هل أصبحت أسماء الروايات العربية الجديدة فخاخا لاصطياد القراء

مثقفون يشيرون إلى أن صيحة اختيار أسماء غريبة جاءت بعد أن تغيرت سيكولوجية القارئ الذي بات يبحث عن الإثارة والغموض أكثر من الدراما.
الجمعة 2018/08/31
رواية "فرانكشتاين في بغداد" الفائزة بجائزة الرواية العربية 'البوكر" عام 2016

القاهرة - تحولت صناعة الكتب إلى عالم تجاري أشبه بصناعة الأزياء العالمية، تختفي بعض أذواقه ثم تعود لتصبح صيحة جديدة وموضة رائجة.

ويواجه سوق الرواية العربية ظاهرة بدأت تتسع بشكل كبير، تشير إلى جنوح بعض الأدباء، خاصة من جيل الشباب، إلى استحداث عناوين غريبة لأعمالهم الروائية مأخوذة عن لغات وثقافات أجنبية، تشير إلى أسماء أشخاص وأماكن ومصطلحات علمية وأساطير، لها دلالات معينة.

يبدو أن الكُتّاب الشباب يتبعون الطريق ذاته الذي أقدم عليه كبار الكُتّاب الصاعدين في العالم، وحققت روايات لهم حملت أسماء غريبة، شهرة كبيرة بعد أن لعب اسمها دورا في جذب الانتباه، وكان أشهرها رواية “الخميائي” لباولو كويلو و”انفرنو” لدان براون.

تلفت عناوين الروايات والمجموعات القصصية الجديدة جمهورا جديدا يبحث عن كل ما هو غير مألوف وغامض، ونجحت البعض من الأعمال ذات الأسماء غير المعتادة في بيع عشرات الآلاف من النسخ في وقت تمضي فيه حركة بيع كُتب كبار الروائيين ببطء شديد.

الأمر لم يعد قاصرا على فكرة البيع، فبعض الروايات التي حصدت جوائز أدبية عربية حملت عناوين مستحدثة، وغريبة على ذهن قارئ الرواية التقليدي. وبرزت نماذج مثل رواية “فرانكشتاين في بغداد” للروائي العراقي أحمد سعداوي، الفائزة بجائزة الرواية العربية “البوكر” عام 2016.

في العام نفسه نشر الأديب السوداني عبدالعزيز بركة ساكن روايته “الجنقوم” وهي اسم يصف فريقا من الجن بحسب الرواية اليهودية. ولاقت اهتماما كبيرا من الأوساط الأدبية. من بعده نشر الروائي المغربي طارق بكاري رواية “نوميديا” ووصلت إلى قائمة “البوكر” الطويلة عام 2016، وهو مصطلح إنكليزي يعبّر عن الإعلام التكنولوجي الجديد.

يتحوّل البحث عن الأسماء الغريبة إلى فعل اعتيادي للروائيين الجدد. وجاءت الأمثلة متعددة، وأبرزها رواية “هيبتا” للروائي المصري محمد صادق. كما لم يكن غريبا على رواية “نيكروفيليا” للكاتبة المصرية شيرين هنائي أن تحقق عدة طبعات في وقت قياسي، خاصة أن الاسم يخص مرض نفسي نادر يعرف بمضاجعة الأموات.

الأعمال الأدبية الجديدة تبقى مؤثرة بحجم قدرتها على معايشة الواقع الجديد
الأعمال الأدبية الجديدة تبقى مؤثرة بحجم قدرتها على معايشة الواقع الجديد

مع انتعاش أدب الرعب والجريمة في الرواية العربية، ولدت أسماء غريبة مثيرة لفضول القراء مثل رواية “فوجا” للمصري عمرو الجندي، وتعني في علم النفس الهروب إلى الجريمة، واختار نفس المؤلف بعد نجاحها اسم “مسيا” لروايته التالية، وهي تعني إنسانا مثاليّا من نسل النبي داوود.

في نفس المجال تبرز أسماء أكثر غرابة مثل “شيزوفرينيا” للكاتبة السودانية لينا عامر، و”أرض زيكولا” للكاتب المصري عمرو عبدالحميد (ثلاثة أجزاء)، و”دراكيولا” للمصري وائل نصار.

يعتبر جيل الشباب أو الروائيون الجدد، كما يُحبون أن يطلقوا على أنفسهم، استعمال العناوين الغريبة ضرورة في ظل تكرار كثير من التركيبات اللغوية النمطية واستهلاك الكثير من أسماء الأماكن في أعمال الرواد والسابقين.

يردد هؤلاء بيت الشعر الشهير للشاعر العربي عنترة بن شداد، الذي كتبه قبل أكثر من 15 قرناً، وقال فيه “هل غادر الشعراءُ من متردمِ؟”، وهو يعني أن الشعراء لم يتركوا معنى إلا وطرقوه، لذلك أكدوا أن السابقين استهلكوا كافة المعاني والعبارات ولم تبق عبارة لم تدون.

كما أن التطور ضرورة تدفع إلى الخروج من حيز عناوين “المضاف والمضاف إليه” مثل “دعاء الكروان” للأديب المصري الراحل طه حسين، و”مُدن الملح” للروائي السعودي عبدالرحمن منيف، و”عرس بغل” للروائي الجزائري الطاهر وطار. إلى جانب تجاوز عناوين الكلمة الموصوفة مثل رواية “الرباط المقدس″ لتوفيق الحكيم، و”العسكري الأسود” ليوسف إدريس.

ظهر في العامين الماضيين نوع جديد من أسماء الكتب، اعتمد على فكرة العودة لكتب الرواد الشهيرة واستحداث عناوين على شاكلتها، وأبرزها “ثرثرة فوق نهر التايمز″ للكاتبة منى النموري، على شاكلة “ثرثرة فوق النيل” للأديب نجيب محفوظ و”رحلتي من الشك للشك برضه” لمصطفى شهيب على شاكلة “رحلتي من الشك إلى اليقين” للراحل مصطفى محمود.

يرى ياسر رمضان مدير دار كنوز للنشر، أن العنوان “حق أصيل للمؤلف والتطور والتغير ضرورة من جيل إلى جيل، والجيل الجديد يفكر بشكل مختلف ويطرح رؤاه دون وصاية من أحد، وعلى النقاد النظر إلى قيمة العمل الأدبي بعيدا عن استغراب الاسم”.

ويقول لـ”العرب” إن الأعمال الأدبية الجديدة تبقى مؤثرة بحجم إبداعها وقدرتها على معايشة الواقع الجديد، وتلبية احتياجات جيل القراء، ويؤيد (كناشر) فكرة وجود عنوان مثير للانتباه، بشرط أن تعكس هذه الإثارة الذهنية ما يحتويه الكتاب، لا أن تكون غرابة العنوان مقصودة لذاتها وكفى.

ويشير بعض المثقفين إلى أن صيحة اختيار أسماء غريبة جاءت بعد أن تغيرت سيكولوجية القارئ الذي بات يبحث عن الإثارة والغموض أكثر من الدراما والقصص التحليلية السردية.

لا تخلو اختيارات الأسماء الغريبة من منظور لفت الانتباه والدعاية، ويعتبر اسم الكتاب ثاني أهم عامل لشراء العمل والتقاط أعين القارئ بعد الغلاف المميز والمثير.

وتؤكد هويدا صالح الناقدة الأدبية لـ”العرب”، أن الكثير من أسماء الروايات والأعمال الجديدة تعبر عن بيئات مغايرة للبيئة العربية، مثل الأساطير اليونانية القديمة أو المصطلحات العلمية الغربية.

وتلفت إلى ضرورة أن يكون هناك اتساق بين اسم الرواية أو المجموعة القصصية وبين مضمونها العام.

ما تقوله هويدا، لم يمنع أدباء يُحسبون على جيل الكبار من اللجوء إلى أسماء غريبة لأعمالهم تقارباً مع أذواق الجيل الجديد. وربما كان أبرز هؤلاء الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد عندما أصدر قبل سنوات قليلة رواية بعنوان “إداجيو”، وهو اسم لرقصة غربية شهيرة.

كذلك الحال بالنسبة إلى الأديب الجزائري واسيني الأعرج عندما أصدر عام 2014 رواية “أصابع لوليتا” عن دار الآداب، مجارياً رواية الأديب الروسي فلاديمير نابوكوف “لوليتا”.

15