هل أطاح السراج بمخطط للانقلاب عليه أم استبعد باشاغا أبرز منافسيه

وزير الداخلية كان في تركيا عند إيقافه عن العمل وإحالته إلى التحقيق.
الأحد 2020/08/30
فصل جديد من الصراع يدفع ثمنه الليبيون

الصراع على المرحلة القادمة ومن سيكون فيها الرجل رقم واحد فجرت الخلاف الذي كان كامنا بين رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، ومنافسه القوي وزير الداخلية فتحي باشاغا المسنود خارجيا، وهو ما دفع بالسراج إلى استثمار وجود خصمه في تركيا إلى إقالته وإحالته للتحقيق في خطوة تحمل دلالتين إما أن رئيس حكومة الوفاق قد استبق انقلابا يجري التحضير له ضده، أو أنه استغل فرصة غياب منافسه للإطاحة به.

لم يتفاجأ المراقبون بتطورات الوضع السياسي في العاصمة الليبية طرابلس، فبينما كانت الاحتجاجات الشعبية تواجه برصاص الميليشيات المرتبطة بمكتب رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، كان رئيس مجلس الدولة الاستشاري والقيادي الإخواني خالد المشري وحليفه وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا يؤديان زيارة إلى أنقرة، للتشاور مع المسؤولين الأتراك حول مستجدات المسارين الأمني والسياسي في ليبيا، وقد لوحظ أن المشري استقبل الجمعة من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فيما اكتفى باشاغا بالاجتماع بوزير الدفاع خلوصي آكار ووزير الخارجية مولود شاووش أوغلو، ورئيس المخابرات هاكان فيدان.

وقالت مصادر من طرابلس إن السراج، رئيس المجلس الرئاسي، اعتذر في آخر لحظة عن زيارة كان من المنتظر أن يؤديها إلى تركيا الخميس، بسبب تطورات الوضع الأمني في طرابلس. وأضافت أنه فوجئ بزيارة باشاغا إلى أنقرة وتابعها من خلال وسائل الإعلام، وردت ذلك إلى القطيعة الحاصلة بين الرجلين منذ فترة.

التخلص من ند قوي 

يقول مراقبون إن السراج أدرك أن باشاغا المعروف بعلاقاته الوطيدة مع واشنطن وأنقرة بدأ في التخطيط للإطاحة به، مستغلا الحراك الشعبي العفوي الذي تشهده العاصمة وعدد من مدن غرب وجنوب البلاد وينادي المشاركون فيه بإسقاط المجلس الرئاسي وتنحي رئيسه، مستفيدا من الدعم الذي يلقاه من جماعة الإخوان ومن رئيس مجلس الدولة خالد المشري.

وعقد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، الجمعة، اجتماعًا برئاسة السراج، وحضور أحمد معيتيق وعبدالسلام كاجمان ومحمد عماري زايد وأحمد حمزة، نوقش خلاله الوضع السياسي والأمني والعسكري الراهن، والإجراءات والتدابير التي اتّخذتها وزارة الداخلية لتأمين المتظاهرين، والاطلاع على التحقيقات التي أجريت فيما وقع من تجاوزات. كما بحث الاجتماع المواقف التي اتّخذها وزير الداخلية والبيانات التي أصدرها مؤخّرًا، وقرّر المجلس الرئاسي إيقاف وزير الداخلية ومثوله للتحقيق أمام المجلس وتكليف وكيل الوزارة خالد مازن بتسيير عمل الوزارة.

السراج اعتذر في آخر لحظة عن زيارة تركيا الخميس، بسبب تطورات الوضع الأمني في طرابلس. لكنه فوجئ بزيارة باشاغا إلى أنقرة وتابعها من خلال وسائل الإعلام

ونقل المحلل السياسي المقرب من حكومة الوفاق فيصل الشريف، عن مصادر وصفها بالخاصة، أن كاجمان، نائب السراج وممثل جماعة الإخوان في المجلس الرئاسي، هو الوحيد الذي عارض قرار إيقاف وزير الداخلية المفوض وإحالته إلى التحقيق.

وسارع باشاغا من مقر إقامته في أنقرة إلى إعلان امتثاله للقرار، مطالبا بأن تكون جلسة التحقيق علنيّة ومتلفزة.

وكان باشاغا ندد الخميس الماضي بقمع ميليشيات قريبة من السراج للمحجتين السلميين، وقال إن الوزارة تابعت واقعة الاعتداء على المتظاهرين السلميين من قبل مجموعة مسلحة باستخدامها أسلحتها وإطلاقها للأعيرة النارية بشكل عشوائي واستخدام الرشاشات والمدافع وكذلك خطف
بعض المتظاهرين وإخفائهم قسرًا والتسبب في حالة من الذعر بين المواطنين وتهديد الأمن.

وأضاف أن وزارته رصدت تلك المجموعات المسلحة وعرفت الجهات الرسمية المسؤولة عنها، وأنها مستعدة تمام الاستعداد لحماية المدنيين العُزّل من بطش ما وصفها بمجموعة من الغوغاء. وكان عدد من منتسبي وزارة الداخلية، بمن فيهم عناصر مكافحة الشغب، قد انضموا إلى المحتجين في ساحة الشهداء بالعاصمة طرابلس، معبرين عن تضامنهم مع الحراك الشعبي الداعي إلى الإطاحة بحكومة السراج وطرد المحتلين الأتراك والمرتزقة الأجانب وتوفير الخدمات الضرورية للسكان المحليين وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين من قبل الميليشيات.

وأكدت مصادر مقربة من المجلس الرئاسي لموقع “بوابة أفريقيا الإخبارية” أن التشكيلات المنضوية تحت القوة المشتركة التابعة للمجلس قد أحبطت الجمعة محاولة انقلاب على الشرعية من فتحي باشاغا وخالد المشري.

باشاغا في تركيا دون علم السراج
باشاغا في تركيا دون علم السراج

واعتبر ناشطون أن بيان باشاغا جاء في إطار الصراع السياسي والمناطقي ومحاولته الاستفادة من الحراك الشعبي في حربه ضد السراج، وهي الحرب التي انطلقت منذ فترة حول النفوذ بالعاصمة، وخاصة في ظل الاستعدادات لعقد مؤتمر الصخيرات 2 و الاتجاه نحو تشكيل حكومة جديدة على ضوء مخرجات مؤتمر برلين وإعلان القاهرة، ورغبة قوى مصراتة في أن يكون رئيس الحكومة القادمة من بين مرشحيها وأبرزهم باشاغا صاحب الحظ الأوفر في مواجهة منافسه أحمد معيتيق.

وتدعم جماعة الإخوان هذا الاتجاه، وترى في استبعاد السراج مجالا أوسع لتكون صاحبة الحضور الأهم خلال الحوار السياسي المنتظر، متحالفة في ذلك مع باشاغا، ومع ميليشيات مصراتة، فيما لا يجد السراج من داعم غير ميليشيات طرابلس التي رحبت بقراراته الجمعة، وجددت “التزامها التام” بتعليمات المجلس.

واعتبر عضو مجلس الدولة الاستشاري وعضو المؤتمر العام منذ عام 2012 عبدالرحمن الشاطر أنّ أمام السراج مهامّ صعبة بعد خروج المظاهرات. و قال في تغريدة له على تويتر “عرفناه بطيء الحركة وغير قادر على اتخاذ القرار الجريء في وقته، التردد يلازمه مذ عرفناه رئيسًا ومن المستبعد أن يتخلى عنه، انتظروا وعودًا وليس قرارات”.

بدوره وصف المستشار السابق في مجلس الدولة الاستشاريّ صلاح البكّوش قرار إيقاف وزير داخلية الوفاق باشاغا بأنه أمر مهمٌّ وقرار شجاع من السراج وإن جاء متأخرًا.

أزمة جديدة

الليبيون أمام أزمة جديدة
الليبيون أمام أزمة جديدة

في مصراتة، خرج مؤيدون لباشاغا في مسيرة ليلية، لإعلان رفضهم لقرارات رئيس المجلس الرئاسي، وشددوا في بيان على ضرورة أن يكون التحقيق مع باشاغا علنيا، على أن يقدم السراج الأسباب التي اتخذ قراره بناء عليها.

وطالب أهالي مصراتة في البيان، مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، بتشكيل حكومة أزمة مصغرة وتغيير كل الوزراء، وإخراج الحكومة من طرابلس إلى أي مدينة أخرى.

ودعا جلال القبي، الناشط السياسي الموالي لحكومة الوفاق، إلى الخروج في مظاهرة ضد قرار السراج بإيقاف باشاغا، فيما قال عاطف بالرقيق، القيادي في ميليشيا ثوار طرابلس والمقيم بتركيا، إن السراج بهذه الطريقة خسر رجال الأمن والشرطة وخسر مصراتة.

وأبرزت صحيفة لا روبوبليكا الإيطالية في تقرير لها أمس السبت أنه، و”بعد أيام من التوترات، تم إيقاف وزير الداخلية القوي من قبل المجلس الرئاسي، بينما كان في طريقه إلى تركيا. لقد حاول فرض النظام بين الميليشيات، التي أطلقت الألعاب النارية أثناء الليل احتفالاً بإيقافه. باشاغا يضع نفسه قيد التحقيق”.

وأضافت “انفجر الصدام داخل حكومة الوفاق في طرابلس، بين السراج، ووزير داخليته بشكل مثير”. وأكدت الصحيفة أن باشاغا هو رجل تركيا وقطر القوي في طرابلس، وصاحب العلاقات الوطيدة مع المخابرات الأميركية والبريطانية.

وأشارت إلى أنه “سيكون للصراع بين السراج وباشاغا أثر فوري، يتمثل في إضعاف حكومة الوفاق، وإبطاء جهود تهدئة البلاد بشكل أكبر، ويُعقّد بشكل خاص عمل تركيا”.

ويخشى المراقبون أن يتجه الوضع إلى المزيد من التأزم في ظل الإعلان أمس عن اتجاه ميليشيات من مصراتة إلى طرابلس، وهو ما سبق التحذير منه بسبب ترجيحات بغزو جديد من قبل ميليشيات مصراتة للعاصمة كما حدث سابقا في أكثر من مناسبة، وخاصة في عملية فجر ليبيا العام 2014، والتي كان باشاغا أحد أبرز عرابيها.

6