هل أخطأ تركي الحمد

السبت 2014/08/23

نظرا للجدل الذي أثاره مقال الدكتور تركي الحمد الذي نُشر في 17 أغسطس 2014، في العدد 9651، في الصفحة (6)، فإن 'العرب' تخصص هذه المساحة للتفاعلات مع ما ورد في المقال المذكور، إيمانا منها بمبدأ حرية الرأي وضرورة تنشيط السجال.

*********************

الملاحظ على كتابات تركي الحمد الأخيرة ارتفاع وتيرة التحسر واللوم، دون تفهم رصين للبعد التاريخي أو تفاصيل نموذج تنموي بديل. تركي مفكر معتبر، ولذلك فإن التحسر يأتي على حساب الروح الأكاديمية المستقلة والموضوعية. انتقل التهجم من المؤسسة الدينية إلى دورها المحوري في الهيكل السياسي، إلى أن أصبح حالة تطرفية توازي نقده للحالة التطرفية الدينية. دور المثقف الواعي هو الحرص على سلامة الكيان والمساعدة في “ترويضه” من خلال إيجاد أرضية للتبادل الفكري الهادئ، والتبصر في الخيارات العامة الممكنة، واحترام حركة التاريخ، وربطها مع تقدير الممكن حتى الوصول إلى مدارات أعلى لتحقيق الدولة الحديثة. هذا يأتي بتقدير مكوناتها الفكرية والعاطفية، وقياس قواعدها المادية والسياسية. التهجم على كيان الدولة، خيار ينتصر حينما يخسر الجميع في ظرف تاريخي معين. الطريق من سقوط الخلافة قبل أقل من مائة عام، إلى تأسيس الدولة الحديثة محفوف بالمخاطر، القفز حوله مراهقة فكرية وتعبير عن احتباس عاطفي.

عدم تقدير الظرف التاريخي خطيئة فكرية وجهل سياسي، لعل ما يلتقي فيه تركي الحمد مع خصومه هو عدم تقدير الظرف التاريخي. الظرف التاريخي له شقين؛ الشق الأول فكري- حالة الأمة فكريا وأيديولوجيا- أمة أصابها التصلب الفكري والانطواء الأيديولوجي- أفضل تعبير عن هذه الحالة هو ذلك الاندفاع لإقحام التعليمات والمفاهيم الدينية في كل نواحي حياة أصبحت محركاتها مادية. هذا الاندفاع أصبح مصدر ضغوط تؤثر على التعليم والاقتصاد والمرونة الاجتماعية، والتي تمثل بدورها محركات رئيسة في الحياة المادية. المواطن والمسؤول أصبحا ضحيتين لعلاقة من المفترض، أن تحافظ على مسافة مريحة بين المادي والعاطفي، ولكنها أصبحت عبئا على الكل.

الشق الآخر حالة من الاحتباس في الوجدان والمكنوز التاريخي السياسي. فالحالة العربية والإسلامية في حالة حصار مع نفسها- حصار يحدد سقفه نموذج دولة الخلافة البائدة حديثا، وما تحمل من استقطاب وجداني، وقاعدة أرضيته أداء الدولة الحديثة في ميدان الماديات ولكن أداء الدولة الحديثة أصبح مصدر تساؤل. لذالك سرعان ما يجد تقصير المجتمعات، ماديا، تعبيراته في الشق الأول في جدلية معلّقة تجعل المجتمعات حبيسة بين الماضي القريب، والحاضر الصعب. ولادة الدولة الحديثة في ثنايا هذه الجدلية بين الشقين. هذا النموذج ينطبق على جميع الدول العربية والإسلامية، حسب تواجدها على أبعاد سلم الأيديولوجية؛ الدنيوية من ناحية، والظروف الموضوعية المختلفة لكل دولة من ناحية أخرى .

أحد مظاهر الابتعاد عن إعطاء التاريخ حقه في بناء الدولة، يأتي في اختزال السلم التاريخي في إرهاصات الثورة الإيرانية، وتداعيات الغزو الروسي لأفغانستان، أو إفرازات الطفرة النفطية، أو فشل بعض الدول المهمة مثل مصر والعراق، أو حتى بعض الأخطاء في الدولة، والظروف الموضوعية وخاصة للدول التي لا تسمح لها مكوناتها برسم الإستراتجيات، ولكن الاكتفاء بسياسات توفيقية إلى حين شيء، والتعامل مع التعقيدات والأخطاء شي آخر.

تكوين المؤسسات الفاعلة المستدامة عملية طويلة. بناء الدولة يتطلب صبرا وجهدا لا يتسع لمن يجد نفسه حبيس تلك “الوسطية التاريخية” أو من يصرف طاقته في مناكفاتها في جدل أصبح خارج الزمان وغير مناسب للمكان.

هل أخطاء تركي الحمد، بالرغم من قدراته التحليلية، في عدم إعطاء البعد التاريخي حقه؟ أم أخطاء في توسيع دائرة البحث عن حلول ليست في دائرة التنمية؟ لا أعرف فيم أخطأ أو أصاب؟ ولكن إقصاء دائرة النقاش من دائرة التنمية، إلى دوائر التناطح المتطرف خطيئة فكرية، واستسلام للوجداني والعاطفي على حساب العقلاني، حتى لمن ينادي بالدنيوية.

التغيير يأتي إما بالثورة (سلاحها التطرف والتطرف المضاد) أو التطور التدريجي (سلاحها التنمية وخاصة في شقها الاقتصادي)، ونقصد بالاقتصادي تنمية المعارف ورأس المال من خلال الإنتاجية. الهدف المرحلي المرتبط في العمق مع التنظيم المجتمعي، هو أن تصبح الضريبة والمنافسة وسيلة تمويل وتفعيل المجتمع. أصبح العربي يبحث عن مفتاح التغيير عند عمود الكهرباء المضيء في إثارته وليس حيث فقد المفتاح. أصبح النقاش يقوده متطرفون متدينون، يقابلهم مصلحون بإسقاط غربي سطحي يريد فصلا جبريا من التاريخ أو تفادي الاستحقاق التنموي. أصبح النقاش عبارة عن خيار خادع بين إسقاطات دينية ودنيوية، سمته الأساسية تهربه من استحقاقات التنمية العملية.


كاتب سعودي


9