هلو عيني بغداد

السبت 2014/11/15

وهذا نبشٌ جديدٌ في باب فجريّةٍ موحشةٍ مثل أوّل فراق، كانت وقعتْ قبل عشرين سنة، وأرشفتْ نزولنا بعمّان الجميلة أول مرة.

نثيث مطرٍ ناعمٍ مثل زغب البنات الدلاليع، جعل برد المدينة يضرب الجسد الذي كان مثل جلدٍ يلملمُ كومة عظام. طقوس النزول الأول كانت تبدأ ببيعك كروص سكائر سومر أسود سنّ طويل، مع تأجيل إكراهي للتخلّي عن قمصلة الجلد العزيزة، وفق تدوينات عتاة صعاليك مقهى “حسن عجمي” الذين زفّوكَ قبل ليلةٍ سكرانة، صوب كراج علاوي الحلة الماجد.

نومة العوافي الأولى كانت ساعات معدودات بفندق الملك غازي المعتّق وسط عمّون، وقد كلّفتْني ثقباً صغيراً بجيبي الذي كان ساعتها، يغنّي كما أسطوانة حنين من داخل حسن.

مفتتح الظهيرة الأولى حسب خريطة المسافر أول مرة، كانت مقهى العاصمة التي تنزرع مسافة أربع سعلات وخمس سيجارة عن فندق غازي. نادل المقهى وعلامتها الفارقة، رجلٌ ستينيٌّ اسمه أبو محمود الذي لم أرهُ مبتسماً أبداً بعد ذلك بكمشة سنين من استيطاني المقهى. هو في هذه أعادني بقوة إلى نادل مقهى حسن عجمي أبو داوود، بشاربيهِ العثمانيين وقسوتهِ التي كانت تشبهُ قسوةَ رئيس عرفاء وحدة حرب، يعود إلى بيتهِ فيجد زوجتهُ الحلوة وقد تكدّر وجهها بطعنة الدورة الشهرية المباغتة.

نصحني أبو محمود بشراب اليانسون ففعلتُ وبهذه الواقعة، انهدمَ حاجز الرعب بيننا، فسألته عن صحبي الهاجّين قبلي فأخبرني بأنهم غالباً ما يأتون على ميقات أوشال الظهيرة. دلق الرجل القويّ عليَّ هذا التوصيف مع أثرٍ خفيفٍ لمقترح ابتسامة مؤجلة، تشبه مواساة بخيمة عزاء شحيحة.

أظنّهُ أراد أن يفضفض بأنّ صحبي التنابلة، يسكرون ليلهم ويسبتون نهارهم، ولهم في جان دمّو وعلي منشد وصاحب أحمد ومحمد النصار وصالح البدري وعبدالعظيم فنجان وناصر مؤنس وحيدر شميس ومحمد طمليه ومهيب البرغوثي وصلاح حسن وعماد العمارتلي ورسول عدنان وحسن الصحن أسوةٌ طيبة.

على ميعاد أبي محمود النابت، بدأت قنادر الربع الأخيار، تعزف نغمَ الفرح على درج المقهى الصاعد، ظهريتها الدائخة، وقعتْ أعظم مجزرةٍ للتبويس المملِّ الذي فاقتْ حماستهُ، طقطقة ضلوع الموتى فوق دكّة التغسيل. حدثَ الأمرُ، قبلَ عشرين سنة وأربعة أيام وليلة، وبيعة مبروكة لساعة المعصم، قدّام فناء المسجد الحسينيّ الرحيم.

24