هل أصبح الاجتماع على مائدة الطعام تقليدا قديما

الأربعاء 2014/08/13
ينصح المختصون بأن يشارك الأطفال أسرهم في الاجتماع اليومي حول مائدة الطعام أربع مرات في الأسبوع على الأقل

في الوقت الذي ينشغل فيه الصغار خارج أوقات المدرسة، بألعاب الفيديو وتطبيقات التقنية الحديثة التي لا تنتهي والتي تلاحقهم كظلهم في كل مكان، يصبح التعبير اليومي “الطعام جاهز” والذي كان يعني في سالف الزمان “حان الوقت للاجتماع اليومي للأسرة حول مائدة الطعام” ، أشبه بمزحة قد لا تسترعي انتباه الصغار لثوان عدة، ليعودوا أدراجهم من جديد ويستأنفوا لعبهم.

تنبه متخصصون إلى أهمية هذا الاجتماع اليومي وتأثيره في نمو المهارات الاجتماعية للطفل، فشددوا على ضرورة أن يتخذ الوالدان موقفا صارما إزاء تجاهل صغارهم لنداء الطعام حول مائدة واحدة. وأشار باحثون في علم النفس إلى أن الأطفال الذين يشاركون أفراد أسرهم الاجتماع في وجبة طعام واحدة بصورة متواصلة، يظهرون مهارات اجتماعية أكبر من غيرهم، كما أنهم أكثر تركيزا في دروسهم وأقل إثارة للمشاكل أثناء فترة المراهقة، إلا أن الباحثين اشترطوا لتحقيق هذه المكتسبات أن يشارك الأطفال أسرهم في الاجتماع اليومي حول مائدة الطعام –على الأقل- أربع مرات في الأسبوع.

وتؤكد فيونا ستار، أستاذة علم النفس في جامعة ميدل سكس البريطانية، أن وقت الجلوس إلى الطعام يعد فرصة ذهبية للوالدين للتعرف إلى حقيقة ما يجري في حياة أبنائهم، إضافة إلى أن تبادل الأحاديث بين أفراد الأسرة ينمي مهارات الطفل اللغوية ويعلمه مبادىء الإصغاء. وترى ستار أن الأبوين يجب أن يستخدما بعض الصرامة في فرض النظام على سير الأمور حول مائدة الطعام، حيث لا يسمح باستخدام الهواتف النقالة ولا أجهرة الكمبيوتر أو أي من تطبيقات الألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية، لتحقيق الهدف الذي ينشدونه من هذا الاجتماع العائلي.

وأشارت نتائج أبحاث سابقة في هذا النطاق، إلى أن أسباب عدة يمكنها أن تمنع لم شمل الأسرة حول مائدة الطعام خلال أيام الأسبوع أو حتى في عطلة نهاية الأسبوع وأهمها، ساعات عمل الوالدين أو أحدهما والتي تمتد أحياناً حتى أيام العطل والإجازات الصيفية، كذلك إصرار الأطفال على متابعة برنامجهم التلفزيوني المفضل أثناء تناول الطعام، إضافة إلى إصرار البعض على تناول نوع معين من الطعام غير متوفر على المائدة التي أعدتها الأم، حيث يمتنع عن تناول الطعام المتوافر وبالتالي المشاركة بالجلوس إلى المائدة مع بقية أفراد الأسرة.

وفي وقت سابق على ذلك، أكدت نتائج بحث يتعلق بالعادات الغذائية أعده متخصصون في جامعة أوكلاهوما الأميركية وشارك فيع قرابة 24 ألف طفل صغير، على أن تناول وجبات الطعام المنتظمة مع بقية أفراد الأسرة من شأنه أن يعزز الأداء الدراسي والمهارات الاجتماعية بنسبة 10 في المائة، في حين أنه يقلل من تكرار السلوك السيىء بنسبة 8 في المائة. وكانت نتائج البحث التي نشرت في دورية علم نفس الأسرة أشارت إلى أن مشاركة أفراد الأسرة في تناول الطعام قد يقلل من احتمال التعرض لخطر إدمان المخدرات كذلك الإصابة بالاكتئاب في صفوف المراهقين.

الأطفال الذين يشاركون أفراد أسرهم الاجتماع في وجبة طعام واحدة بصورة متواصلة يظهرون مهارات اجتماعية أكبر من غيرهم

وعلل الباحثون نتائجهم هذه اعتمادا على ما يحققه اجتماع الأطفال ببقية أفراد الأسرة وبالوالدين خاصة، من شعور بالأمان والاستقرار العاطفي، حيث يمثل مجرد وجود الآباء بالقرب من ابنائهم في اجتماع ودي كهذا، ملاذا آمنا يعزز شعورهم بالثقة كما يوفر أجواء صحية لتبادل الآراء ولاستشارة الآباء في بعض القرارات اليومية واستنباط موافقتهم الضمنية في سياق الحديث.

ويبدو أن تناول الطعام في أوقات محددة وحول مائدة واحدة تجمع أفراد الأسرة، أصبح تقليدا قديما وسط ضجيج العمل وتسيد التقنية على جميع مناحي الحياة، حيث يتناول معظم الناس طعامهم وحيدين إلا من رفقة جهاز الكمبيوتر الشخصي أو الهاتف النقّال الذي صار البديل عن الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل أيضا.

ووفقا لمكتب الإحصاء الأميركي للسكان، اتضح أن 60 بالمئة من الأميركيين يتناولون وجبة الإفطار بمفردهم، و55 بالمئة منهم يتناولون طعام الغداء بمفردهم، أما الوجبة الوحيدة التي يتمتع بتناولها الغالبية العظمى من الناس هي وجبة العشاء بسبب التوقيت الذي يتلاءم مع عودتهم من أعمالهم ومع ذلك، تبين أن 32 بالمئة منهم مازالوا يقضون وقت العشاء بمفردهم. وهذا يرجع في الغالب، إلى طبيعة تكوين الأسرة الحديثة (خاصة في الغرب)، حيث اختفت التركيبة التقليدية التي تتكون من الأب والأم والأبناء، لتقتصر على الأم العزباء مع أبنائها أو العكس.

كما أشارت نتائج دراسة حديثة للمركز الوطني لمعالجة الإدمان وآثار إساءة استخدام العقاقير، في جامعة كولومبيا الأميركية، إلى أن الأطفال الذين لا يتناولون وجبات طعامهم الرئيسة مع بقية أفراد الأسرة وخاصة الوالدين إلا فيما ندر، يتراجع أداؤهم الدراسي بصورة واضحة كما أنهم يميلون إلى الوقوع في براثن تناول الكحول وتعاطي المخدرات، مقارنة مع الأطفال الذي يتناولون الطعام مع أسرهم بمعدل خمس مرات أسبوعيا على الأقل.

ومن ناحية أخرى، أثبتت الأبحاث الصحية أن الأطفال الذين لا يتناولون وجبات طعام منتظمة مع بقية أفراد الأسرة (أي أقل من مرتين في الأسبوع) عرضة للإصابة بمضاعفات صحية غير محمودة وأبرزها زيادة الوزن والسمنة بمعدل 40 بالمئة مقارنة بالأطفال الآخرين.

21