هكذا قررت أن أشتغل فيلسوفا

السبت 2013/08/24

مع بداية السبعينيات وكنت طالبا في البكالوريا، أخذت أدبج بعض المقالات عن آخر الإصدارات، وأنشر بعض القصائد، في مجلة "الثقافة" لصاحبها مدحة عكاش الذي أردفها في ما بعد بصحيفة أسبوعية باسم "الثقافة الأسبوعية" عام 1977، وكان من العاملين فيها الشاعر سليمان عواد، والشاعر اسماعيل عامود وهما رائدان من رواد قصيدة النثر، والشاعر الرقيق عبد القادر الحصني، والشاعر علي عيد حسن وغيرهم كثر. وكانت الصحيفة تعنى بأدب الشباب وإبداعهم.

وكان مقر الصحيفة في شارع البرازيل في قلب دمشق وهو منتدى صغير للمبدعين المستقلين عن السلطة.

ويقال إنه ما من أديب سوري منذ تأسيس مجلة "الثقافة" عام 1958 إلا وكتب فيها حتى لو كان له منبره الخاص.

مع بداية السبعينيات كنت أظن أن المرء يجب أن يدفع للمجلة حتى تنشر له، وعندما نشرت لي إحدى القصص، وذهبت لأحصل على نسختي منها، سألت صاحب المجلة: كم تريد عليها، فسألني على ماذا؟ قلت: على نشر القصة، فضحك وقهقه، ما جعلني أخجل، ثم قال: المجلات هي التي تدفع للكاتب وليس العكس، ولكن نحن لا ندفع لضعف الإمكانات، إلا أننا سنكافئك على أول عمل تنشره، وكان في الظرف خمسا وعشرين ليرة سورية، هي أقل وأغلى مبلغ تقاضيته عن الكتابة.

ومن يومها قررت أن أكون صحافيا، فوجهني الكاتب عادل أبوشنب إلى أن أقوم بإجراء المقابلات مــع الأدبــاء والفنانيــن وأشار عليَّ، بداية، أن أجري مقابلــة مــع الصحفي الكبير سعيد جزائري. سألته عن عنـوانــــه فأرشدني إلى مكــان يوجد فيه دائمــاً.

قصدت النادي العربي بصحبة عالم الفولكلور محمد خالد رمضان، وكان وقتها يقرض الشعر أيضا، وبعد الأمسية التي عقدت في النادي التقيت بالصحفي الكبير وكان يومها رئيس تحرير أهم مجلتين أدبيتين في خمسينيات القرن العشرين هما مجلة "الناقد" و"النقاد"، أخبرته عن رغبتي في إجراء مقابلة معه، فقال لي: لماذا اخترتني لإجراء مقابلة، فقلت: وجّهني الأستاذ عادل إلى ذلك، كبداية لي، فضحك حتى كاد ينقلب على ظهره، وكان رجلا كهلا طويلا ونحيل جدا، وكنت أحمل معي، حينها، مقالا مخطوطا، فقلت له بما أنك رأست مجلتين تعنيان بالأدب والنقد، هلا أعطيتني رأيك في هذا المقال؟ فأخذه من يدي وقرأه ومن ثم أعاده إلي وقال: ممكن تكون ناقد.

فرحت بهذا التشجيع من صحفي كبير، وتكلمنا كثيرا عن الأدب والنقد و... لم أجر المقابلة.

وعندما قابلت عادل أبوشنب، سألني عن المقابلة فأخبرته بما كان، فضحك الثالث أيضا، إلا أنه وجّهني إلى إجراء مقابلة مع الفنانة إغراء، وأرشدني إلى عنوانها، وكانت تسكن آنئذ في قبو في ساحة القصور. ذهبت، طرقت الباب، فتحت، بيضاء مثل الثلج... سألتني: ماذا تريد؟ قلتلها ما قلت لسعيد.. فرفضت و... وعندها لعنت الصحافة والفنانين، وقررت أن اشتغل فيلسوفا.

ناقد وأكاديمي من سوريا يقيم في المملكة العربية السعودية

16