هل أدب الرعب إبداع من الدرجة الثانية

في طفولتنا إذا أرادوا لنا أن نهدأ وننام كانت حكايات أمنا الغولة في المقدمة، وقصص الأشباح الشريرة والوحش ذو الأسنان الطويلة الذي يلتهم الأطفال الذين لا يسمعون كلام أمهاتهم. لا شك أن هذه الخرافات جزء من تراثنا، وبحكم التطور الذي نشهده يوميا اتخذت أشكالا وصفات مختلفة، بل أصبح يستعان بها في كتابة الأدب أو ما يعرف بـ”أدب الرعب”، وسؤالنا هل يملك هذا النمط الأدبي في وطننا العربي قاعدة عريضة من القراء؟ وهل يلقى الاهتمام في المطبوعات الأدبية وتشمله العملية النقدية؟ لماذا هذا الأدب يصنف عند البعض بأنه أدب “الدرجة الثانية”؟
السبت 2017/10/14
أدب الرعب يغوي الناشئة (لوحة للفنان إسماعيل الرفاعي)

إذا تطرقنا إلى أدب الرعب على المستوى العربي لا يمكننا أن ننكر تجربة المصري أحمد خالد توفيق وسلاسل الرعب الشهيرة، لكن تأخر هذا النمط الأدبي في ظهوره عربيا.

لم يتخذ أدب الرعب شكله الحالي إلا مع بداية ظهور روايات الرعب القوطي الشهيرة والتي تحكي القصص في أجواء مرعبة قديمة، مثل “حوت القلاع” و”أضواء الشموع” وقد حاز هذا النوع من القصص شعبية واسعة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

نسأل الروائي المصري محمود الجعيدي هل حدث أن شعر الكاتب نفسه بالرعب وهو بين طلاسمه وخياله المرعب؟ ليجيبنا قائلا “شعرت مرة بالرعب حين كنت أبحث عن أحد طلاسم استحضار الجن لكي أضعه في جزء من قصة أكتبها. وبعد مدة من البحث أحسست بيد باردة تمسك كتفي، فتوقفت وقمت بمحو هذا الجزء. لا أفكر في تغيير مجال كتابة قصص الرعب. سوف أستمر فيه حتى أترك بصمة يذكرني بها الجميع. وفي جانب آخر لا أنكر أن قراء أدب الرعب هم من الشباب وتحديدا فئة الطلبة من المدارس والجامعات”.

شلال دماء

في أحد المرات وبعد الانتهاء من الكتابة أحس القاص السوداني محمود عوض أحمد برعب شديد، يقول “كانت الساعة الثانية صباحا عندما انتهيت من كتابة قصة أحداثها حقيقية وبعد عملية استحضار جمعت معلوماتها من الإنترنت فإذا بكائنات مخيفة وطلاسم تظهر أمامي ورغم ذلك أدرجت هذه الأشياء ضمن أحداث قصتي”.

ويتابع “أنشر قصصي على الفيسبوك، ولا شك أن ذلك حقق لي التشجيع المعنوي والنقد الإيجابي للقصص من حيث اللغة والسرد للمواصلة في كتابة قصص الرعب وتطوير نفسي يوما بعد يوم. دائما كتاباتي من أرض الواقع أما الخرافات فلم أخض في مجالها”.

ويرفض ضيفنا أن يكون أدب الرعب مقتصرا على الشباب فقط. مؤكدا أن لديه قراء تجاوزت أعمارهم الأربعين. يستمتعون بما يكتب. ويقدمون بعض النصائح والإطراءات. يقول “أدب الرعب أدب راق، ممتع وصعب. اخترته لصعوبة الكتابة فيه ولندرته في عالمنا العربي وميولي لعلم النفس”.

تقول القاصة التونسية عربية الجديدي “قصصي كانت نوعا ما تميل إلى وجود أنهار من الدماء حول الشخصيات. وكثيرا ما أجدني مستيقظة ليلة كاملة خوفا ورعبا من ظهور شخصيات قصصي أمامي. لم أحقق بعد شهرة كبيرة في مجال كتابة قصص الرعب، ولكن لي عددا لا بأس من القراء”.

وتقول الروائية المصرية صفاء حسين العجماوي “أدب الرعب بشكله الحالي غير الاحترافي الممتلئ بالعنف والدم يجعله تجاريا أو أدب درجة ثانية، غير أن بعض اﻷعمال ذات الفكر المميز واﻷسلوب الراقي واللغة الممتازة ترفع منه ليكون درجة أولى. أعترف أن أغلب قراء هذا النوع هم من المراهقين والشباب في مقتبل العمر”.

أدب الرعب مثل سائر الأجناس والألوان الأدبية به أعمال ممتازة، من حيث الحبكة والفكرة واللغة والسرد وعرض الأحداث

وتتابع “كتبت بعض اﻷعمال المستمدة تفاصيلها من كوابيس أصابتني بالفزع الرهيب كما في رواية ‘فيما يرى النائم‘، وأتذكر كل ما مر بي وقتها كلما قرأت الرواية. بعض ما كتبته عن الرعب نابع من مخاوفي في مرحلة ما. أنا كاتبة لا أتقيد بنوع أدبي معين فأنا أكتب في الخيال العلمي والفانتازيا والرومانسية وأدب الطفل والواقعي وغيره”.

الرعب مظلوم

يرفض القاص الليبي معاذ الحمري، ما يقال إن أدب الرعب ليس بأدب ودون فائدة وهو هادم، ولا يقدم للقراء أي نوع من المعرفة.

يقول “مع صدور مجموعتي القصصية الأولى مؤخرا ‘لا تفتح الباب‘، أقول إننا نقدم أدبا وإن لم يعترف به اليوم فغدا سيكون مزدهرا كما أدب الرعب في الغرب. إذا كان قراء هذا الأدب من الشباب فقط فهذا يعني أن الشباب يؤمنون بشيء اسمه المغامرة. أرتعب عندما أكتب قصة سحر وأضيف جملا وطلاسم تقتضيها الأحداث”.

وتشيرالروائية المصرية منال عبدالحميد إلى أن كثيرا من الأعمال المندرجة تحت تصنيف “الرعب والغموض” التي تظهر في الأسواق العربية حاليا هي ركيكة، وأحيانا ما تكون بلا قصة أو رابط حقيقي بين الأحداث، لكن أدب الرعب مثل سائر الأجناس والألوان الأدبية به أعمال ممتازة، من حيث الحبكة والفكرة واللغة والسرد وعرض الأحداث تستحق أن تصنف بلا غرو كأعمال “درجة أولى”، وتنتمي إليه أيضا أعمال تافهة، أو ضعيفة، أو ركيكة بلا مضمون، وهذه نصنفها دون تحيز كأعمال (درجة ثانية)، إذن فالعمل نفسه، بغض النظر عن طبيعته، هو الذي يحدد الدرجة التي يوضع عليها. الفئات العمرية التي تخطت مرحلة الشباب قد لا تجد في التشويق والإثارة والمواقف المرعبة ما يلائمها، لكن أعتقد في الفترة الأخيرة أن فئات عمرية أخرى صارت من قارئي ومحبي أدب الرعب.

وتتابع عبدالحميد “عندما كتبت عملي الأول، وهو رواية قصيرة تم نشرها إلكترونيا بعنوان ‘بلفور‘، التي تدور أحداثها حول مهووس يعكف على صنع نماذج لزوجته التي كان يحبها بشكل مرضي، كما أنه كان مختلا عقليا في السابق، وبعد فراغي منها تلقيت هدية عبارة عن عروس، لعبة كبيرة الحجم، وقد كانت شبيهة إلى حد ما بالتصور الذي صنعه خيالي لنماذج ‘بلفور‘ المتقنة، بعد فترة صرت أخاف الدمية وأضطرب لوجودها في أي مكان، حتى حدث موقف دفعني إلى التخلص منها تماما.

حرصت منذ بداياتي، خاصة حينما دخلت مجال النشر، على ألا أحصر نفسي وقلمي في خانة، أو في مجال واحد. لذلك أنا أكتب ببساطة في كل المجالات، وما يدفعني إلى الكتابة في لون معين هو نوعية الفكرة المتوافرة لدي ومجالها المناسب فقط”.

15