هل آن أوان الخطة "ب" السورية

السبت 2016/04/16

لا يمل الرئيس الأميركي باراك أوباما، ووزير خارجيته جون كيري، من تكرار القول إن القضاء على تنظيم داعش مرهونٌ بتسوية الأزمة السورية، وأنَّ العملية السياسية في سوريا يجب أن تشمل فترة انتقالية لا يشارك فيها بشار الأسد، لأنَّه قد فقد شرعيته.

أوباما وكيري يتحدثان وكأنهما خبيران في القضايا والنزاعات الإقليمية والدولية، لا كمسؤوليْن في دولة كبرى، عليها التزامات قانونية ودولية تجاه المحافظة على الأمن والسلم الدوليين. ولو أنَّهما تعاملا مع ملف الأزمة السورية، وفق ما يجب وينبغي، ما ظلتْ المأساة السورية تَتْرَى فصولها، وتدخل عامها السادس، بالملايين من المُهجرين والنازحين والجرحى والمُعوّقين ومئات الألوف من القتلى بالبراميل المتفجرة، والقنابل والصواريخ الفراغية الروسية. وحتى حين استخدم نظام بشار الأسد السلاح الكيماوي ضد السوريين في الغوطة بريف دمشق عام 2013، في تحد سافر لخطوط أوباما الحمراء، لم يفعل الأخير شيئا بل وافتخر بذلك.

على كل حالٍ، تَبَقَّى لإدارة أوباما، نحو عشرة أشهرٍ في البيت الأبيض، وهي ماضيةٌ في مقارباتها الراهنة في المنطقة، وليس هناك ما يدعو للتفاؤل بمواقف أميركية أكثر فعالية وانخراطا في معالجة أزمات المنطقة، والأزمة السورية خاصة. لذا فإن القمة الأميركية الخليجية المقررة في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، لن تخرُج في الغالب إلا بوعودٍ وتعهداتٍ أميركية خجولة لحماية دول الخليج، ومحاربة داعش أولا وأخيرا. ومن ثمَّ ستظل الهواجس الخليجية قائمة ومؤرقة لأصحاب القرار، ولن تُحرك الإدارة الأميركية ساكنا لجهة إزالتها أو التقليل من امتداداتها ومخاطرها على الأمن القومي العربي والخليجي، وفي مقدمة هذه الهواجس الهيمنة الإيرانية وتدخلاتها المتعاظمة في المنطقة، والميليشيات الطائفية، أذرع الحرس الثوري الإيراني، والتي يتجاوز أعدادها وتشكيلاتها العشرات إن لم تكن المئات.

بالمختصر المفيد إدارة أوباما جعلتْ الملف السوري، بعهدة الروس وإيران، وتماهتْ مع مقارباتهما السياسية، وكما قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية إن واشنطن بتذللها لروسيا وميلها نحو الموقف الروسي في ما يتعلق بمصير الأسد وقبولها بأنه قد يضطلع بدورٍ في المرحلة الانتقالية، أدت إلى تقويض إمكانية التوصل إلى تسوية عبر التفاوض في جنيف، وقلَّصت كذلك من نفوذ أميركا في الشرق الأوسط.

هذه الحقائق والوقائع، ولعبة الأمم الجارية في منطقتنا العربية، تستلزم بالضرورة، عدم الرهان على الحليف الأميركي، والعمل في المقابل على بناء اصطفاف إقليمي ذاتي مواز للاصطفاف الروسي الإيراني الميليشياوي.

مفاعيل هذا الاصطفاف كامنةٌ في العلاقة السعودية التركية، فهناك مشتركاتٌ سياسية واقتصادية وعسكرية تجمعهما، اكتسبت زخما عاليا، منذ تولي الملك سلمان مقاليد الحكم في يناير 2015، وتعززت بتأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي، ومجلس التنسيق السعودي التركي، وباللقاءات بين قيادتي الدولتين، ومن اللافت أنَّه خلال الأشهر الستة الأخيرة التقى الملك سلمان بالرئيس رجب طيب أردوغان ثلاث مرات، بما يحاكي قوة هذه العلاقة ونموها الإيجابي المُطّرد.

من جانب آخر، تجمع بين الدولتين هواجس سياسية وأمنية، ماثلة في الإرهاب ومشاريع الفوضى في المنطقة التي تقودها إيران، بنفسٍ طائفي حاد، وبضرورة رحيل بشار الأسد وأنًّه لا مكان له في سوريا الجديدة، وهواجس أخرى من الحليف الأميركي المُراوغ، الذي لا يُؤمن جانبه، والذي دفع بالملك سلمان لأخذ مبادرة إطلاق عاصفة الحزم في اليمن، لمواجهة التمدد الإيراني، الذي وصل إلى الخاصرة الجنوبية للسعودية، دون إذن ومباركة الحليف الأميركي، وكان ذلك إيذاناً بتدشين “مبدأ سلمان” لأخذ زمام المبادرة لحماية المصالح القومية، من كل تحديات ومخاطر مشاريع الفوضى والتقسيم في المنطقة في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.

من أبرز استحقاقات هذا الاصطفاف، الاستعداد لمواجهة احتمالات انهيارِ الهدنة ومفاوضات السلام السورية، وهو الأمر الغالب في ظل أخبارٍ تواترت عن حشد النظام لقواته لاستعادة مدينة حلب بدعمٍ من الطائرات الروسية، وتفضيله للحلول الصفرية لتحقيق كامل أهدافه السورية الممكنة، ورفض الروس بذل أي جهدٍ ممكن لعقلنة النظام، وهذه المواجهة عنوانها الأول تقديم الدعم المالي والعسكري للمعارضة السورية، حتى ولو دون إذن الحليف الأميركي، فمخاطر القضاء على الثورة السورية، والهيمنة الإيرانية على سوريا، ستكون لها تداعيات خطيرة على الأمن القومي للسعودية وتركيا، وعلى أمن المنطقة عموما.

بالمناسبة، كشفتْ بعض الصحف الأميركية قبل يومين، عن وجود خطة بديلة أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) مع ممثلي شركاء إقليميين، في حال انهيارِ الهدنة ومفاوضات السلام السورية، تقضي بتزويد المعارضة السورية المعتدلة بنظام دفاع جوي محمول، يشمل “صواريخ مضادة للطائرات” ومقذوفات صاروخية لاستهداف المدرعات على الأرض، ومع عدم التعويل كثيرا على مثل هذه التسريبات الصحافية فإن كل القوى المؤيدة للثورة السورية تُعوّل كثيرا، على مواقف سعودية وتركية حاسمة، لتفعيل الخطة “ب” التي سبق أن أشار إليها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، والتي يُفهم منها تحديداً تزويد المعارضة بالسلاح لتحييد القصف الجوي، فهل نرى ذلك قريبا، نأمل ذلك.

للعلاقة السعودية التركية مساحة وافرة للتفاهم والتطوير، ومساحة أخرى للحوار في المُختلف عليه، وهو أمر جميل في هذه العلاقة، والمهم أن نقطف ثمراتها في إقليمنا المُضطرب بتدشين قواعد لعبة جديدة في سوريا تحاكي قواعد لعبة عاصفة حزم اليمن.

كاتب سعودي

9