هكذا طعن الإخوان الثورة العراقية من الخلف

الجمعة 2014/07/18

الدكتور محمد عياش الكبيسي يحذر الخليج من «داعش» ويريد انفتاحا خليجيا ربما مع الحزب الإسلامي لبحث هذا الملف الأمني. نوري المالكي أيضا سحب جنوده من الحدود مع السعودية راغبا في تفاهم أمني مع الخليج بوساطة الحزب الإسلامي ضد هذا الخطر.

يبدو الخليج ليس في عجلة من أمره، ويرى أن هذه الضغوط نوع من الابتزاز السياسي، فخطر الإخوان، كخطر الصفويين، كخطر «داعش». وقد عبرت الخارجية السعودية بوضوح أكثر من مرة عن رغبتها في حلول جذرية في العراق تضمن الاستقرار مع هذا الجار العربي الذي تمتد حدودها معه لأكثر من 800 كلم.

الحزب الإسلامي كان يقول إن إيران هي التي جلبت «داعش»، بينما الحقيقة الواضحة هي أن إيران جلبت الحزب الإسلامي ممثلا للسنة العراقيين باجتثاث البعث، فأين تجد إيران حزبا يجلس في البرلمان الصفوي، بينما البراميل المتفجرة تسقط على الفلوجة في رمضان. أحصى طارق الهاشمي، وهو خبير عسكري، أكثر من سبعين طلعة جوية حربية إيرانية لقصف الموصل وباقي المحافظات الثائرة.

تم مؤخراً اختيار سليم الجبوري- رسميا- لرئاسة البرلمان العراقي، بعد استقالة أسامة النجيفي. كان يمكن أن يمر الأمر بهدوء لولا الأجواء التفخيمية والاحتفالية التي أطلقها الحزب الإسلامي، مما سبب الكثير من الألم في أيام يجري فيها قصف الكهرباء وخزانات الماء والوقود في الموصل.

في حديث لسيدة من الموصل أنهن يقمن بإعداد الفطور في رمضان على المدفأة، وبسبب ارتفاع الحرارة وانقطاع الكهرباء يلجأ الشباب إلى السباحة في نهر دجلة، حيث تلاحقهم الطائرات بالقصف، ويسقط منهم الجريح والقتيل.

واحدة من اثنين. إما أن تزحف الموصل لتحتل العملية السياسية ويتم استرداد بغداد، أو تزحف العملية السياسية بقيادة الصفويين والحزب الإسلامي نحو الموصل وتعود الأمور كما كانت. الانتهازية الموجعة أن الإخوان يمسكون العصا من المنتصف. يجلسون كل يوم مع الصفويين، يقبضون رواتب منهم، يلبّون دعوات إفطار، وربما يتسامرون بكتابات سيد قطب ومطهري. حكومة المالكي تمتلك خزينة بمئتي مليار دولار سنويا. الحزب الإسلامي عنده السجناء والإرهاب والمدن المنكوبة.

وكالة فرانس برس ذكرت أن القوات العراقية تعدم 250 معتقلا سنيا، بينما النجيفي يتحالف مع الصفويين لاستعادة 250 حصانا سرقتها “داعش” من ممتلكات وحقول العائلة.

كنا نتوقع أن يُعلن الملياردير النجيفي عن التبرع بنصف مليار دولار للعوائل العراقية المهجرة، كما فعلت السعودية مثلا، بدلا من التنازل عن رئاسة البرلمان لأحد مريديه، في مرحلة سياسية كل مَن يشارك فيها هو في الحقيقة يلبس على دماء أخوته ثيابا مطرزة بالقصب.

صدر البيان الختامي للمؤتمر الأول للثوار العراقيين في عمان الذي حضرته 300 شخصية معارضة، وبدت قوة البعثيين واضحة من خلال تأكيد المؤتمر على الثوابت الوطنية ووحدة العراق.

لا يستطيع الإخوان المسلمون فعل شيء في العراق اليوم دون موافقة البعثيين. أصوات القائمة العراقية التي حصلت على أغلبية في انتخابات عام 2010 كانت أصوات حزب البعث، كما أكد ذلك السياسي المخضرم الأستاذ حسن العلوي، ولو يرفع قانون “اجتثاث البعث” لن يستطيع الحزب الإسلامي تمثيل السنة.

في ظل التفتت الذي تعانيه المنطقة والتهديد الإيراني الذي وصل إلى درجة التغيير الديمغرافي والزحزحة البشرية والهجرات المليونية، نحن نعيش مرحلة ستجعل من القاعدة نفسها طرفا سياسيا مقبولا، بسبب استجداء السنة لتوازنات سياسية وعسكرية. في ظروف كهذه من العار الاستمرار في اجتثاث البعث العراقي، وحرمانه من المشاركة السياسية العلنية والشرعية في البلاد.

الحزب الإسلامي يمثل “اجتثاث البعث” وتحرير الموصل كان تحريرا لها منهم. إن الاتفاق مع الحزب الإسلامي اليوم هو اتفاق مع لاجئين، ألم يهربوا من الموصل بعد تحريرها؟

الحكومة العراقية هي تحالف بين الإسلام الإيراني والإسلام التركي، وكلاهما خطر على الخليج، وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن إسقاط النظام السوري والبعث السوري، أصبحت عودة البعث العراقي إلى العمل السياسي أمرا واقعا وحاجة لا بديل عنها.

الدكتور محمد عياش الكبيسي الذي يحذرنا من “داعش” فقط وينسى المخططات الأممية لإيران والإخوان، يصلح أن يكون كاتب روايات رومانسية للشباب. فهو يذكرني بالشيوعيين العراقيين العائدين من موسكو سبعينات القرن الماضي. ذلك الحديث عن الشعب الروسي المختلف والطيب والعبقري. ويذكرني أيضا ببعض العلمانيين في كندا، وحديثهم الصوفي عن الشعب الكندي. الكبيسي يجلب لنا حكايات رومانسية عن تركيا والشعب التركي، وهي ذات الحكايات التي رواها حزب الدعوة عن إيران، فالشعب الإيراني مؤمن، والشعب الإيراني مكافح، والشعب الإيراني خلاق. المقصود طبعا لا الشعب الروسي ولا الكندي ولا الإيراني ولا التركي، بل دعايات سياسية مشبوهة للشيوعية والليبرالية والخمينية والإخوان المسلمين. إنشاء ربما يصدقه شاب خليجي طيب القلب، وحكايات تنتهي بمزاج شعوبي ينتقص من العرب. الحياة ليست حكاية رومانسية يرويها داعية سياسي للتبشير بمشروع أيديولوجي مشبوه.

الحقيقة هي أن رئيس البرلمان العراقي الجديد سليم الجبوري أول شيء قام به هو اللقاء بالسفير الإيراني الذي تقصف بلاده المحافظات السنية بالطيران الإيراني، هكذا طعن الإخوان الثورة من الخلف. الحزب الإسلامي لا يعلم أن التاريخ يكتب، ولسوف يعيروننا بهم غدا، وسيكون على كاتب مثلي أن يجد إجابات مناسبة.


شاعر عراقي مقيم في كندا

8