هلال الغلمان وهلال أردوغان

أحلام أردوغان لا تزال قائمة وها هي تتحول إلى كوابيس لطهران فبينما تغرق في ما تسميه {الهلال الشيعي} من جهة الغرب بما نشرته فيه من غلمان يبني أردوغان هلاله السني من حولها.
الاثنين 2021/01/18
مشروع التمدّد شرقا يدغدغ أحلام أردوغان

يكفي أن تنجح أنقرة في ضمّ تركمانستان وأفغانستان إلى التحالف التركي الباكستاني الأذري القائم الآن تحت لواء “إعلان إسلام آباد”، حتى يكون الطوق الجغرافي من حول إيران قد اكتمل.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد أن يوظف نجاحه في التمدد إلى أذربيجان، لكي ينشئ منطقة نفوذ أوسع. وإذ يعرف أن حدوده تضيق عليه من جهة الغرب، فإن تلك الحدود من جهة الشرق رخوة للغاية، ويمكنها أن تفتح آفاقا تجارية واستراتيجية واسعة لشركاته المثقلة بالمتاعب مع أوروبا.

تاريخيا، وضعت إيران عينها على غربها. العراق خاصة. وكانت تلك علّة العلل لها وللعراق. فبالرغم من أنها لم تجد سبيلا إلا لكي تعود إلى أطماعها هناك، فإنها لطالما منيت بالهزيمة تلو الأخرى، على مرّ التاريخ. تتقدم فتندحر، فتعود لتتقدم فتندحر من جديد، وذلك منذ أيام الإمبراطورية السومرية قبل نحو خمسة آلاف عام، ومرورا بالمعارك مع دولة الخلافة الإسلامية، إلى يوم الناس هذا.

وبالرغم من أن النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان يبدو لعينها العوراء، نفوذا راسخا، بما توفّر له من ميليشيات وجماعات، كان الشاه إسماعيل الصفوي يسميهم “الغلمان”، فإنه نفوذ إشكالي ومنبوذ ويزداد رفضا باستمرار. من ناحية، لأن غلمان الولي الفقيه هم في الواقع لصوص ورعاع، ومن ناحية أخرى، لأن التخريب والتجويع والإفقار كانت على الدوام هي أسلحتها المفضلة، حتى قيل إن أهالي بغداد لمّا حاصرتهم جيوش الشاه إسماعيل وغلمانه، أكلوا الكلاب وعاشوا على المزابل. وعندما دخلها الفرس أعملوا فيهم الذبح والسبي، مثلما يعمل غلمان الولي الفقيه الآن.

وواضح من التظاهرات التي ظلت تعمّ مدن العراق، من بغداد وجنوبا حتى البصرة، ما هو الموقف الراهن لذلك النفوذ. فالكتلة السكانية “الشيعية” التي كان يفترض أن تكون هي الركيزة التي يقف عليها دور إيران، انتهت إلى حرق مقرات عملائها والتنديد بهم وبهيمنة وليّهم الفقيه.

وحيثما تغرق إيران بما صنعت، فإن أردوغان يدخل الآن من الباب الخلفي، ليطوقها من جهة الشرق، ويستعد لكي يربط خطط التحالف مع باكستان وأذربيجان لتشمل الدولتين الناقصتين، تركمانستان التي تملك تركيا فيها نفوذا مسبقا، قائما على أسس عرقية، وأفغانستان التي إذا ما انسحبت منها الولايات المتحدة والحلف الأطلسي بموجب اتفاقات السلام مع حركة “طالبان”، فإن وراثتها، تحت رداء إسلامي جديد، ستكون أمرا يسيرا إلى حدّ بعيد من جانب أردوغان.

تركيا العضو في الحلف الأطلسي تستطيع أن تكفل هناك بعض ما ترك الحلف. والتوجهات الإسلامية ستوفر إطارا “شرعيا” يجيز لحركة “طالبان” أن تقيم علاقات تعاون مع الحلف الجديد، على الأقل لأنها عندما تعود إلى قيادة أفغانستان، فإنها ستكون بحاجة إلى مجال ما للتبادلات التجارية.

إيران، بوضوح، أضاعت الفرصة، لأن عينها العوراء لا تنظر إلا غربا. وهي غارقة ليس في العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها فحسب، ولكنها غارقة أيضا في مشاريع تسلّح ونزاعات خارجية لا سبيل للخلاص منها.

وهناك سبب لذلك، لا علاقة له بالتمدد الطائفي، أو استراتيجية المظلوميات الزائفة، أو مناصرة “المستضعفين في الأرض”. السبب هو أن إيران – الدولة خسرت المعركة لصالح إيران – الميليشيات. ومنذ قيام الجمهورية الخمينية، فإن “الدولة” كمؤسسات مصالح وعلاقات تجارية ومشاريع تنمية وبناء، قد أخلت مكانها لاستراتيجيات التوسع الخارجي القائم على “الغلمان”.

الحرس الثوري الإيراني، بقيادة الثنائي علي خامنئي وقاسم سليماني على وجه الحصر، هو الذي دفع إيران لكي توظف الرعاع من أجل أن تملي نفوذا في العراق وسوريا ولبنان، وتاليا في اليمن، قائما على النهب والتخريب والفساد.

لقد كانت تلك تجارة مربحة إلى حدّ ما. ولكنها عندما انتهت بدفع العراق إلى الإفلاس، فقد كان من الطبيعي أن ترتدّ إلى إيران بالعجز عن تمويل ميزانية حكومتها بالذات.

هذا وضع يحاول أن يتحاشاه أردوغان. اقتصاد تركيا الأردوغاني إذا كان قائما على التوسع من خلال الاقتراض، فإنه يقف على قدم أخرى هي الشركات التي تعتمد في تجارتها على أسواق الخارج. اُنظر إلى ما تصدره هذه الشركات من بضائع، ولسوف ترى لماذا يبحث أردوغان عن مجالات حيوية إضافية.

هذه المجالات كانت بحاجة إلى طرف واحد على الأقل غير مأزوم ماليا، لكي يستطيع تمويل التوسع ويفتح أبوابا جديدة للتبادلات التجارية والمصالح. وهذا الطرف هو أذربيجان. ولقد كان استثمار أردوغان العسكري فيها ناجحا، عندما خاض المعركة معها ضد أرمينيا من أجل ناغورني قرة باغ.

أوروبا لا تزال تقف لأردوغان بالمرصاد غربا (في المتوسط)، فاتجه شرقا. لم تدرك إيران تلك الإمكانية. وهي لا تملك العين التي ترى بها تلك الإمكانية أصلا. أردوغان، كما يجب الاعتراف، ليس أعورَ كما هو حال استراتيجيات الوليّ الفقيه وحرسه الثوري. شيءٌ من باقي الدولة في تركيا يفرض عليه ذلك، بينما تفرض “الغلمانية” السياسية الشيء المضاد على إيران.

في لحظة ما، بلغت الحماسة بأردوغان، أن ألقى أبياتا من قصيدة “أراس، أراس” للشاعر الأذري محمد إبيراهيموف، تقول “لقد فرّقوا نهر أراس، وملأوه بالرمل، لم أكن أريد فراقك، ففرقونا قسرا”.

في هذه اللحظة، كان مشروع التمدّد شرقا يدغدغ أحلام أردوغان وحليفة الرئيس الأذري إلهام علييف، ليستدعيا معا المظالم التاريخية الأخرى التي لحقت بأذربيجان عندما تمّ تقسيمها بين روسيا وإيران في العام 1828، بحيث أصبحت المنطقة الواقعة جنوب نهر أراس خاضعة لإيران، ويقطنها الآن مواطنون أذريون، أجبروا بالقهر والمجازر على أن يُصبحوا شيعة صفويين. ولكن الغالبية العظمى منهم ظلت تتغنى بالانتماء إلى الوطن الأمّ ويتحدثون لغته.

أردوغان، تراجع قليلا أمام انتقادات إيران وتحذيراتها. ولكن الأحلام لا تزال قائمة. وها هي الآن تتحول إلى كوابيس حقيقية لطهران. فبينما تغرق في ما تسميه “الهلال الشيعي” من جهة الغرب، وذلك بما نشرته فيه من غلمان، يبني أردوغان هلاله السني من حول إيران فيطوّقها من الجهة التي لا تراها.

9