هل أصبحت الأرستقراطية البريطانية من التاريخ

المؤسسة العميقة تتقوقع على نفسها مقابل صعود "طبقة خارقة" من المهنيين المحترفين وهو ما أنتج إطارا متشابكا بشكل وثيق فصل نفسه عن البقية.
الأحد 2018/03/04
النخب تعيد إنتاج هويتها الجماعية

لندن – عند الحديث عن الثقافة الأرستقراطية، أول ما يتبادر إلى الذهن بريطانيا التي تعد النموذج الأمثل لهذه الثقافة من السياسة إلى التقاليد المجتمعية. لكن في السنوات الأخيرة بدأت هذه الصورة تتآكل وتصبح جزءا من التاريخ. بريطانيا الأرستقراطية ذات التقسيمات الطبقية الواضحة تتغير. مازال هناك الكثير من مظاهر تلك الحياة. لكن هناك تحول أيضا.

العائلة الملكية صارمة في تقاليدها وقواعدها، لكن الأمراء بدأوا يتزوجون من “العامة". سباق الخيل الملكي والنوادي الخاصة والمدارس الخاصة والمناصب النخبوية مازالت شاهدا حيا على أسلوب حياة النخبة الثرية، لكن ذلك لا ينفي أن هناك تغييرا اجتماعيا ملموسا يزحف شيئا فشيئا على المؤسسة البريطانية أو ما يعرف بـ”ذي استبليشمت”، بشكل عام، وأن مشاهد كثيرة تؤكد أن صعود رأس المال ونفوذ الشركات بدآ يستبدلان الدولة العميقة في بريطانيا.

ويرصد الكاتب في صحيفة الغارديان إيرون ديفيس، بعضا من ملامح هذا التغيير، مشيرا إلى أن هناك تقاطعات كثيرة بدأت تظهر على المؤسسة البريطانية الأرستقراطية.

 ويستشهد ديفيس، في تحقيقه المطول الذي نشرته الغارديان مؤخرا، بما جاء في كتاب صدر سنة 2014، للكتاب البريطاني أوين جونس، حمل عنوان “ذي استبلشمت".

 ويشرح جونس في كتابه كيف ولماذا ستسود المنظومة البريطانية الطبقية. ويعلق إيرون ديفيس على الكتاب مشيرا إلى أنه كُتب في زمن بدت فيه النخبة تزدهر بالرغم من مساهمتها في تدمير الاقتصاد العالمي.

وكان ديفيس، المهتم بدارسة كيفية عمل السلطة، قضى الـ20 سنة الماضية يبحث مع شخصيات النخبة في خمسة ميادين ترتبط بالمؤسسة الحديثة، وهي الإعلام وحي سيتي لندن والشركات الكبرى وموظفو وايتهول والأحزاب السياسية الكبرى في وسمينستر.

وبعد استجواب ومراقبة أكثر من 350 شخصا أصبح لديه اعتقاد بأن المؤسسة لم تعد متماسكة أو متضامنة أو كفؤة. وفشلها لا يؤدي فقط إلى المزيد من الانقسامات والتفاوت الاجتماعي والهشاشة في بريطانيا، بل يهدد أيضا حتى أسس حكم المؤسسة ذاتها.

استفتاء البريكست

يرصد ديفيس تغييرات كبيرة طرأت على البلاد، بعد التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016، مشيرا إلى أنه بعد الإعلان عن نتيجة استفتاء الخروج والتي جاءت لصالح البريكست، وجد كل من رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كامرون ووزير المالية البريطاني السابق جورج أوزبورن نفسيهما يجرفهما التيار بينما وجد بنك إنكلترا وقادة الصناعة أنفسهم محتارين في من يساندون؟

بين ثلث ونصف شركات مؤشر فوتسي 100 يقودها مدير تنفيذي غير بريطاني، وأغلبية الأسهم لم يعد يملكها أفراد بريطانيون أو صناديق معاشاتهم لكن يتاجر بها عدد كبير من المستثمرين الدوليين غير المتصلين ببعضهم البعض

وكان حزب المحافظين، وهو حزبهم السياسي، والحزب الوحيد الذي ساندوه من قبل على الإطلاق، يتخذ مسار عمل رأوا أنه سيدمر الاقتصاد. وتبعا لذلك انهار الجنيه الإسترليني ومؤشر فوتسي 100. وبدأ أصحاب الأسهم يثورون وبدأ “الصيارفة” ينتقلون إلى أماكن أخرى.

وبعد سنة بدت المؤسسة تتعافى من جديد، ثم جاءت الانتخابات المبكرة لشهر يونيو 2017 وخسر المحافظون أغلبيتهم البرلمانية على الرغم من كل مواردهم وتقدمهم في الاستطلاعات في البداية، حيث خسرت رئيسة الوزراء تيريزا ماي أمام جيرمي كوربن، الذي يصفه ديفيس، بأنه جمهوري مسالم رديء اللباس ولا يملك أموالا ولا دعما إعلاميا وحكومة ظل صغيرة جدا يمكن أن تتسع لها مقصورة هاتف عمومي. وتُرك حزب المحافظين يتفاوض حول اتفاقية البريكست بزعيم ميت وبرلمان معلق ودون أي فكرة عن النتائج التي تريدها المؤسسة.

تشير كل هذه الأشياء إلى أنه ربما آن الأوان لطرح السؤال هل مازالت المؤسسة البريطانية تشتغل كسابق عهدها. بعض أفراد النخبة أصبحوا أثرياء جدا، وهم مازالوا متحدين في خوفهم وكرههم لأفكار الجناح اليساري والناس العاديين. ومازالوا يتمتعون بمهارة عالية عندما يتعلق الأمر بالسعي وراء مصلحتهم الخاصة.

 ومازالت لقراراتهم نتائج قوية يحس الناس بوقعها على نطاق واسع. لكن يبدو أنهم أصبحوا أقل قدرة على بسط السيطرة أو التنبؤ بنوعية النتائج.

وشاعت فكرة “المؤسسة” “ذي استبلشمت” في الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي. وحسب منظريها الأساسيين مثل المؤرخ هيو توماس والصحافي أنطوني سامبسون، فقد ذهب أغلب أفراد هذه الشبكة من النخبة إلى واحدة من سبعة مدارس كلارندون الداخلية مثل أيتون أو راغبي أو هارو

ومن هناك انتقلوا إلى الأكاديمية العسكرية ساندهورست أو أوكسبريدغ. ثم انزلقوا دون مجهود إلى المناصب القوية في المنظمات الخاصة أو العمومية. وكان التحكم السياسي يتم من خلال مؤسسات الدولة الكبرى لكنيسة إنكلترا ووسمينستر ووايت هول والقوات المسلحة.

وكان الاقتصاد مشتتا يتم تنسيقه عبر شراكة عمومية وخاصة تضم وزارة الخزانة وبنك إنكلترا وسيتي لندن وقادة الأعمال. وكانت بي بي سي والصحافة الوطنية تعمل على ضمان قبول “عموم الشعب” لهذا الوضع.

وكانت هذه النخب تعيد إنتاج هويتها الجماعية وتحافظ عليها عبر حلقات اجتماعية خاصة، ومن بين تلك الروابط نجد العضوية في نوادي لندن الراقية مثل غاريك وأثينايوم. وإذا لم يكونوا يملكون لقبا بعد سيحصلون عليه قريبا جدا، واضعين نهاية لأيامهم في بيت الرعاية الذهبي، ذلك المعروف بمجلس اللوردات.

تقاطعات بدأت تظهر على المؤسسة البريطانية الأرستقراطية
تقاطعات بدأت تظهر على المؤسسة البريطانية الأرستقراطية

ومثلما شرح السير آلان بود، المستشار الاقتصادي السابق لدى وزارة المالية البريطانية منذ سنة 1970، لم تكن الوزارة تدار من قبل اقتصاديين محترفين. كان المسؤولون يرجعون إلى “ذي براون بوك”، وهو مجلد حكومي يشرح كيفية استعمال أدواة تقنية معينة للرد على تغيرات في التشغيل والتضخم.. إلخ. وكان هذا الكتاب، كما يقول ديفي، عبارة عن “دليل دمى” لإدارة الاقتصاد البريطاني.

لكن لم يكن الأمر يقتصر على الوظيفة العمومية، حيث يبدو أن تغييرا مماثلا حدث عبر معاقل المؤسسة من الثمانينات فصاعدا. وليس هناك مثال عن تدهور سلطة المؤسسة القديمة أفضل من استحواذ “غرانادا ميديا” سنة 1995 على سلسلة الفنادق “تراستهاوس فورتي” الراقية. كان رئيس مجموعة الفنادق، السير روكو فورتي، ابن اللورد فورتي، يعطي حزب المحافظين تبرعات بصفة منتظمة وكان يسلي النخبة في فنادقه الريفية. لكنه كان يصطاد القطا في السباخ عندما أُعلن عن عرض الاستحواذ.

طبقة خارقة

لاحظ السياسي البريطاني لأندرو أدونيس (يحمل لقب بارون) والصحافي ستيفن بولارد بروز “طبقة خارقة” من المهنيين المحترفين في الحقوق والمحاسبات وقطاعات أخرى. وهذا أنتج “إطارا متشابكا بشكل وثيق” فصل نفسه عن البقية. ويشير ديفيس إلى أنه في هذه الأيام بين ثلث ونصف شركات مؤشر “فوتسي 100” يقودها مدير تنفيذي غير بريطاني، وأغلبية الأسهم لم يعد يملكها أفراد بريطانيون أو صناديق معاشاتهم لكن يتاجر بها عدد كبير من المستثمرين الدوليين غير المتصلين ببعضهم البعض.

ويضيف أن الروابط الآلية بين التعليم الراقي والتقاليد والمكانة والسلطة والمال التي كانت فيما مضى تميز المؤسسة انحلت.

 الآن أصبحت نسبة أصغر بكثير ممن هم في السلطة يستعملون الحزام الناقل كلارندون-أوكبريدغ ليصلوا إلى الأعلى. والنوادي الراقية في لندن فارغة أو هي الآن (وهو أمر أسوأ للنخب) تسمح للنساء والأجانب والأفراد من طبقات “دنيا” بالانضمام. وكذلك اختفى عن الأنظار أفراد الطبقة الأرستقراطية الذين كانوا سابقا موزعين عبر مجالس إدارة المؤسسات والشركات العمومية الكبرى.

والكثير من الذين يوجدون في عالم الشركات الكبرى وعالم المال لم يحصلوا على تعليم النخبة أو ماض متميز، بل جمعوا الكثير من المال والنفوذ. أولئك الذين يعملون في أعلى مؤسسات الدولة هم الأكثر أرجحية بأن يكونوا من المخزون الجيد للمؤسسة ويحصلون على أوسمة، ولكن أيضا يحصلون على دخل أقل ونفوذ مشكوك فيه.

ونظرا لتردي الروابط التعليمية والثقافية تختفي أيضا القيم المشتركة المرتبطة بالمؤسسة. كانت الروايات السابقة تقول إن “الوظيفة العمومية” مطمح نبيل للنخبة، فمثلما لاحظ جورج أوروال في سنة 1941 أن الطبقات العليا مهما بلغت درجة عدم جدواها فهي تؤمن بخدمة الوطن، حيث يقول “شيء واحد بيّن على الدوام بأن الطبقة الإنكليزية الحاكمة سليمة أخلاقيا إلى حد ما هو أنهم في زمن الحرب تجدهم مستعدون كفاية لتعريض أنفسهم للموت”.

وإذا لم يعد التمظهر الحالي للمؤسسة مترابطا بواسطة الطبقة المشتركة أو المصالح الجماعية، فكيف ستحافظ على التماسك؟ أحد الأجوبة هو التموضع في أفكار الليبرالية الجديدة: عن طريق الدعاية للدولة الصغيرة ومنظومة السوق الحرة وتخفيض الضرائب وتخفيض القوانين التنظيمية والعولمة وما إلى ذلك. حاليا تتقاسم النخب الحديثة المتفرقة أيديولوجيا تبرر وتحافظ على ثرواتها ومناصبها في السلطة.

المؤسسة العميقة لم تعد متماسكة أو متضامنة. وفشلها لا يؤدي فقط إلى المزيد من الانقسامات والتفاوت الاجتماعي والهشاشة في بريطانيا، بل يهدد أيضا حتى أسس حكم المؤسسة ذاتها

لكن بالرغم من مضي قرابة أربعة عقود من الهيمنة على المنظومة السياسية والاقتصادية لم تعد الليبرالية الجديدة على ما يبدو تقدم مثل تلك القاعدة المستقرة للحفاظ على سلطة النخبة وأرباحها. كل المفاتيح توجد في سيتي لندن الموجودة حاليا في قلب سلطة المؤسسة البريطانية.

وتطغى الليبرالية الجديدة والمصلحة الذاتية على القطاع المالي للعاصمة وهي تدفع بالقيم لتدوم زمنا أطول بكثير من أي مكان آخر في المملكة المتحدة، وفي هذا المكان بالذات كادت المؤسسة أن تمحو نفسها، وهو المكان أيضا الذي يرجح أن تنهي فيه المهمة في المستقبل.

وأي شخص يقضي وقتا يبحث حول سيتي لندن يمكنه أن يرى إمكانية انهيار الأشياء في فترة وجيزة. فلا أحد هناك يثق في أي شيء أو أي أحد آخر. لقد وثّق مؤلفون مثل فليب أوغر كيف أن موت “رأسمالية الجنتلمان” تبعت “الانفجار الكبير” لإزالة القيود التنظيمية الخاصة بسيتي لندن في سنة 1986. وبيّن جوريس أويندايك في كتابه الصادر في سنة 2015 حول عالم الصيرفة مدى الدمار الذي تحدثه الفترة المطولة من المصلحة الذاتية القائمة على الرشوة بالنسبة إلى من يعملون هناك.

وفي النهاية، يؤكد ديفيس، أن الجشع والمصلحة الذاتية التي لا تعرف الرحمة هي التي كانت تحرك سيتي لكن دون مسؤولية شخصية. وذلك يعني أن المنظومة برمتها كانت مهددة. بيد أن منطق الليبرالية الجديدة والمصلحة الذاتية غير المقيدة لها قدرة تدميرية على المؤسسة وكذلك بقية المجتمع فبعد مرور عقود أصبحت عيوبها وتناقضاتها أكبر بكثير من القدرة على معالجتها.

وهي كذلك المسببة لتناقض آخر يهدد المؤسسة، فبالرغم من خطابه الداعي للفردانية والمناهض للدولة ما يزال هذا النظام الجديد يعتمد على الدولة. إن النخب في حاجة إلى حكم القانون والأمن وبنية تحتية للنقل وقوة عاملة مقتدرة واستقرارا اجتماعيا لكي تعمل، لكن الليبرالية الجديدة تدعو إلى تقليص حجم الدولة إلى أقصى حد ممكن وتجمع موظفين أفقر وأقل مقدرة وتدعم التهرب الضريبي على نطاق واسع للشركات الكبرى والأثرياء جدا.

ويخلص ديفيس مشيرا إلى أن الخاصية المؤقتة على المستوى الدولي للنخبة الجديدة تعني أنها لا تهتم بالفضاءات أو المجتمعات أو القوى العاملة المهمة لخدمة الشركات الكبرى، إضافة إلى حاجاتهم الشخصية. وكل هذا يوحي بأن التمظهر الحالي للمؤسسة (إذا أمكن لنا أن نسميها كذلك حاليا) أمامه مستقبل محدود إلى حد كبير.

7