هل أستطيع أن أبكي لديك

الخميس 2017/02/02

نحن شعب عاطفي، هذا مؤكد. ما لم أكن أعرفه أن عواطفنا هذه يمكن أن تصبح ملجئا للبعض. منذ أيـام اتصلت بي صديقـة أجنبية قائلة إنها تريد أن تأتي لتبكي لدي. أغرب طلب تلقيته على الإطلاق، لكنني دعوتها بطبيعة الحال وانتظرت وصولها لأفهم القصـة.

أعددت لها شـايا وتركتها تبكي لساعتين متتاليتين من دون توقف. قالت إن لا أحد في البيت يريدها أن تبكي، لا أحد يسمح لها بذلك وإنهم يصفونها بالعـاطفية والمبالغة والطفلـة، رغم أن حزنها نابع من فقدانها لأمها قبل أشهر قليلة.

كلما تحدثت عن أمها، قالوا لها “انتهى الأمر، مرّي إلى شيء آخر”، وكلما أشارت إلى الموت من قريب أو بعيد (موت جورج مايكل مثلا) علقوا على إشارتها بأنها واقفة في نفس النقطة، وهي مطالبة بالتحرك إلى الأمام. “انتهى الموت” أخبرها شقيقها، “كان عارضا، وانتهى، انشغلي الآن بالحياة”.

جاءت إذن صديقتي لتبكي لدي. جلست على الكنبة، وضعت أمامها مناديل ورق واستمعت لحكايات طفولتها وعلاقاتها المعقدة بوالدتها، وخلافاتها معها وإحباطاتها، إلى ما لا نهاية من الحكايات والمواقف التي يستدعيها الموت في مثل هذه الحالات ويجعلها تطفو على السطح كالفقاعات المتقافزة. حتى الصغيرة منها أو التي كانت تبدو تافهة ومن دون قيمة، تصبح فجأة ضخمة ومفزعة.

عانت صديقتي من طفولة معقدة مع والدتها. لم تشعر أبدا بحب ورعاية الأم التي كانت منشغلة بطموحها وإنجازاتها وحياتها أكثر مما يجب، وعندما كبرت ومرضت وعادت إلى أهلها في السويد مخلفة طفليها، كل واحد منهما في بلد مختلف.

في سنواتها الأخيرة بنت الأم ما يشبه العلاقـة “الهـاتفية” مع ابنتهـا، فكانت تتصل بها من حين لآخر عبر الهاتف لتتحدثا في أمـور شتى، بينما الابنة منشغلة بالتنظيف أو الطبخ أو الغسيل أو غير ذلك.

هذه المكالمات هي كل ما تحمله صديقتي من ذكريات حلوة عن أمها، وهي ما تفتقـده الآن بشدة ويشعرها باليتم والألم.

ألا يفهم أحد من محيطها ذلك، أمر طبيعي. فالكل منشغـل بحياته في بلد أو قارة أو كوكب آخر. فالمجتمعات الغربية، كما هو معروف للجميع، تمكنت من إيجاد نوع من الحياد العاطفي تُربي عليه أبناءها وبناتها منذ الصغر باعتباره حلا ذكيا لمواجهة مشكلات الحياة وتعقيداتها، وقد نجحت إلى حد ما في عقلنة المشاعر التي اكتشفت أن مصدرها العقل وليس القلب كما كنا نتخيل، فأخضعتها لسيطرة المنطق وتحكمه.

استطاع هذا التعامل العقلاني مع المشاعر أن يوجد توازنا ظاهريا في السلوك والآداب والعلاقات والمعاملات بين الناس، سواء في العمل أو الشارع أو البيوت، لكنه خلف من دون شك، خواء وفراغـا داخليين للكثيرين، وسبـب فـزعا غير مبرر لمن عجزوا عن إخضـاع مشاعـرهم للعقل.

تقول صديقتي من بين دموعها “أعتذر عن هذا المنظر الكئيب”، وتمسح دموعها بسرعة، وهي تسوي من مظهرها وجلستها، وأرد في سري “لا تعتذري عن إحساس حقيقي وصادق، الأولى أن نعتذر عن عقلنا المزيف، وحكمتنا الخادعة”.

في نهاية حديثها أخبرتني صديقتي أن أمها أوصت بحرقها بعد موتها، وأن يذرّ رمادها في بحر الشمال في المسافة الفاصلة بين النرويج والسويد.

سألت عن السبب فقـالت “أرادت أن تكون في المنطقة التي تربط بين كل من أحبتهم، أهلها في السويد وابنها في أميركا وابنتها في هولندا”. أكملت هذه الجملة وهي تقول بهدوء وصفاء واضحين “لقد أحبتنا، لكن بطريقتها الخاصة، كيف لم أنتبه لذلك؟”.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21