هل أضحت قراءة الصحيفة الورقية عودة إلى الجذور

الخميس 2014/01/02
الصحيفة الورقية لها نكهة خاصة في القراءة

البصرة - اختلف أدباء وكتاب وصحفيون عرب من أجيال مختلفة حول أهمية الصحيفة الورقية بالنسبة إليهم في زمن الصحف الإلكترونية.

وعبروا في أحاديث لـ”العرب” عن توجهات يفضل بعضها لذة المطبوع، وأخرى الاتساق مع التطور المتصاعد للصحافة الإلكترونية.

وتطرق القاص محمد خضير في كتابه “السرد والكتاب.. استعمالات المشغل السردي” إلى ما يشبه الحنين إلى القراءة الورقية بقوله “قراءة الجريدة اليومية عادة اكتسبناها صغاراً ثم تمكنت من شبابنا وأغوتنا بدهائها وطراوتها… فلما طعنا في السن وعتقت القراءات، غدت قراءة الجريدة عودة إلى الجذور واسترجاعاً لصحائف الأيام الماضية فكأني استرجع لذة الانتظار التي تسبق قدوم الصحف من العاصمة، وكنا نستقبل أسماء المقالات المرموقة بالوقوف ساعات أمام موزع الجرائد أو باعتها عند أركان الأسواق …”.

وسمع خضير الحاصل على جائزة العويس الأدبية والذي يعد من بين أهم القاصين العرب، في المدرسة الإعدادية بالبصرة – وبالتحديد عن ثلاثينيات القرن العشرين – عن مدرس سمع بكتاب نادر مخزون في مدينة النجف فركب سفينة شراعية كانت وسيلة النقل المتوفرة آنذاك وبعد سفرة طالت شهرا في النهر عثر على خازن الكتاب فاستنسخه منه وعاد بضالته إلى البصرة تسبقه سعادة.

وقبل سنوات كانت الصحافة تعتمد كلياً على الورق، فهو سيد الموقف ومليكها المقتدر، فكانت المكاتبات والمواد ترسل عبر البريد وبمظروف يحمل طابعاً في طرفها، أو ترسل باليد، أما الآن فالصحيفة تدار إلكترونياً، وربما يعمل كادر الجريدة مع أفراد لم يرهم وجهاً لوجه، وازداد التطور يوما بعد يوم، لكن نكهة الصحيفة الورقية والكتاب الورقي قد صارت في خبر (كان) بعد أن تحولت معظم الصحف إلى إصدار نسخة رقمية.

ويرى الرسام والناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي أن الحياة تفرض متغيراتها التقنية، وتقع مسألة النشر الإلكتروني في مقدمة ما يخص الأدباء من هذا الأمر، ولكن بسبب الأمية الإلكترونية السائدة ضمن أدبائنا العراقيين لم تنجح حتى الصيغ التقليدية في النشر الإلكتروني في فرض وجودها في أوساط القراء.

وعزا الصالحي الأمية الإلكترونية لبعض الأدباء إلى الوجود المادي حيث التمكن من حيازة آلاف مؤلفة من المراجع والكتب في حيز صغير ومنها قدرتها على التناسخ اللانهائي إلى ما شاء لها الإنسان من النسخ المجانية.

وقال “إن الأحكام العدائية ضد القراءة الإلكترونية مصدر غالبيتها الجهل بالموضوع إلا أنها تتخذ لبوسا أحيانا رومانسيا حالما مدعيا (الطعم) الخاص للقراءة الورقية وأحيانا لبوسا (علميا) مدعيا مخاطر شتى على النظر وغيرها.. ونحن نرى أنه حتى في هذه القضية فنحن ندخلها متأخرين عن العالم بمسافة نتفنن في ملئها ذرائع ستسحقها عجلة الحياة المتقدمة أبدا”.

محمد خضير
قراءة الجريدة اليومية عادة اكتسبناها صغاراً ثم تمكنت من شبابنا وأغوتنا بدهائها وطراوتها.. فلما طعنا في السن وعتقت القراءات، غدت قراءة الجريدة عودة إلى الجذور واسترجاعاً لصحائف الأيام الماضية

وأوضح “الكتب الإلكترونية صارت أكثر رواجاً، فقد أكد لي أحد الأدباء –ودون ذكر اسمه – منعا للإحراج، أنه يود بيع مكتبته المنزلية بما تحمل من نفائس لأن الكتب تأخذ مساحة كبيرة من منزله المتواضع في حين يمكن تحميلها إلكترونيا في جهاز حاسوب، وهو بدوره لا يأخذ مساحة أكبر من مساحة مجلد (ألف ليلة وليلة) في الرف، فتصور الفرق في المساحة!!”.

أما الشاعرة السورية مرام المصري، فتفضل الصحيفة الإلكترونية وذلك بسبب انشغالاتها الدائمة وسفرها، حيث قالت “طبعا لا شيء يعادل الكتاب وجمال الكتاب وعلاقة الكتاب الحسية. ولكن الزمن حولنا من قراء جرائد إلى قراء صفحات إلكترونية . الأيباد والكمبيوتر المحمول وسرعة الحياة وتغير نمطها كالسفر الدائم، الفيسبوك شبكة العلاقات الاجتماعية والربيع العربي وغلاء الصحف والكتب وصغر المساحات المنزلية جعل مني قارئة للصفحات الإلكترونية”.

وقالت الرسامة ايفان الدراجي “الإحصاءات اليومية تقول إن أغلب الناس يتجه إلى الإنترنت ليبحث عن الخبر من مصادر مختلفة عوضا عن اقتناء الصحف الورقية التي ما زال يتربع على عرشها وبكل نرجسية بعض الأقلام التي تعتبر نفسها صفوة النخبة بينما هي أقلام تهلهل لأية جهة يمكن أن تشتريها ببعض الدولارات متناسية تماما أنها تنقرض، وأن هناك فضاءً حرا أوسع يبتلعها يدعى الإعلام الإلكتروني المتاح للجميع كاتبا كان أو قارئا والذي لا يمكن أن يكون أبدا حصرا على فئة ما دون أخرى كما تمارس هي الإقطاعية مع ساحات صحفها الورقية”.

الأمية الإلكترونية السائدة لم تنجد حتى الصيغ التقليدية في النشر الإلكتروني

أما الصحفي صباح محسن جاسم فقد رجح الإثنين على جودتهما، لأن لكل مكان مقالا على حد قوله “موضوع القراءة يعتمد على التعوّد والتطبّع، على أن الوسائط الإعلامية بما توصلت إليه من ثورة في التقنيات الحديثة حتما سيكون لها تأثيرها من قبيل التأسيس للتسهيلات التي يميل إليها القارئ مع تقدمه بالضرورة.. وهو عاجز عن رفضها سيما أن تواترت عليه بالمعلومة السريعة وبحجم ونوع الخط المريح وحتى البدائل من مصادر يسهل العثور عليها بمجرد ضغطة بسيطة على الماوس».

وأضاف “من خلال التجربة وجدت أن قراءتي النقدية لرواية من الروايات تحتاج إلى تأشير العبارات التي أجدها تخدمني في قراءتي التحليلية أسهل على الورق مما هو مدون إلكترونيا”. وقال عبدالحفيظ حسانيا محرر موقع (توانسة) الإلكتروني “إن الجريدة الورقية لها قراؤها أو متصفحوها المواظبون، ازدهرت في القرن العشرين، وخاصة في فترة الحرب العالمية الثانية في الدول النامية، وتراجعت مبيعاتها نوعا ما مع الغزو الرقمي، وأكبر دليل على ذلك التايمز الأميركية التي توقفت عن إصدار طبعتها الورقية واكتفت بالإلكترونية”.

وأضاف “الكتاب تراجع في الدول العربية، لكن في العالم يبقى الكتاب خير أنيس، وأكبر دليل المجتمعات الأوروبية التي تتشبث بالكتاب وترى أفرادها يقرؤون في القطارات والحافلات، في الحدائق وفي عطلهم السنوية وعلى شاطئ البحر. والنسخة الإلكترونية فقط تعتمد الاختصار في الكتابة وتمرير المعلومة بسرعة”. ويفضل أردلان حسن محرر مجلة معارج الألمانية القراءة الإلكترونية لأنها أوفر وأسرع وبالاستطاعة القراءة في كل مكان دون أي قيد أو شرط، ولكن الروايات والكتب فيفضلها ورقيا لأن في ذلك هدوء واسترخاء للعقل والروح حسبما أشار.

الكتاب يمثل أهم وسيلة من وسائل الحصول على المعرفة، خلافا للمقال في الجريدة أو الموقع الالكتروني

وقال الشاعر حسين عبد اللطيف إن الكتاب الورقي له نكهة خاصة في القراءة، فرائحة الكتاب الورقي تضيف نوعاً من الروعة، على العكس من القراءة بوساطة الآلة الإلكترونية، إضافة إلى الجانب البصري والوضوح والتعدد اللوني، والكتاب تستطيع أن تحمله في أسفارك ورحلاتك ولا يحتاج إلى واسطة تشغيلية مثل الكهرباء، حتى إن بعض الدول الأجنبية المتقدمة تطبع الكتاب بحجم صغير أو ما يسمى بـ (حجم الجيب) لسهولة نقله وقراءته في الرحلات .. وأضاف “أن بورخس يحب قراءة كتاب ألف ليلة وليلة بطبعة معينة مصنوعة من الورق الأصفر وهي التي يرغب في قراءتها دون النسخ المطبوعة الأخرى”.

وأوضح الناقد جميل الشبيبي أنه على الرغم من الانتشار الواسع للمقال الإلكتروني بعد شيوع شبكة الإنترنت وتسلطها على معظم المتطلعين إلى المعرفة، إلا أن الكتاب يمثل أهم وسيلة من وسائل الحصول على المعرفة، فهو، في شكله الثابت الذي لا يمكن تحريفه أو التلاعب به كمصدر موثوق بكاتب معين وأيضا بمصادره الموثقة في نهايته أو في نهاية كل صفحة، يعطي انطباعا بموضوعيته وعلميته خلافا للمقال في الجريدة أو الموقع الإلكتروني اللذين يتسمان بوجهة النظر الاستهلاكية ذات المعلومة المكثفة التي تعتني بالتوصيل السريع.

ويعزو الشبيبي سبب ذلك إلى الاهتمام بالعلمية العالية والتوثيق، باستثناء البحوث العلمية والأدبية التي تنشر على شبكة الإنترنت، من قبل باحثين جادين لكنها تبقى معلقة في الشبكة العنكبوتية دون عناية من أحد، بسبب طبيعة هذه الشبكة التي تحث على المتابعة السريعة وعدم التوقف عند شيء معين، فكل شيء متاح فيها يدفع المتلقي إلى التصفح دون القراءة المعمقة، كما هو شأن تصفح الجريدة اليومية حيث الاكتفاء بالعنوان أو قراءة بضعة أسطر منها .

18