هكذا هم الموهوبون

"الجميل في الشذرات أنها حرة من كل حساب، إنها في عجلة من أمرها والرأس الذي ولدت فيه لم يملك الوقت الكافي للسؤال عن الفائدة منها".
السبت 2018/10/13
سرفانتس كتب أعظم النصوص الإبداعية في تاريخ الأدب الإسباني والعالمي

منذ أيام كنت أقرأ كتاب” شذرات” وهو من تأليف إلياس كونتي الحائز على جائزة نوبل في العام 1981، وهذا الكاتب من أصول بلغارية، غير أنه هاجر طفلاً مع عائلته وتنقل في عدد من البلدان الأوروبية، بريطانيا والنمسا وسويسرا، وتوفي في مدينة زيورخ ودفن فيها في العام 1994.

وكان يكتب باللغة الألمانية، لذا فقد ترجم المغربي رشيد بوطيب هذا الكتاب من الألمانية إلى العربية.

و”شذرات” مجموعة انطباعات فكرية وآراء ووجهات نظر، أستطيع أن أقول، أنْ لا جامع بينها سوى الفضاء المعرفي الذي تتحرك فيه، وكأنها نوع من أنواع ما يطلق عليه في الأدب العربي، كتب الأمالي.

لذا فإن الكاتب يقول:” الجميل في الشذرات أنها حرة من كل حساب، إنها في عجلة من أمرها والرأس الذي ولدت فيه لم يملك الوقت الكافي للسؤال عن الفائدة منها”.

لكن رأس المتلقي، قد يملك من الوقت ما يؤهله لاكتشاف فوائدها وما تفتح له من نوافذ معرفية وما تجيب عنه من أسئلة ثقافية، حتى في حالة أن الكاتب لم يخطر بباله ما يخطر ببال المتلقي، وعلى سبيل المثال، يقول الكاتب في إحدى شذراته “محن سرفانتس في إسبانيا التي افترسها الشرف، مؤلفات في عمر متقدم، بعد أكثر من خمسين عاماً، ومجد أكثر تأخراً، جندي وعبد في شبابه، عاش خمس سنوات في ظل الشروط الأكثر قذارة، متحملاً ذلك، جابي ضرائب في سن الأربعين لم يحصد سوى الخيبات، أسرته أشبه بالقمل، نغصت عليه حياته، لكن بفضل الكتابة لم ينهزم، منفلتاً من كل محاولة للتضييق عليه، حياته كانت غنية إلى درجة أن ما كتبه لن يختنق أبداً”.

إن هذه السطور أعادتني شخصياً، ومن خلال العبقري الإيبيري ميغيل سرفانتس إلى قضية ظلت حاضرة باستمرار في تاريخ الإبداع، بل مازالت حاضرة حتى يومنا هذا، حيث يذهب كثيرون إلى أن انصرافهم عن الكتابة أو أنهم لم يحققوا مستوى رفيعا في ما كتبوا، بسبب الظروف الحياتية التي حرمتهم من الاستقرار أو الاطمئنان أو الرفاه النسبي، فإذا استعدنا سيرة سرفانتس، وجدنا أن كل ما فيها، كان ينبغي أن يبعده عن الإبداع ويقوده إلى الانكفاء. إذ نشأ في محيط اجتماعي عام مرتبك وفي محيط عائلي أكثر ارتباكاً، واضطر في شبابه إلى أن يتطوع جندياً في القوات البحرية ليدرأ عن حياته ما يعاني من فقر وحاجة، وفي إحدى المعارك يصاب، واستمر يعاني طيلة حياته من تلك الإصابة.

وفي طريق عودته إلى بلاده يتم أسره من قبل قوة بحرية وينقل إلى الجزائر أسيراً، ويهدى هناك إلى أحد القادة العثمانيين، ويستمر خمس سنوات يعاني من العبودية، إلى أن أطلق سراحه بجمع تبرعات من قبل مجموعة من القساوسة لتوفير المبلغ المطلوب لآسريه.

وفي إسبانيا عاش فقيراً وفي وضع أسري لا يحسد عليه، فاضطر إلى كتابة قصص لسيدات ميسورات ومسرحيات قصيرة ساخرة، تعرض بين فصول العروض المسرحية مقابل قليل من المال، وعمل جابياً للضرائب ولم يوفق حتى في هذا العمل ذي المردود الشحيح، بل لقد سجن بتهمة التلاعب بالمال الضريبي.

في مثل هذه الظروف القاسية، كتب سرفانتس أعظم النصوص الإبداعية في تاريخ الأدب الإسباني والعالمي، ويكفي أن نتذكر رواية دون كيخوته، التي تعد بما يشبه الإجماع، البداية الحقيقية للرواية الجديدة والتي ظلت حاضرة على توالي القرون في التلقي والنقد والترجمة، وهكذا هم الموهوبون الكبار لا يؤثر فيهم سلباً عسر حياتهم وظلم مجتمعاتهم.

14