هل أفسدت التكنولوجيا أخلاقنا

السبت 2014/01/25
شخص في خطر.. هل تصوره أم تنقذه

الرياض- ماذا كنت ستفعل لو كنتَ مكان ملتقط فيديو؟ أكنت ستستغل هذا الموقف الذي كنت شاهدا عليه والذي ربما لن يتكرر أمامك ثانية لتلتقط صورة أو فيديو؟ أم كنت ستتدخل لإنقاذ شخص في خطر من الضرر النفسي والجسدي الذي سيلحق به؟

في مدخل بناية، تنتظر طفلة صغيرة المصعد بعد عودتها من المدرسة. يقترب منها شاب في مقتبل العمر وبعد التأكد من عدم وجود شخص آخر غيرهما، يشرع في التحرش جنسيا بها دون أن تتمكن من مقاومته. حادث حقيقي وثقه شخص مجهول في السعودية بواسطة كاميرا هاتفه ثم نشره على موقع يوتيوب.

أثار الفيديو موجة غضب عارمة، إذ شجب عدد كبير من المغردين على موقع تويتر ما تعرضت له هذه الطفلة وتم القبض على المتحرش لكن، السؤال هو لماذا اختار هذا الشخص التخفي وراء عدسة هاتفه المحمول بدل إنقاذ الطفلة من المتحرش بها؟


هل أصبحنا أكثر أنانية؟


ليس هذا الفيديو سوى أحد العشرات التي يطرحها الشباب هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي والتي توثق لمواقف، البعض منها طريف والبعض الآخر صادم. ويوثق فيديو لشاب بريطاني تجاهل رجلا كان ملقى على الأرض عقب تعرضه لحادثة سير واكتفى بأخذ صورة للضحية ونشرها على حسابه الشخصي في تويتر دون بذل أدنى مجهود لإنقاد الرجل.

تشكل المرأة، في بعض المجتمعات هدفا للمهووسين بالتصوير

وهناك مثال آخر لفتاة أميركية سعت جاهدة إلى أخذ صورة ذاتية يظهر خلفها رجل يحاول الانتحار من أعلى جسر بروكلين بنيويورك. ومن بين الفيديوهات الأكثر انتشارا، تلك المأخوذة عن حالات شجار والتي تبين مرة ثانية “سلبية” المتفرجين الذين لا يكلفون أنفسهم عناء الاتصال بالشرطة أو الإنقاذ.

ومثل هذه المواد البصرية تنم عن “تغير أولويات الجيل الحالي خاصة عندما يتعلق الأمر بمد يد المساعدة إلى الآخر”. وانتشر في أكتوبر الماضي مقطع فيديو لطفل يناوشه كلب في منطقة صحراوية بالسعودية، ويبدو جليا أن المصور هو من سلـّط الكلب على الطفل ليستمتع بنشوة تصويره.

ووجهت انتقادات لاذعة إلى مصور الفيديو وناشره بسبب “الأذى النفسي والجسماني” الذي لحق بالطفل والذي بدا جليا في الفيديو. وتشكل المرأة، خاصة في بعض المجتمعات الإسلامية حيث لا يزال ينظر إليها على أنها “عورة”، هدفا آخر للمهووسين بالتصوير والذين لا يأبهون بحجم الضرر الذي قد يلحقونه بها. وتنتشر على موقع يوتيوب فيديوهات عديدة لفتيات خليجيات يتعرضن للمضايقة أو التحرش الجنسي في مراكز تجارية مثلا أو في حفلات موسيقية.


ما هو موقف القانون من هذه السلوكيات؟

هناك حالات يتساءل أمامها المرء عن الدوافع التي تقود شخصا ما إلى توثيق مأساة الآخرين عوض مد يد المساعدة أو إنقاذهم


يحتم القانون على الأشخاص مساعدة الآخرين في حالة احتياجهم، لذلك يكون الشخص، في العديد من الدول، مسؤولا قانونيا إذا لم يقدم المساعدة. قبل الآن كان صعبا إثبات تواجد شخص ما في مكان حادث مثلا، لكن الآن ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبح المهووسون بالصورة يوثقون لعدم تقديم المساعدة. وأصبحت الأولوية للتصوير ونقل الصورة. وبرأي محام، يجب على عائلات الضحايا رفع دعاوى ضد هؤلاء الأشخاص لردعهم عن هذه السلوكيات.

أما بالنسبة إلى الحق في الخصوصية، فيرتبط تعريفه بالتقاليد والثقافة والقيم الدينية السائدة في كل مجتمع. ويدخل في هذا الإطار الحق في الصورة. وعرّف هذا الحق في مؤلف “الحق في الصورة” بكونه ذلك “الاستئثار الذي يتيح للشخص منع غيره من رسمه أو التقاط صورة له دون إذن صريح أو ضمني منه وما يستتبع ذلك من حقه في الاعتراض على نشر صورته”.

ويختلف تطبيق هذا الحق من دولة إلى أخرى، ففي الوقت الذي تمنع فيه دولة مثل فرنسا نشر أية صورة خاصة دون موافقة صاحبها سواء أكان ذلك لأغراض تجارية أم غيرها، يغيب هذا المفهوم تماما في بريطانيا.

برأي خبير في التواصل الاجتماعي “ليس شرطا أن تضر عملية التصوير دائما بالضحية”، إذ أنه “في الكثير من الحوادث والوقائع يصبح التصوير هو الدليل على وقوعها فينشر نوعا من التوعية للرأي العام”. وضرب الخبير المثل بالاعتداءات وردود فعل قوى الأمن تجاه المتظاهرين خلال الثورات العربية، وأوضح أن التصوير مكن من توثيق هذه الاعتداءات.

كما أكد على أنه لا يمكن تناول هذه الظاهرة بمعزل عما يميز العصر الحاضر الذي أضحى “عصر التوثيق البصري” بامتياز. إلا أنه تبقى هناك حالات يتساءل أمامها المرء عن جدوى أخذ صورة أو فيديو وعن الدوافع التي تقود شخصا ما إلى توثيق مأساة الآخرين عوض مد يد المساعدة أو إنقاذهم.

18