هل أبعدت إيران الصدر خدمة للمالكي

الثلاثاء 2014/02/25
إيران تعبد الطريق أمام المالكي لولاية ثالثة

لا يختلف إثنان على أن الأيادي الإيرانية مع مجيء المالكي أصبحت تمرح كما تشاء في العراق ومهد لها رئيس الوزراء الطموح والمغامر الطريق لتحكم قبضتها على مفاصل القرار العراقي وتوجهاته الداخلية والخارجية.

وكانت كل الأزمات التي مرت وتمر بها بغداد تقف وراءها طهران في كل التفاصيل. لذا فإن عددا من السياسيين يذهب إلى القول أن الإعلان الصدري عن اعتزال العمل السياسي وغلق مكاتب التيار الصدري هو قرار إيراني، ذلك أن إيران هي التي ساهمت في وقت سابق في الصعود الصاروخي للصدر في المشهد السياسي العراقي من خلال رعايتها الواضحة له ومن خلال تلميع صورته لكي يسهل تسويقه ولكي يكون الكابح المقترض للقوى الشيعية التقليدية مثل المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة. فإيران تدرك جيدا أن كل مؤهلات ومزايا الصدر تكمن فقط في كونه سليل عائلة الصدر، ذات الصيت الواسع في الأوساط الشيعية العراقية.

في حين يعتقد آخرون أن مقتدى الصدر لا تحركه الرغبات الإيرانية لأن علاقته مع إيران تدهورت نتيجة عدة عوامل أهمها يتعلق بخيارات طهران السياسية.

ونعرض هنا موقفين متباينين من المسألة الأول لسامي العسكري النائب عن دولة القانون ومستشار رئيس الوزراء الذي يرى أن علاقة الصدر بإيران متدهورة والثاني لـعبد الستار الراوي سفير العراق الأسبق لدى إيران، الذي يذهب إلى أن البوابة الإيرانية مفتوحة دائما على العراق.

إيران لا دخل لها في ابتعاد الصدر عن السياسة


علاقته بإيران متدهورة

يرى سامي العسكري أن إيران لا دخل لها في ابتعاد الصدر عن العمل السياسي وأنه لا يوجد أي دور إقليمي أو لدول الجوار وأن علاقته بإيران قد تدهورت.

ويعتقد أنه من الصعب التنبؤ بمواقف الصدر فهذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها اعتزاله العمل السياسي فقد سبق له الاعتزال والاعتكاف، لكن هذه المرة يبدو أكثر تصميما على الاعتزال من السابق.

ولا يستبعد العسكري تراجعه عن القرار تحت ظروف أخرى مبنية على استراتيجية وتوجه جديد، وربما تكون جزءا من اللعبة السياسية والانتخابية.

ويذهب العسكري إلى أن السيناريو الثاني الذي يسير مقتدى الصدر وفقه أنه حقق نتيجة جيدة في انتخابات 2010 بفضل ذكاء الصدريين مستغلين الحصول على أصوات المؤيدين لإبراهيم الجعفري والمجلس الأعلى لكن الأمور تختلف حاليا بسبب تداعيات الوضع في سوريا والأنبار.

ويرى النائب عن دولة القانون أن الصدر لا يريد أن يتحمل شخصيا مسؤولية تداعيات هذين الوضعين.

ويضيف بخصوص تصريحاته ضد المالكي أنه لا يوجد جديد في تلك التصريحات فقد تبنى بعد سفره إلى أربيل سحب الثقة عنه.

كما أن الصدر كان يبدو حتى الوقت القريب أقوى من المالكي لكن بعد أحداث الأنبار تذمر الوسط الصدري من مواقفه غير المنسجمة.

ويوضح العسكري أن خط مقتدى الصدر اختلف عن خط والده الصدر الأول الذي أوصى أنصاره بالدين والمذهب لكن مقتدى تحالف مع خصوم الأمس بسبب خصومته مع المالكي وذلك كان موضع معارضة أنصاره. وذلك ما دفعه إلى التزام الصمت خلال الشهرين الماضيين خلافا لعادته. و أنه يستخدم الصدمة للعودة بقوة في انتظار تظاهرات تدعوه للتخلي عن الاعتزال.

ويرى العسكري أن استمراره الصدر في العمل السياسي أكثر خطورة على الطائفة الشيعية، فعندما ينسحب يكون الخطر أقل.

ويعتقد العسكري أن أكبر الخاسرين من انسحاب مقتدى الصدر هما عمار الحكيم الذي يترأس المجلس الأعلى وقائمة متحدون برئاسة رئيس البرلمان أسامة النجيفي، لأنهما كانا متحالفين مع مقتدى الصدر الذي كان لسان ورأس حربة عمار الحكيم لضرب المالكي ودولة القانون التي يترأسها.

ويتهم النائب عن ائتلاف دولة القانون سامي العسكري، زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بعدم محاسبة الفاسدين من وزراء ونواب تياره رغم علمه بفسادهم.

ويقول العسكري إنه “كان الأولى بزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أن يحاسب ويعاقب الفاسدين من وزرائه ونوابه بعد إعلان انسحابه واعتزاله العمل السياسي”.

وأضاف أن “الصدر والأشخاص الذين حوله يعرفون جيدا الفاسدين من وزراء ونواب التيار الصدري، لكنه لم يحاسبهم ويعاقبهم”. وكان العسكري قد قال في وقت سابق بخصوص تصريحات للصدر قائلا: “تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والتي اعتبر فيها أن قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني هو الرجل الأقوى في العراق، غريبة”، مبينا أن “الصدر أصبح جاهزا لأن يستخدم لضرب الوضع الشيعي والوضع الايراني”.

إيران وراء ابتعاد الصدر عن المشهد السياسي

لا يمكن استبعاد الدور الإيراني

يرى عبد الستار الراوي أنه لا يمكن استبعاد الدور الإيراني في إعلان الصدر اعتزاله العمل السياسي على اعتبار أن البوابة الإيرانية كانت على الدوام مفتوحة على العراق.

ويؤكد سفير العراق الأسبق أن استقالة الصدر لم تكن بالمفاجئة، لافتا إلى أن مصالح إيران قائمة وموجودة في العراق من خلال عدة منابر كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة الحكيم، بالإضافة إلى حزب الفضيلة وحزب الدعوة بقيادة نوري المالكي وحزب الإصلاح بقيادة إبراهيم الجعفري.

ويذهب إلى أن تاريخ العلاقات الإيرانية العراقية تاريخ حافل بالخلافات حول مسألة التدخل في شؤون العراق سواء على المستوى الرسمي أو على صعيد المنظمات الموالية للنظام الإيراني في فترة الشاه أو في عهد الثورة الإيرانية.

ويقر الراوي بأن جزءا كبيرا من التيار الصدري يعلن موالاته صراحة لإيران، كما أن هناك منظومة كبيرة تعبر عن مصالح الإيرانية في العراق، وذلك يعني أنهم يتفقون على خط واحد أو إنهم يتجهون باتجاه أيديولوجي نحو هدف محدد لكنهم أيضا يفترقون كثيرا.

ويرى سفير العراق الأسبق لدى إيران، أن إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر اعتزاله الحياة السياسية ليس جديدا وسبق أن أعلن في مرات سابقة عن الخروج من المشهد السياسي ثم ما لبث أن عاد مجددا.

يقول الراوي: “ليست المرة الأولى للزعيم مقتدى الصدر التي يعلن فيها عن تجميد مؤسساته وتياره ثم يتراجع عن مواقفه” مضيفا: “إن التيار الصدري يفتقد التنظيم الرصين كما يفتقد المشروع السياسي”.

ويذكر أن التيار الصدري بين الحين والآخر يهاجم المالكي كونهما على طرفي نقيض ويفترقان في القضايا الداخلية بالرغم من توافقهما على جوانب أخرى.

ويشير الراوي إلى أن ما يحدث في العراق منذ 8 سنوات أي على امتداد ولايتي المالكي الأولى والثانية هو محاولة لتكريس الرؤية الأحادية لحزب الدعوة الذي طغى على سياسته الجانب الديني في ما يمكن تسميته بنظام ولاية الفقيه.

وهو نظام لا يرى أحدا إلا نفسه لذلك هو معني بإقصاء وتهميش كافة القوى الأخرى الموجودة على الساحة بمن فيهم بعض الأنصار والمقربين.

ويذهب إلى أن ولاية الفقيه توقظ شعارات الإثارة والتهييج والنداءات الطائفية الذميمة. ولم يعد بوسع إيران إلا أن تجتذب تقاليد الدم والموت والعدم من القرون العتيقة، فيصبح “الغزو المسلح” و”العدوان المتعمد” سلاحا أيديولوجيا ضد الأمن الوطني للأمة العربية، وضد عموم الشعوب الإسلامية الأخرى تحت دعاوى مضللة.

كما يرى أن الطائفية التي تتهدد العراق قد وردت على لسان المالكي تمهيدا لضرب محافظة الأنبار عندما قال إنه يمثل جيش الحسين ضد يزيد ويعني الطرف الآخر محافظة الأنبار.

ويذهب الراوي إلى أن المعارضين للمالكي ليسوا جزءا صغيرا أو كتلة بشرية فالشعب العراقي أعلن رأيه في يناير 2011 عندما خرج مطالبا بحقوقه. وأن المحتجين لم يرفعوا شعارا طائفيا بل كان خطاب المعارضة خطابا راقيا دقيقا في مطالبه عكس خطاب الحكومة السياسي الذي كان مبتذلا.


طهران تفتح الطريق أمام الولاية الثالثة للمالكي

لم تجد إيران في السنوات الماضية أفضل من نوري المالكي ليمهد لها كل السبل من أجل وضع يدها على العراق ومستقبله. وذلك ما يفسر التشبث الكبير به من خلال العمل على المحافظة عليه في الواجهة السياسية وفي التحكم في القرارات العراقية الداخلية والخارجية.

وحتى في حربه التي يخوضها من أجل إثبات جدارته بتلك الثقة التي منحت له ،كانت إيران تدفعه دائما إلى مواصلة ضرب أي صوت يسعى للخروج عن رؤية حزب الدعوة الذي بدأ الانتماء الطائفي يحركة بصورة واضحة للعيان.

وقد سخرت إيران كل الوسائل للتسويق للمالكي وللدفاع عنه وعن خياراته، فصحيفة “كيهان” الايرانية أصبحت تقوم بالتعبئة اليومية من أجل تمكين المالكي من حسم معركة الأنبار لصالحة. ومن يشاهد قناة العالم يجدها تتحدث عن المالكي كمن لو كان وكيلا لها وتتحدث عن الأنبار كأنها جبهة حرب ضدها.

ويشك مراقبون في أن تصريحات الصدر حول المالكي مجرد ذر للرماد على العيون لكي يتبادر إلى الأذهان أن هناك خلافات داخل البيت الشيعي حول الأهداف والوسائل المتبعة.

وكان الصدر قد قال في تصريحاته ضد المالكي: “صارت السياسة بابا للظلم والاستهتار والتظلم والامتهان ليتربع ديكتاتور وطاغوت فيتسلط على الأموال فينهبها وعلى الرقاب فيقصفها وعلى المدن فيحاربها وعلى الطوائف فيفرقها، وعلى الضمائر فيشتريها”.

ويضيف في إشارة إلى المالكي السياسي الشيعي النافذ الذي يحكم البلاد منذ العام 2006: “إن العراق تحكمه ثلة جاءت من خلف الحدود لطالما انتظرناها لتحررنا من ديكتاتورية لتتمسك هي الأخرى بالكرسي باسم الشيعة والتشيع”. معبرا “إن حكومة المالكي المدعوم من طهران وواشنطن لم تعد تسمع لأي أحد حتى صوت المرجع وفتواه، وصـوت الشريـك وشكـواه، مدعومة من الشرق والغـرب بمـا يستغـرب ـله كـل حكيـم وعاقـل”.

الصدر الذي وصلته رغبة إيران أكيدة بالتزامه الصمت يبدو أنه اقتنع بصعوبة تغيير واقع الحال في ظل المعطيات الجديدة في العراق واتجاه البوصلة الإيرانية نحو بقاء المالكي.

يضاف إلى ذلك قناعته إن موقف الحكومة من آرائه وطروحاته في الكثير من القضايا المحلية الراهنة ومنها مواجه الإرهاب وقضية الأنبار واستخدام السلاح كأداة لفض النزاع، إضافة إلى الكثير من ملفات الفساد وهدر المال العام وعدم الالتفات لحقوق الإنسان هي من أهم الدوافع التي دفعته للابتعاد عن العمل السياسي.

تسعى إيران إذن من خلال استبعاد الصدر إلى فتح الطريق أمام الولاية الثالثة للمالكي حتى وإن كان ذلك على حساب الأنصار ومن تتلمذوا في مدنها وأبانوا عن ولائهم لها.

فالمالكي كان التلميذ النجيب الذي حقق وبصدد تحقيق رغبات الولايات المتحدة ورغبات طهران، وذلك ربما ما يفسر الصمت الأميركي على الفظائع التي ترتكبها مليشيات حزب الدعوة مسنودة بمليشات إيرانية ضد الشعب العراقي الذي خرج محتجا ضد الظلم وطالب بحقوقه كباقي شعوب العالم.

12