هل أصبح عمالقة التكنولوجيا أكبر من اللازم أو المقبول؟

إعلان مجموعة العشرين عن سعيها لوضع قواعد ضريبية عالمية موحدة يمثل أكبر جبهات مطاردة نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة.
الأحد 2019/06/16
على طاولة التدقيق الشامل للحد من النفوذ الجامح

 تسارع السباق العالمي لترويض عمالقة شركات التكنولوجيا بعد أن انفجرت قوتها ونفوذها وأصبحت خارج قدرات السلطات التنظيمية على مراقبتها، خاصة أن معظم أنشطتها عابرة للحدود ومشفرة.

في الماضي كان العالم يتحدث عن نفوذ شركات النفط والصناعات التقليدية والمصارف الكبرى، لكن جميع تلك الشركات أصبحت ضئيلة ولا تكاد قيمتها السوقية تذكر عند المقارنة بشركات التكنولوجيا، التي تهيمن دون منازع على صدارة قائمة أكبر الشركات العالمية.

لم تعد مطاردة الدول الكبرى لشركات التكنولوجيا تقتصر على جموح نفوذها المالي والاقتصادي بل تمتد إلى انتهاك الخصوصية ومراقبة الأفراد والتأثير في المجتمعات، وصولا إلى صناعة الرأي العام وتهديد النظام السياسي من خلال التأثير في الانتخابات.

في البداية كانت القمة الطافية من جبل الجليد، هي عدم دفع تلك الشركات لحصة عادلة من الضرائب والرسوم مقارنة بما تدفعه الشركات التقليدية، التي تسارعت وتيرة انهيارها لعدم قدرتها على مجاراة شركات التكنولوجيا.

وأصبحت الشكاوى تتصاعد ضد نفوذ شركات التكنولوجيا، الذي يقوض النشاطات التقليدية ويشطب الوظائف المحلية، دون أن تدفع ضرائب في الأماكن التي تجني فيها الإيرادات، الأمر الذي يقلص إيرادات الحكومات والسلطات المحلية وبالتالي قدرتها على معالجة المشكلات الناجمة عن غزو شركات التكنولوجيا.

جهود عالمية موحدة

في الأشهر الأخيرة اتسعت جبهة مطاردة نفوذ عمالقة التكنولوجيا بدرجة كبيرة ويبدو أنها تتجه لمزيد من الاتساع بعد أن تم وضعها على طاولة اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنك المركزي لمجموعة العشرية، التي تضم جميع القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.

ومن المقرر أن توضع قيد التمحيص والتدقيق بدرجة أكبر حين تكون على طاولة زعماء قمة العشرين في مدينة أوساكا غرب اليابان نهاية الشهر الحالي.

وأكدت مجموعة العشرين أنها ستعمل على وضع قواعد ضريبية عالمية لتصبح أكثر فعالية في تحصيل الضرائب من كبرى شركات التكنولوجيا وهو تحرك غير مسبوق يغلق منافذ إفلاتها من خلال الفجوات في تشريعات الدول المختلفة.

وتعهد البيان الختامي للاجتماع الوزاري بمواصلة التعاون من أجل “نظام ضرائب عالمي نزيه ومستدام وعصري” يشمل التبادل التلقائي لمعلومات الحسابات المالية من أجل أهداف تتعلق بالضرائب.

إليزابيث وارن المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية تطالب بتفكيك شركات التكنولوجيا العملاقة
إليزابيث وارن المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية تطالب بتفكيك شركات التكنولوجيا العملاقة

وقال وزير المالية الألماني أولاف شولتز إن “العديد من الشركات الكبرى لا تدفع الضرائب التي ينبغي عليها دفعها بالفعل، لاسيما شركات الاقتصاد الرقمي” وكانت الولايات المتحدة وفرنسا والصين من أبرز مؤيدي ذلك التوجه.

ويتصدر الاتحاد الأوروبي الجهود بوضع قوانين جديدة تمتد من حماية الخصوصية والبيانات إلى قواعد مشددة لحقوق النشر الإلكتروني وصولا إلى مطاردة عمالقة التكنولوجيا لإجبارهم على دفع حصة ضريبية عادلة.

ويحفل السجل الأوروبي بإيقاع غرامات كبيرة على تلك الشركات مثل إجبار أبل على دفع 14.5 مليار دولار لجمهورية أيرلندا بسبب حصولها على تسهيلات ضريبية غير عادلة تضر بالمنافسة.

 معركة أميركية أولا

لكن الميدان الأكبر للمعركة يبقى في الولايات المتحدة لأنها أكبر اقتصاد في العالم، ولأن جميع شركات التكنولوجيا الكبرى هي أميركية، لذلك فإن ما يحدث هناك هو المؤشر الأكبر على ما ينتظر تلك الشركات، التي تخضع بالفعل لعدد كبير من التحقيقات القضائية والتنظيمية.

وتتحرك وزارة العدل الأميركية ولجنة التجارة الاتحادية للتحقيق في الممارسات التجارية لغوغل وفيسبوك وأمازون وأبل القائمة على جملة من الانتهاكات.

لكن العنوان الأكبر هو إطلاق اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي تحقيقا غير مسبوق يستهدف إجراء “مراجعة شاملة للقوى التي تحتكرها شركات التكنولوجيا العملاقة” في لهجة غير مسبوقة تختزل المخاوف الكثيرة من تعاظم نفوذها في إطار أوسع من ملفات التحقيق المحددة.

وتتضح أبعاد هذا التوجه في تحول القضية إلى موضوع انتخابي، حيث أعرب مرشحان عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عن دعمهما لفكرة تفكيك أكبر الشركات التكنولوجية المهيمنة بحجة أن قوتها تجاوزت الحدود المقبولة.

ووصف ديفيد سيسيلين النائب الديمقراطي عن ولاية رود آيلاند، الذي يرأس اللجنة الفرعية لمكافحة الاحتكار في مجلس النواب، هذه الإجراءات بأنها “الملاذ الأخير”.

لكن بعض الخبراء يقولون إن تلك الخطوات ستستغرق بعض الوقت ولن تظهر نتائجها سريعا. وهنا تكمن إحدى المشكلات وهي أن سرعة تقدم نفوذ شركات التكنولوجيا أسرع بكثير من قدرات الملاحقة بالوسائل التقليدية البطيئة.

وحتى إذا تمكنت غوغل وفيسبوك وأمازون وأبل من خطر التفكيك في المنظور القريب، فإن ذلك لا يعني أنها لن تواجه الكثير من القيود الجديدة التي يمكن أن تكبح نفوذها. وهنا نظرة على القضايا التي يمكن أن تواجهها تلك الشركات والدفاعات التي قد تلتجأ إليها.

هيمنة فيسبوك

رغم أن فيسبوك هي الخامسة عالميا ولا تزيد قيمتها على نصف قيمة مايكروسوفت التي تنفرد حاليا بتجاوز حاجز تريليون دولار، إلا أن امتلاكها لنحو 2.3 مليار مستخدم يجعلها في صدارة الشركات المستهدفة بالتحقيقات خاصة بعد الفضائح المتعلقة باختراق بيانات المستخدمين واستخدامها كمنصة للتأثير في الانتخابات.

وتحقق السلطات الأميركية في ممارسات فيسبوك المتعلقة بالخصوصية وكذلك بقانون المنافسة ومكافحة الاحتكار، حيث تتصاعد الدعوات لتحرير واتساب وإنستغرام من فيسبوك.

وطالبت المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأميركية إليزابيث وارن بتفكيك عمالقة التكنولوجيا. وأعلن المرشح الرئاسي ونائب الرئيس السابق جو بايدن أنه لا يعارض الفكرة، بل إنها تلقت دعما من كريس هيوز، المؤسس المشارك في فيسبوك وزميل الغرفة السابق لمارك زوكربيرغ.

ووضعت وارن خططا لتشريعات تستهدف الشركات التي يتجاوز عائدها السنوي 25 مليار دولار، بهدف الحد من قدرة عمالقة التكنولوجيا على التوسع ودفع فروعها إلى العمل ككيانات منفصلة.

وجاءت فكرة الحاجة لتفكيك فيسبوك بسبب قدرتها على سحق منافسيها عن طريق شرائهم أو استخدام مواردها الضخمة لتقليد الخدمات التي يقدمونها. وحدث هذا مع سناب شات.

شركات التكنولوجيا متهمة بالتهرب الضريبي والاحتكار وانتهاك الخصوصية وتهديد النظام السياسي من خلال التأثير في الانتخابات
شركات التكنولوجيا متهمة بالتهرب الضريبي والاحتكار وانتهاك الخصوصية وتهديد النظام السياسي من خلال التأثير في الانتخابات

واستشعرت فيسبوك ذلك الخطر وأعلنت تأييدها لتنظيم نفوذها. وقال المتحدث باسمها نيك كليغ مؤخرا إن فيسبوك “تعترف بأن النجاح يتضمن الخضوع للمحاسبة” لكنه أكد أن المحاسبة لا يجب أن تفرض تقسيم شركة ناجحة.

وأقر الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ بضرورة وضع “قواعد جديدة” تنظم أربعة مجالات هي المحتوى الضار ونزاهة الانتخابات والخصوصية وحماية البيانات، لكنه أكد أن فيسبوك لديها منافسون في مجال الاتصال الرقمي، مثل أبل وغوغل.

وقالت أستاذة القانون بجامعة نيويورك إليانور فوكس إن تفكيك فيسبوك لن يكون سهلا نظرا لتركيز قانون مكافحة الاحتكار على الشركات التي ترفع الأسعار أكثر مما يجب، بينما يبقى الفيسبوك مجانيا.

وتستأثر غوغل وفيسبوك بربع الإنفاق العالمي على الإعلانات الرقمية.

نفوذ غوغل

تنفرد غوغل بكونها محرك البحث الرئيسي في العالم وأكبر موفر لخدمات البريد الإلكتروني لتصبح منصة الإعلان الرئيسية. وبدأت الجهات التنظيمية في دراسة فكرة الحد من ذلك النفوذ الواسع.

ويقول المنتقدون إن هيمنة محرك البحث سمح لغوغل بسحق منافسيها، لأنها تملك السلطة الكافية لعرض منتجاتها الخاصة على حساب الخدمات التي يقدمها المنافسون.

ويدعو سانديب فايسان، مدير اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح، إلى تفكيك ذلك الاحتكار قائلا إن غوغل قد تجادل بأنها ليست ملزمة بالتعامل مع منافسيها، لكنها حجة واهية سبق أن قدمتها شركات أخرى حين واجهت تحديات مماثلة.

وواجهت غوغل عددا من التدقيقات على مستوى الممارسات التي توظفها لدعم منتجاتها على الهواتف الذكية. ويقول البعض إن الشركة تفرض تحيزا للصفات التي تخدم مصالحها الذاتية على صانعي الهواتف الذكية الذين يستخدمون نظام تشغيل أندرويد.

 قد تجادل الشركة أن مستخدمي أندرويد يحبذون منتجاتها ويريدونها على هواتفهم. وقد يصعب على القوانين الحالية إثبات تمتع غوغل بسلطة احتكارية رغم أنه أمر واضح يراه الكثير من الناس.

 قبضة أمازون

كريس هيوز المؤسس المشارك لموقع فيسبوك انضم إلى الأصوات الداعية إلى تفكيك شركات التكنولوجيا الكبرى
كريس هيوز المؤسس المشارك لموقع فيسبوك انضم إلى الأصوات الداعية إلى تفكيك شركات التكنولوجيا الكبرى

لا تختلف المعركة مع أمازون، التي تطورت من منصة لبيع الكتب عبر الإنترنت إلى شركة عملاقة في مجال التجارة الإلكترونية، وهي تتعرض لضغوط أميركية وانتقادات من الرئيس دونالد ترامب بسبب تأثيرها المدمر على التجارة التقليدية.

كما تجري هيئة مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي تحقيقا حول ما إذا كانت أمازون تستخدم البيانات التي تجمعها لاكتساب ميزة على زبائنها ومنافسيها، لكن التحقيق لا يزال في مرحلة مبكرة.

ويقول الخبير ديفيد سيسيلين إن أمازون تحدد المنتجات الأكثر مبيعا وتوزع نسخا مشابهة تحت علامتها الخاصة لتوجه الزبائن نحو منتجاتها على حساب منتجات منافسيها.

ويؤكد مؤسس شركة أمازون ورئيسها التنفيذي جيف بيزوس أن الشركة تعتبر لاعبا صغيرا في التجارة العالمية، وأن أعدادا كبيرة من التجار تستفيد من خدماتها في البلدان التي تنشط فيها.

لكن هيمنة أمازون على التجارة الإلكترونية واضحة للعيان، حيث من المتوقع أن تصل حصتها في الولايات المتحدة إلى 52 بالمئة مقارنة بنحو 38 بالمئة في العام الماضي، ووصل نفوذها إلى إنشاء المطارات الخاصة بها لتسهيل نقل الكميات الهائلة من بضائعها.

احتكار أبل

في 11 يوليو 2008، أطلقت شركة أبل متجر التطبيقات الرائد الذي أتاح إمكانية الوصول الفوري إلى الخدمات التي تمنحها. وفي غضون شهر، باع المتجر 60 مليون تطبيق وبلغت إيراداته اليومية مليون دولار، لكن المتجر أصبح كذلك مساحة تتحكم فيها الشركة بجميع الاشتراكات والمشتريات الأخرى التي تتوسطها التطبيقات.

ومن المرجح أن يركز أي تحقيق لوزارة العدل على قدرة أبل على التسعير لـ”خنق منافسيها”.

وسمحت المحكمة العليا الأميركية للمستهلكين مؤخرا بملاحقة المجموعة قضائيا في ما يتعلق بإدارتها لمنصتها لتحميل تطبيقات المتجر.

ويؤكد صانعو التطبيقات أن أبل تريد اكتفاء مستخدميها بخدماتها الخاصة. ويقول العديد من صانعي التطبيقات الخاصة بهواتف أبل الذكية إنهم طردوا من المتجر بعد فترة  قصيرة من طرح أبل لخدمات مشابهة لخدماتهم.

وتدافع أبل بالقول إنها تحظر التطبيقات التي تحتوي أخطاء برمجية قد تهدد خصوصية المستخدمين. وتشير إلى أن قواعدها تشبه تلك التي يعتمدها التجار في اختيار المنتجات التي يعرضونها. وتؤكد أن متجرها يتضمن تطبيقات منافسة لمنتجاتها، مثل خرائط غوغل ومتصفح غوغل كروم.

لكن أبل تفرض رسوما نسبتها 30 بالمئة على التطبيقات المدفوعة، فضلا عن صفقات الشراء المدمجة بالتطبيقات، مما يجعلها موضع نقد.

ومن المتوقع أن يحقق متجر التطبيقات نحو 16 مليار دولار من العوائد هذا العام. وتقول أبل إن أرباحها تغطي تكاليف نشاط متجر التطبيقات، بما في ذلك تعيين أشخاص لمراجعة التطبيقات.

ويمكن أن تحاول هيئات مكافحة الاحتكار فرض قيود تقلل نسبة الرسوم، وقد تصل إلى إجبارها على تحرير متجر التطبيقات. وقد يؤثر ذلك الإجراء سلبا على مصالح المستهلكين الذين يمكن أن يجدوا صعوبة في استخدام منتجاتهم.

ويرى دانييل إيفز من شركة ويدبوش للأوراق المالية أن تفكيك الشركات عملية معقدة تشبه عمليات فصل التوائم المتلاصقة.

17