هكذا فاز "الصفر فاصل"..

الثلاثاء 2014/10/28

يوم مشهود عايشه التونسيّون هذا الأحد، أثبتوا خلاله قدرتهم على تطوير سلوكهم الانتخابي، ورفضوا توصيفهم بـ"قطيع" لا رأي له ولا حراك.. فمن كانت تصفهم “حركة النهضة” وحلفاؤها بجماعة “الصفر فاصل”، نسبةً إلى نتائجهم الهزيلة في انتخابات أكتوبر 2011، أسقطوا هذه المرّة حسابات الحزب الإسلامي الحاكم سابقا في ماءٍ غير زلال..

حملات “التقزيم” والتشويه الممنهجة التي مارسها الإسلاميّون ضدّ خصومهم، فضلا عن استمرارهم في توظيف الدين حطبا لمعركتهم الانتخابيّة، لم تسعفهم في إعادة إنتاج انتخابات المجلس الوطني التأسيسي قبل ثلاث سنوات.

ورغم الماكينة التنظيميّة لحزب النهضة وما تطرحه فروض الطاعة من انضباط على أنصارها، فإنّ التونسيين أبوا إلاّ أن يصوّتوا للتغيير والتداول وتعديل الكفّة المختلّة وإعادة التوازن المفقود للمشهد السياسي في البلاد.

المرتبة الأولى فاز بها هذه المرّة حزب ليبرالي موسومة مكوّناته بـ”الصفر فاصل” بعد أن لملمت في وقت قياسي شملها المشّتت في نطاق تحالف يجمع “الدساترة” القدامى ويسار الوسط، غير أنّ فوز "حركة نداء تونس" لا يعود إلى القوّة الذاتية لهذا الحزب الناشئ فحسب، وإنّما للأخطاء المتراكمة التي ارتكبها "إخوان تونس" طيلة سنتي حكمهم على غير صعيد، ولاسيّما أمام تهافتهم بمنطق “الغنيمة” على إحكام هيمنتهم على شتّى مؤسّسات الدولة، دون أن يولوا اهتمامهم بتحقيق أيٍّ من انتظارات التونسيين.

عاملان أساسيّان أدّيا إذن إلى فوز الخاسرين بالأمس، وحالا دون اكتساح الحزب الإسلامي للناخبين من خارج قواعده والدوائر الممتدّة لأنصاره المنضبطين، أوّلهما تشبّث فئات واسعة من التونسيين بالنمط المجتمعي المعتدل الذي توارثوه ونشؤوا فيه وتعوّدوا عليه منذ عقود. فقد خلّفت محاولات أسلمة مجتمع مسلم بطبعه أثرا عكسيّا، وخاصّة بالنظر إلى المخاطر الإرهابيّة غير المسبوقة التي أضحت تُحدق بالبلاد من كلّ صوب.

في هذا المضمار، ليس من العسير أن يستشعر التونسيّون مدى التساهل والمهادنة اللذين تعاطت بهما حركة النهضة -قياداتٍ وحكومةً- مع تنظيم “أنصار الشريعة” وغيره من الجماعات المتطرّفة، إلى درجة أصبحت تونس عنوانا لتصدير المقاتلين المتشدّدين إلى المشرق.

تغذية ظروف انتعاش الإرهاب بدت إذن خطّا أحمر لدى غالبيّة التونسيين من غير أنصار الحزب الإسلامي الذي كانت قياداته تستقبل في مطار قرطاج الدولي دعاة “الجهاد” والتشدّد. ولا ريب أنّ موجة الاغتيالات قد جمّدت الدماء في شرايين الناخبين وجعلت جزءا معتبرا منهم يُصوّت لصالح الأمن والاستقرار.

ثاني دواعي هذا التصويت العقابي ضدّ “حركة النهضة” أجّجته ظروف اجتماعيّة صعبة اجتاحت معظم فئات المجتمع التونسي، نظرا إلى الأزمة الخانقة التي تأبّطت باقتصاد البلاد في فترة حكم الإسلاميين، وتُرجمت بالارتفاع الجنوني للأسعار وتزايد مهول في نسبة التضخّم وتراجع متصاعد في قيمة الدينار وتكوّم الأزمة العارمة للبطالة وما إلى ذلك.. كلّ هذا شكّل أسبابا متضافرة لم تكن لتسمح بإعطاء الثقة مجدّدا لمن أهدرها وكابر طويلا في استيعاب الدرس.

اليوم يكتشف إسلاميّو تونس أنّ رصيدهم قد خفّ وزنه وأضحت حركتهم جزءا متعاظما من المشكل، بعد أن خابت في إعادة تصوير نفسها في مقام الضحيّة، وفي إقناع التونسيين بأنّ ظروف ما بعد الثورة لا تسمح لها بإصلاح السائد المترهّل.

لكن من الواضح أنّها لم تع بعد أنّ عليها، قبل كلّ شيء، الانتماء إلى هذا المجتمع والوطن حتّى تلحق مستقبلا بجماعة “الصفر فاصل”.


باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال

2