هل أصبح الكتاب الورقي موضة قديمة

في مقال “الكتب المتاحة إلكترونيا” للروائي السوداني أمير تاج السر يرى أن الموضوع ليس كارثيا أبدا، ويؤكد ليس كل الناس حتى لو كانوا عباقرة في خوض بحر الإنترنت، يفضلون القراءة بهذه الطريقة، التي تتعب العيون، ولا تمنح القارئ حرّيّة أن يتقلّب على جنبه، أو يتكئ وهو يقرأ. “العرب” استطلعت آراء بعض الكتاب والناشرين حول ظاهرة قرصنة الكتب والكتب الإلكترونية.
الاثنين 2016/01/25
الكتاب الورقي سيستمر هو الأول

أصبحت مسألة قرصنة الكتب والكتب الإلكترونية ظاهرة ملفتة، حتى أن بعض الكتّاب يطالبون قراءهم بضرورة قرصنة كتبهم، كما أعلن الروائي باولو كويلهو “أرحب بكم لتحميل كتبي مجانا، وإن أعجبتكم الكتب يمكنكم شراء النسخة الورقيّة منها، هكذا سنخبر دور النشر أنّ الجشع لن ينفعها”.

أوضحت دراسة أجريت عام 2009، أن معظم القراء يحبون الكتب الورقية، لكن عند مقارنة أداء الدقة والسرعة في القراءة كانت مستويات الكتب الإلكترونية أعلى، ويمكنك في أي وقت تحميل أي كتاب والسهر لقراءته طول الليل، ويمكنك اختيار حجم الخط. ولكن هناك أنواعا من الكتب بحاجة إلى قراءة تأملية، والاستماع إلى صوت تقليب الصفحات، وإذا كانت الكتب الإلكترونية تعطيك ميزة القراءة السريعة، فهذه ليست بالضرورة شيئا جيدا.

أمر واقع

علي مولاهو المساهم في رفع أكثر من 100 ألف كتاب على شبكة الإنترنت، ومؤسس أشهر منتدى “مكتبة الإسكندرية”، يقول: أعتقد أن تصوير الكتب قد ساهم في التعريف بالكثير من الكتّاب المجهولين لدى معظم القرّاء العرب وقد لاحظنا في المنتديات أن الكتب التي نصورها ونرفعها يتم الطلب على نسخها الورقية وتنفد بسرعة بعد الإعلان المجاني الذي يلقاه الكتاب في المنتديات وعلى صفحة التواصل الاجتماعي، الفيسبوك، لقد استفاد الجميع من اتساع نطاق دائرة القرّاء. وستبقى مسألة حقوق الملكية مثار جدل. مع ملاحظة تحتها مليون خط: إنني لم أصور الكثير من مؤلفات الكتاب العرب ومن اعترضوا على ذلك.

في العام 2005، عندما قررت التفرغ للقراءة بعد أن جذبني عالم الكتب المتوفرة على النت، ولكن ما كان متوفرا لم يلبّ رغبتي وحاجتي، فقررت البحث عن طريقة للحصول على الكتب من الدول العربية. وبعد البحث اهتديت إلى شخص سوري يعمل في تلبية طلبات الجالية السورية، فبدأت تتوالى حوالات الكتب تباعا، وبدأت أعاني من عدم توفر الكتب التي لاقت استغراب كل المكتبات والأماكن التي يبحث لي فيها عن كتب. نظرا إلى ندرة من يهتم بمثل عناوينها وندرة عدد النسخ التي تمّت طباعتها. مما جعل صاحب مكتبة محترم، وقد تفهم مدى رغبتي في تكوين مكتبة قيمة، يضطرّ للاتصال بمعظم المكتبات العربية والبحث عن العناوين المطلوبة ولو بأسعار مضاعفة، لمساعدتنا.

خالد معالي: أي نشر غير قانوني هو سرقة لحقوق المؤلف والناشر والمترجم
يتابع: في البداية كنت أختار الكتب التي تهمني شخصيا فقط والتي أرغب في قراءتها. ولكن بعد أن بدأت برفع الكتب وما لاقته من صدى اتسعت نوعية الكتب التي تهم طلبة العلم والباحث عن المعرفة مع مراعاة أن تكون ذات قيمة فكرية عالية بعيدا عن الكتب الدينية المتكررة بمؤلفين وعناوين مختلفة فقط. وكتب التنمية البشرية التي تداعب أحلام المراهقين بالثراء والمكانة الاجتماعية دون عناء، وكتب الطبخ والسحر، والكتب ذات العناوين التجارية الرنانة دون مضمون فكري. دائما أختار المؤلف أولا ومن ثم عنوان الكتاب ثانيا، وقبل وضعه على قائمة البحث كنت أقرأ نبذة دار النشر إلى أن أصل إلى قناعة بأن الكتاب قيّم ويستحق عناء البحث، ومن ثم تصويره. لذلك لم أوفق في الكثير من مؤلفات الكتاب العرب رغم تفننهم في صياغة عناوين رنانة.

أما صفحة المشروع على الفيسبوك والتي شعارها “مشروع الكتاب الإلكتروني في يد الجميع”، فكان رد المسؤولين عليها: إننا لا نلاحظ أن نشر أي كتاب إلكتروني يفسد صناعة النشر، وإلا لأعلن الكثير من دور النشر إفلاسه، الحقيقة أن النشر الإلكتروني يسهم في انتشار الكتب، ونحن مؤمنون أن جمهور الكتاب الورقي أكبر وأهم بكثير من جمهور الكتاب الإلكتروني، هذا من جهة، من جهة أخرى نتمنى أن تضع دور النشر في اعتبارها عدم قدرة الكثير من القراء على شراء الكتب نظرا إلى أسعارها الباهظة، فتكون بسعر معقول حتى يتمكن الجميع من شرائها حتى لو نشرت إلكترونيا.

العام الماضي انتشرت على صفحات الفيسبوك روابط تحميل ثلاثة كتب شعرية مترجمة حديثة الإصدار، من منشورات دار الجمل وقيل وقتها إن هذا النشر تم بالاتفاق مع الدار. سألنا الناشر خالد معالي عن الأمر، يقول: لم يكن هناك أي اتفاق.

ويضيف معالي: أي نشر غير قانوني هو سرقة لحقوق المؤلف والناشر والمترجم، وعلى المدى البعيد سيؤثر على التوزيع الورقي للكتاب، ولكنه حتى الآن -أي النشر الإلكتروني- لم يسهم في تطوير القراءة، بمعنى أنه لم يسهم في زيادة عدد القراء وفي وعيهم. ولا علاقة لأسعار الكتب بالقرصنة في الأغلب، الأمر يتعلق بالاستحواذ المجاني، أعرف من الكُتاب من يقومون بهذا التزوير. وعن كيفية مواجهته كناشر لقرصنة كتبه يقول خالد معالي: لا حول لي ولا قوة في بلاد العرب.

حماية الحقوق

من جهتها ترى المستشارة الإعلامية لدار هاشيت أنطوان- نوفل، جنان جمعاوي، أن حماية حقوق الملكية الفكرية بالنسبة إلى الناشر العربي تعتبر مشكلة مؤرقة، لأن الكثير من الدول العربية لا تملك حتى القوانين اللازمة لحماية هذه الحقوق، في حين أن الدول التي تملك تلك القوانين، لا تملك الأدوات لتطبيقها.

جنان جمعاوي: حماية حقوق الملكية الفكرية بالنسبة إلى الناشر العربي تعتبر مشكلة مؤرقة

تقول: حاليا يقوم الناشر العربي، وحتى مؤسستنا دار هاشيت أنطوان، بمبادرات فردية لحماية حقوقه عبر التواصل مع المقرصن، لحمله على إزالة المادة المقرصنة عن منصته الإلكترونية، أو بالذهاب أبعد للتواصل مع القيمين على هذه المنصة الإلكترونية لإزالة هذه المواد المخالفة للقانون. والمؤسف أنه عندما تكون المنصة أجنبية تصبح حماية الملكية أسهل، مثلا لو افترضنا أن عملا مقرصنا ومتوفرا على موقع “4shared”، بإمكانك مباشرة التواصل مع المعنيين بالموقع لإزالة هذا العمل، والأمر ينطبق على “مستندات غوغل” أو الفيسبوك أو غير ذلك من المواقع التي تحترم نفسها.

وتوضح جنان جمعاوي بخصوص ما يتردد حول الثمن المرتفع للكتاب قائلة: تلك الحجة تنطوي على تضليل، لأن أغلب دور النشر العربية تبيع كتبها بأسعار تلائم السوق العربي، وقد أقول بخسة مقارنة بسعر الكتاب في الدول الأجنبية، أو حتى بالمقارنة مع كلفة صناعة الكتاب. برأيي لا يوجد أي سبب يبرر لأي كان إيذاء الآخرين، وأقصد هنا الكاتب بالدرجة الأولى ثم الناشر، ومقرصن الكتب يؤذي الكاتب والناشر على السواء.

وتردّ محدثتنا على الاتهام الموجه للكاتب من حيث أنه سبب في نشر كتبه إلكترونيا بالقول: نعم هذا صحيح، سمعت عن هذا، حتى أن أحدهم مرة أرسل لي رابطا كي أحمّل روايته. دعونا هنا نميز بين نوعين من الكتّاب؛ ثمة كتّاب ينشرون كتبهم مع دور نشر تلزمهم بأن يدفعوا ثمن الكتاب. عن هؤلاء، أقول إنهم أحرار في ما يفعلونه بكتابهم، يعرضونه بالمجان، أو يتيحونه على المواقع الإلكترونية، هؤلاء غالبا لا يبغون الربح -وإن كانت صناعة الكتاب لا تؤتي بالربح الكبير- وإنما الانتشار أو الشهرة. أما الكتّاب الذين يتعاقدون مع دور نشر محترمة، بمعنى أنهم لا يدفعون سنتا من ثمن إنتاج الكتاب، لا بل يقبضون حقوقهم كاملة سنويا، فهؤلاء حريصون أكثر من الناشر نفسه لحماية حقوقهم.

تتابع: حاليا تقوم دور النشر اللبنانية، في إطار النقابة، بالتفاوض لإيجاد حل نهائي للقرصنة، عبر تلزيم شركة تقوم بـ”تنظيف الإنترنت”. وهو عمل جبار وقد يتطلب وقتا طويلا، ولكنه بات ضروريا، لما تلحقه القرصنة من إساءة بالكتاب وكاتبه وناشره. وتابعت: لا أعرف بالضبط إن كانت القرصنة الإلكترونية قد أثرت على الكتاب الورقي، ولكن الأكيد أن التزوير أو الكتاب المزور يؤثر على الكتاب الورقي.

15