إحدى الضواحي لعدة ساعات. فلم يتوقعوا أن تنهار سيطرة الدولة.

مهدي الغراوي: قافلة غيدان وقنبر المتقهقرة ولدت الانطباع بأن قوات الجيش العراقي تهجر الميدان

ودخل الجهاديون خمسة أحياء بالمئات وخلال الأيام القليلة التالية ارتفع عددهم متجاوزا 2000 مقاتل ورحّب بهم سكان المدينة السنة الغاضبون.

كان خط الدفاع الأول عن الموصل هو اللواء السادس بالفرقة الثالثة من الجيش العراقي. وعلى الورق كان قوام اللواء 2500 رجل. أما الواقع فكان أقرب إلى 500 رجل. كذلك كان اللواء تعوزه الأسلحة والذخائر، وفقا لما قاله أحد ضباط الصف.

فقد سبق نقل المشاة والمدرعات والدبابات إلى الأنبار حيث قتل أكثر من 6000 جندي وهرب من الخدمة 12 ألفا غيرهم. وقال الغراوي إن ذلك لم يبق في الموصل أي دبابات كما أن المدينة كانت تعاني من نقص المدفعية. كذلك كانت هناك أيضا مشكلة الجنود الوهميين وهم الرجال المسجلون في الدفاتر الذين يدفعون للضباط نصف رواتبهم وفي المقابل لا يحضرون لثكناتهم ولا يؤدون ما عليهم من واجبات.

وكان محققون من وزارة الدفاع أرسلوا تقريرا عن هذه الظاهرة لرؤسائهم عام 2013. وقال صف ضابط ترابط وحدته في الموصل إنه لم يحدث أي تقدم في هذا الشأن.

عموما كان من المفترض أن يكون عدد رجال الجيش والشرطة في المدينة ما يقرب من 25 ألفا. أما في الواقع فلم يكن العدد يزيد في أحسن الأحوال عن عشرة آلاف كما قال عدد من المسؤولين المحليين وضباط الأمن. وفي حي مشرفة وهو من نقاط الدخول إلى المدينة كان عدد الجنود في الخدمة ليلة السادس من يونيو 40 جنديا فقط.

مع تسلل المتشددين إلى المدينة استولوا على عربات عسكرية وأسلحة. وقال ضابط الصف الذي يعمل في المدينة إن المتشددين شنقوا عددا من الجنود وأشعلوا النار في جثثهم وصلبوا البعض وأشعلوا النار فيهم على مقدمة سيارات الهمفي.

على الطرف الغربي من حي 17 تموز شاهد رجال الشرطة من الكتيبة الرابعة سيارتي همفي و15 شاحنة بيك اب تقترب وهي تطلق نيران المدافع الرشاشة بكثافة.

وقال العقيد ذياب أحمد العاصي العبيدي قائد الكتيبة “في كتيبتنا كلها لدينا مدفع رشاش واحد. أما هم ففي كل بيك اب مدفع رشاش”.

وأمر الغراوي قواته بتشكيل صف دفاعي لتطويق أحياء الموصل الغربية المحاصرة من جهة نهر دجلة. وقال إنه تلقى اتصالا هاتفيا من المالكي للصمود حتى وصول قنبر نائب رئيس الأركان بوزارة الدفاع وغيدان الذي كان يقود القوات البرية العراقية.

وقنبر من أفراد العشيرة التي ينتمي إليها المالكي بينما كان غيدان يساعد المالكي منذ فترة طويلة في العمليات الأمنية وفقا لما قاله ضباط مسؤولون عراقيون كبار. وكان الاثنان أعلى رتبة من الغراوي وتوليا تلقائيا بالكامل القيادة في الموصل في السابع من يونيو حزيران. وفي صباح اليوم التالي التقى الغراوي محافظ نينوى أثيل النجيفي. ولم يكن المحافظ صديقا بل سبق أن اتهم الغراوي بالفساد وهو اتهام نفاه الغراوي.

والآن كان مصير المدينة يتوقف على الغراوي. وسأل أحد مستشاري النجيفي الغراوي عن أسباب عدم قيامه بهجوم مضاد. وقال له الغراوي “لا يوجد ما يكفي من القوات”.

وكان الفريق بابكر زيباري رئيسا لهيئة الأركان للقوات المسلحة في بغداد ويعمل الغراوي تحت امرته. واتفق في الرأي أنه لا يوجد ما يكفي من الرجال لإلحاق الهزيمة بالجهاديين. وسبق أن رفض المالكي فرصة لتغيير هذا الوضع.

في السنوات التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 أصبحت الموصل مركزا لتنظيم القاعدة

وفي السابع من يونيو عرض رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني إرسال قوات البشمركة الكردية لتقديم العون. ووصل هذا العرض إلى المالكي الذي قال زيباري إنه رفضه مرتين عن طريق وزير الدفاع.

كما حاولت الأمم المتحدة ودبلوماسيون أميركيون التوسط في وضع ترتيبات مقبولة للمالكي الذي ظل على ارتيابه في نوايا الأكراد. وأصر المالكي على أن القوات العراقية تكفي وزيادة. وأكد مكتب البرزاني أن العروض الكردية بتقديم المساعدة قوبلت بالرفض.

وعصر يوم الثامن من يونيو صعد تنظيم الدولة الإسلامية. كانت أكثر من 100 عربة تقل ما لا يقل عن 400 مقاتل قد عبرت إلى الموصل من سوريا منذ بداية المعركة. وقالت الشرطة والجيش إن الخلايا النائمة في المدينة نشطت وهبت لمساعدة المهاجمين.

وقصف المهاجمون مركزا للشرطة في حي العريبي وهاجموا المنطقة المحيطة بفندق الموصل المهجور على الضفة الغربية لنهر دجلة الذي تحول إلى موقع قتالي لثلاثين رجلا من وحدة خاصة من قوات الشرطة. وقصف الغراوي ورجاله من الشرطة الاتحادية المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية بالمدفعية. وقال إن “معنويات الموصل ارتفعت” لبرهة من الوقت.

وخلال ساعات سادت الفوضى قيادة الغراوي. وتقول عدة مصادر عسكرية إن غيدان وقنبر عزلا قائد فرقة بعد أن رفض إرسال رجال للدفاع عن فندق الموصل. ومن الناحية النظرية كان تحت إمرة الضابط المعزول 6000 رجل وكان قائده المباشر هو الغراوي. ويصف الفريق أول زيباري هذا الأمر بخطأ آخر كبير. ويقول “في حالة الأزمة لا يمكنك إبدال القائد”.


ما هي نقطة التحول؟


بحلول التاسع من يونيو كان العقيد العبيدي من الكتيبة الرابعة و40 من رجاله من بين آخر رجال الشرطة المحلية الذين يقاتلون لصد الجهاديين في غرب الموصل. أما الباقون فكانوا إما انضموا إلى الجهاديين أو هربوا من الخدمة.

وقبيل الساعة الرابعة والنصف عصرا اتجهت شاحنة صهريج عسكرية لنقل المياه صوب فندق الموصل حيث كان العبيدي ورجاله يرابطون. وأطلقت الشرطة النار على الشاحنة التي انفجرت وتحولت إلى كتلة هائلة من النار والشظايا. وقال العبيدي الذي أصيب بجرح في ساقه من جراء الانفجار “لم أشعر بشيء. فقد هز الصوت الموصل كلها لكني لم أسمع شيئا”.

وتوعد العبيدي بمواصلة القتال وهو يلوح بمسدسه. ونقله رجال الشرطة إلى زورق لعبور النهر إلى منطقة آمنة. وشهد ضباط عسكريون ومسؤولون محليون بل ومسؤولون أميركيون أدلوا بشهادتهم في ما بعد أمام الكونغرس أن هجوم الفندق هو ما أدى لانكسار الجيش والشرطة في الموصل.

فرار عناصر الجيش يثير تساؤلات كثيرة

بعد ذلك ذاب الخط الدفاعي في غرب المدينة فلم يعد له وجود. وبعد حوالي ثلاث ساعات ومع انتشار التقارير عن قيام الشرطة الاتحادية بحرق معسكراتها والتخلص من الزي العسكري اجتمع محافظ نينوى ومستشاره مع قنبر وغيدان في قيادة العمليات قرب المطار.

وكان المستشار خالد العبيدي نفسه ضابطا متقاعدا وعضوا في البرلمان انتخب حديثا. (ولا تربط المستشار صلة قرابة بالعقيد العبيدي). وحث القادة العسكريين على الهجوم بالفرقة الثانية التي ظلت ساكنة نسبيا على الجانب الآخر من النهر في شرق الموصل.

وقال قنبر إن لديهم خطة. وحث مستشار النجيفي الغراوي على الهجوم. وقال الغراوي إنه لا يمكنه المجازفة بنقل الجنود ورجال الشرطة الاتحادية الذين تبقوا معه. وقال المستشار “يمكننا أن نأتي لهم بالقوة”. وقاطعه قنبر قائلا إن على المحافظ ومستشاره أن يؤديا ما عليهما من واجب وأضاف “ونحن سنؤدي واجبنا”.

وغادر المحافظ ومستشاره القاعدة الساعة 8:25 مساء غير واثقين من خطة العسكريين. وقبيل الساعة التاسعة والنصف مساء أبلغ قنبر وغيدان الغراوي بأنهما سينسحبان إلى الجانب الآخر من النهر. وقال الغراوي “قالا مع السلامة فحسب. لم يقدما لي أي معلومات أو أي سبب”.

ويقول الغراوي وضباط آخرون إنهما أخذا من قوات الغراوي 46 رجلا و14 شاحنة بيك اب وعربة همفي أي معظم ما لدى وحدته الأمنية. وتقول روايات عدة إن الضابطين صاحبي الرتبة الرفيعة نقلا قيادة المدينة إلى قاعدة على الجانب الشرقي من المدينة.

وقال الغراوي إن قافلة غيدان وقنبر المتقهقرة ولدت الانطباع بأن قوات الجيش العراقي تهجر الميدان. وأضاف “هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير. هذا هو أكبر خطأ”.

وقال المحافظ النجيفي لرويترز إن الجنود افترضوا أن قادتهم هربوا وخلال ساعتين كان أغلب رجال الفرقة الثانية قد هربوا من الخدمة .

وظل الغراوي و26 من رجاله مختبئين في قاعدة عملياتهم في الغرب التي اجتاحها المقاتلون المهاجمون. ويقول الغراوي إن غيدان اتصل به في تلك الليلة وأكد له أن الجيش يسيطر على شرق الموصل.

ويقول الفريق أول زيباري، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة في بغداد، إن غيدان وقنبر غادرا الموصل خلال الليل ووصلا إلى كردستان في العاشر من يونيو. ويتساءل زيباري “طبعا بمجرد أن يترك القائد الجنود ويرحل فلماذا تريد أن تحارب؟ القائد الكبير هو العقل المحرك للعملية. ما أن يهرب حتى يصاب الجسد كله بالشلل”.

ويقول زيباري إنه لا يعرف من أصدر الأمر بالرحيل. وقال لرويترز إن غيدان وقنبر يتصرفان دون علم وزارة الدفاع ويرفعان تقاريرهما مباشرة إلى المالكي. وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي اتصل زيباري بالغراوي وحثه على مغادرة مركز قيادة العمليات. ويتذكر الرجلان قول زيباري “ستقتل. أرجوك انسحب”.

ورفض الغراوي وأصر أنه يحتاج إلى موافقة المكتب العسكري التابع للمالكي لكي يرحل. وعقب ذلك قرر الغراوي أن يقاتل للوصول عبر جسر إلى شرق الموصل. واتصل بغيدان لإبلاغه بذلك. وقال له “سوف أقتل. أنا محاصر من جميع الجهات. انقل تحياتي إلى رئيس الوزراء وقل له إنني فعلت كل ما في وسعي”. وانحشر هو ورجاله في خمس عربات واتجه صوب النهر. وعلى الضفة الشرقية أشعلت النار في العربات الخمس. وظل هو ورجاله يتفادون طلقات الرصاص والحجارة. ولقي ثلاثة من الرجال مصرعهم بالرصاص. وقال الغراوي إن المسألة أصبحت أن يحاول كل واحد النفاد بجلده. وفي الشرق قال الغراوي إن ثلاثة من رجاله استولوا على عربة مدرعة كانت إطاراتها فارغة من الهواء واتجهوا بها شمالا بحثا عن الأمان.


ماذا كانت العواقب؟


بحلول أغسطس كان الغراوي قد عاد إلى مدينته في جنوب العراق ليعتني بأولاده غير واثق من خطوته التالية. وفي يوم من الأيام تلقى مكالمة من صديق بوزارة الدفاع تبين منها أنه رهن التحقيق لهروبه من الخدمة في الموصل. وفي الوقت نفسه رقى المالكي قنبر وسعى إلى حماية غيدان. وبعد استقالة رئيس الوزراء في 15 أغسطس أرغم الرجلان أيضا على التقاعد. وكان ذلك بمثابة محاولة من حيدر العبادي رئيس الوزراء الجديد للبدء من جديد والسعي إلى إعادة بناء القوات العراقية. وأغلق العبادي المكتب الذي اعتاد المالكي أن يوجه منه القادة وفي هدوء أحال الضباط الذين كانوا يعتبرون موالين لسلفه إلى التقاعد.

أما تطهير المؤسسات الأمنية من الطائفية وسبل التحايل لجمع المال والمناورات السياسية فسيستغرق سنوات.

والآن على الغراوي أن يتحمل المسؤولية عن سقوط الموصل. ويرى زيباري أن في ذلك ظلما؛ حيث يقول “الغراوي كان ضابطا يؤدي عمله لكن حظه تعثر مثل كثيرين غيره من الضباط. كلنا علينا أن نتحمل بعض المسؤولية”. قبل أسبوعين في بغداد قال الغراوي بذقن غير حليق وصوت أجش إنه يقبل مصيره أيا كان. وأضاف “ربما يصدر عفو عني وربما أسجن وربما أشنق”.

6