هكذا كنا وهكذا أصبحنا

التطور سيصل إلى مجال الطب، حيث سيكون لدينا أطباء آليون يساعدون الأطباء البشريين، والأمر نفسه ينطبق على المحامين.
الجمعة 2020/05/08
آلات تشاركنا الحياة

عام 1992 سيبقى محفورا في الذاكرة، ليس لأنه العام الذي التقى فيه الرئيس الأميركي جورج بوش بالرئيس الروسي بوريس يلتسن في كامب ديفيد ليعلنا عن نهاية الحرب الباردة، ولا علاقة له أيضا بتسلم رفيق الحريري منصب رئيس وزراء لبنان لأول مرة.

باختصار، أهمية عام 1992 لا تتعلق بحدث سياسي، بل بحدث بدا حينها غاية في التواضع، وهو استخدامنا في صحيفة “العرب” أجهزةَ ماكنتوش في تصميم صفحات “العرب”. وكان مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس قد سخر من أجهزة ماك (اختصار ماكنتوش) ورأى فيها لعب عيال.

لم يكن بيل غيتس الوحيد الذي استخف بنظام النوافذ واستخدام الفأرة في إنجاز الأوامر، في ذلك الوقت حاول مندوب مبيعات أجهزة IBM ثنينا عن ارتكاب تلك الحماقة، التي تنبأ لها بالفشل.

رغم ذلك شرعنا في ارتكاب حماقتنا، واستخدمنا جهاز ماكنتوش كلاسيك، الذي صنعته شركة أبل عام 1990، جهاز صغير متواضع بحجم 9 بوصات، أحادي اللون وبوضوح 512 – 342 بكسل. والذاكرة 4 ميغابايت، نغم، لم أخطئ في الكتابة، ميغابايت وليس جيجابايت.

ولكم أن تتخيلوا حجم الصعوبات التي واجهتنا، سيل منها دفع بعضنا إلى استخدام الرقى والحجب لحمايته من الأرواح الشريرة التي تتسبب بين اللحظة والأخرى بتوقف فجائي نفقد معه العمل الذي أنجزنا، لنبدأ من جديد.

حماية الجهاز لم تقتصر على الرقى والتعويذات، بل لجأنا أيضا إلى استخدام الأقفال والسلاسل حتى لا يتمكن اللصوص من فتح الجهاز وسرقة شرائح الذاكرة من داخله، وكانت قد انتشرت في لندن حيث نعمل موضة سرقة شرائح الذاكرة التي فاق سعرها في ذلك الوقت سعر الذهب.

بين عامَيْ 1992 و2020، 28 سنة مرت وكأنها 28 عقدا، لم تنقطع خلالها المفاجآت، كل عام يحمل مفاجأة جديدة، والمهام التي استبسلنا لإنجازها في بداية المشوار لم تعد تصنف بين المشاكل.

من يصدق أن شركات تخصصت في تفصيل أحزمة معدنية بأقفال تنامت حينها في لندن، لأن الطلب عليها تزايد، وهو يقرأ ما قاله العالم الأميركي المختص في مجال الفيزياء النظرية، ونظرية الحقل الوتري، ميتسيو كاكو، خلال لقاء تلفزيوني على إحدى المحطات الأميركية، أن العالم مقبل على ثورة تكنولوجية كبيرة، حيث سيصبح للآلة الدور الأهم في حياة البشر وأن ما ظنناه ثروة تستحق الحماية سيصبح سلعة رخيصة جدا. حسب كاكو فإن شريحة الكمبيوتر ستصبح أرخص من ورق تغليف الهدايا، وستكون متوفرة في كل مكان، بل هناك من سيرمي بها في النفايات.

ومن المفاجآت التي تنبأ بها كاكو وقال إنها ستحدث مستقبلا أن التطور في الذكاء الاصطناعي وفي التكنولوجيا سيمكن في المستقبل من استخدام عدسات لاصقة تمكن الطلبة الذين يضعونها من تخزين كل المعلومات التي تقدم لهم في الكليات والمدارس، وبالتالي لن يعودوا في حاجة إلى الحفظ.

التطور سيصل إلى مجال الطب، حيث سيكون لدينا أطباء آليون يساعدون الأطباء البشريين، والأمر نفسه ينطبق على المحامين، حيث سيكون لنا محامون آليون يحفظون قوانين جميع الدول وبِلغتهم.

ويرى العالم الأميركي أن قطاع السيارات، سيكون أكثر المستفيدين من تطور الذكاء الاصطناعي، وستصبح السيارة عبارة عن آلة ذكية.

أعترف بعد مرور 28 عاما، بأني ما زلت أجول في تخوم مملكة التكنولوجيا التي تصدمني كل يوم بالجديد، ولكني سعيد لأني أستطيع أن أقول اليوم، هكذا كنا وهكذا أصبحنا.

12