هل أنقذ فقراء الأردن أغنياءه من ضريبة الدخل

الأردنيون يطالبون بعدالة اجتماعية لا فقط عدالة ضريبية، ورحلت الحكومة وبقيت سياستها الاقتصادية.
الثلاثاء 2018/06/12
العين بصيرة واليد قصيرة

هدأت تدخلات العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وتغيير حكومة هاني الملقي، وصولا إلى قمة مكة لدعم الأردن، من حالة الاحتقان التي تعيش على وقعها البلاد منذ خرج عدد كبير من الأردنيين إلى الشارع لمدة سبعة أيام، مطالبين بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل، لكن مشاهد الاحتجاجات ستعاود الظهور، وفي كل عودة يكون الوضع أسوأ. فسحب قانون الضريبة، الذي تم تحت ضغط صوت الطبقة المتوسطة، استفاد منه الأغنياء، المحامون والأطباء والمعلمون والمهندسون والتجار وغيرهم من الموظفين الذين يساورهم القلق حيال حساباتهم المصرفية عند نهاية كل شهر.

قلة كانوا يتوقعون أن تلقى دعوة النقابات المهنية إلى إضراب عام في الأردن أواخر شهر مايو الماضي تأييدا واسعا للاحتجاج على مشروع قانون لضريبة الدخل يركز على الدخول العليا وإن كان يوسع من شريحة الخاضعين للضريبة.

قبل ليلة من الإضراب امتلأت الساحات المقابلة لمقر رئاسة الوزراء في وسط عمان بمحتجين شبان يطالبون بسحب مشروع القانون الذي يفرض ضريبة على نسبة لا تتجاوز 10 بالمئة من الأردنيين. وكان لهم ما طلبوا.

لكن، ذلك لم يتحقق إلا بعد استقالة حكومة هاني الملقي، التي أقرت مشروع القانون وأرسلته إلى البرلمان، ثم تعهدات رئيس الوزراء المكلف عمر الرزاز بسحب مشروع القانون بمجرد تشكيل الحكومة وأداء اليمين الدستورية أمام الملك عبدالله الثاني.

القشة الأخيرة

كانت هذه الاحتجاجات الأوسع منذ سنوات في الأردن الذي يواجه أزمة اقتصادية خانقة مع عجز مزمن في الموازنة ودين عام يساوي الناتج المحلي تقريبا. واستقطبت الاحتجاجات اهتمام العالم نحو هذا البلد الذي نجا من اضطرابات الربيع العربي قبل سبع سنوات ويعيش الآن في قلب صراعات وأزمات المنطقة.

غلب على المتظاهرين في عمان والمحافظات الأخرى أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة الذين وسعوا مطالبهم إلى الاحتجاج على السياسات الاقتصادية للحكومة.

ويقول خبراء اقتصاد إن إقرار الحكومة لمشروع القانون كان بمثابة “القشة الأخيرة” التي جاءت مع شعور الأردنيين بأن دخولهم تتآكل بالفعل بسبب سلسلة من قرارات رفع الأسعار والضرائب الأخرى التي اتخذتها الحكومة منذ مطلع 2018. وارتفع سعر الخبز بنسب وصلت إلى مئة بالمئة.

مستويات المعيشة تتدهور في الأردن وأخذت فجوة الدخول تتسع وتواجه المالية العامة صعوبات كبرى في تأمين الموازنة

كما ارتفعت أسعار الكهرباء والمحروقات أكثر من مرة. وتضاعفت ضريبة المبيعات على أكثر من 160 سلعة من أربعة بالمئة إلى عشرة، وأخضعت سلع أخرى للضرائب بنسب وصلت 5 بالمئة. كما رفعت الحكومة 10 بالمئة أجور النقل على الحافلات وسيارات التاكسي والسرفيس.

وقاد المظاهرات نشطاء شباب من خلال صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعارات اقتصادية بحتة في البداية، لكنها سرعان ما طالبت بإسقاط حكومة الملقي التي قررت رفع أسعار المحروقات والكهرباء في اليوم الثاني من اندلاع الاحتجاجات على مشروع القانون.

وتصاعدت الحركة الاحتجاجية تدريجيا، ما استدعى تدخلا تلو الآخر من العاهل الأردني الذي أوقف قرار رفع المحروقات والكهرباء ثم قبل استقالة الحكومة وطلب أخيرا من الرزاز إجراء “حوار وطني” حول ضريبة الدخل.

يوسع مشروع القانون شريحة الخاضعين للضريبة إلى نحو 8 بالمئة من الأردنيين، لكنه يركز على أصحاب الدخول العليا. وتقول الحكومة إن 90 بالمئة من الأردنيين بموجب مشروع القانون لا يخضعون للضريبة، ووضعت حد الإعفاء للضريبة عند 8 آلاف دينار للأفراد و16 ألف دينار لدخل الأسرة سنويا.

Thumbnail

ويبلغ متوسط الدخل الشهري حوالي 700 دولار (500 دينار) في الأردن الذي يعتبر من أعلى بلدان المنطقة في الأسعار. ويقول متابعون إن الاحتجاجات على قانون الضريبة ما كانت لتلقى أصداء واسعة وشكلت مفاجأة للحكومة لولا الإجراءات الاقتصادية المؤلمة التي اتخذت في الشهور الأخيرة بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي ضمن حزمة إصلاحات مأمولة.

ورفع المحتجون في ساحة الدوار الرابع، مقر الحكومة، شعارات تندد بمشروع القانون من بين لافتات وهتافات أخرى تطالب بوقف السياسات الاقتصادية التي تمس الفقراء مباشرة قبل الخوض في قانون ضريبة الدخل.

ونجحت نقابات المهندسين والأطباء والمحامين في الحشد للإضراب والاحتجاج على مشروع القانون الذي قالت الحكومة المستقيلة إنه “يعمّق الشعور بالعدالة الضريبية” من خلال التركيز على مساهمة أصحاب الدخول الأعلى كما يكافح التهرب الضريبي.

وشرحت حكومة الملقي ضمن استعراضها للأسباب الموجبة لسن القانون أن “متوسطي ومحدودي الدخل سيستفيدون من هذا القانون بطريقة غير مباشرة” من خلال الزيادة المتوقعة في النمو الاقتصادي وزيادة معدلات التشغيل والاستفادة من الإنفاق العام على الدعم والخدمات الأساسية.

أزمة هيكلية

 

Thumbnail

تدهورت مستويات المعيشة بالفعل في الأردن وأخذت فجوة الدخول تتسع. ويعاني الاقتصاد أصلا من أزمة هيكلية كما تواجه المالية العامة صعوبات كبرى في تأمين الموازنة إلى جانب مديونية تناهز 35 مليار دولار.

ويؤكد مختصون أن سحب مشروع القانون يفيد الشركات أكثر من الأفراد، ويتجنب موظفي القطاعين العام والخاص من ذوي الدخل المحدود والمتوسط في المملكة التي تضم عشرة ملايين نسمة وتعاني من نسبة فقر تناهز 20 بالمئة بحسب الإحصاءات الحكومية وبطالة تتجاوز 18 بالمئة.

ويخفض القانون الجديد عتبة الخاضعين للضريبة لكن حجم الضرر الذي يلحق بالطبقة الفقيرة سيكون أخف من إجراءات رفع الدعم الحكومي وزيادات الأسعار التي اتخذتها الحكومة سابقا، بحسب تدوينات وتعليقات اعتبرت أن المحتجين من الطبقة الفقيرة والمتوسطة “أنقذوا الأغنياء” من الضريبة.

مرت الاحتجاجات بسلام. وتعهد منظموها بمعاودة التظاهر إذا لم تلب الحكومة الجديدة مطالبهم، غير أن تحقيق المطالب ربما يقوض خطة الإصلاحات التي يصعب على الحكومة الجديدة التراجع عنها بسبب الالتزامات مع صندوق النقد. وكانت نتيجة المظاهرات سحب مشروع القانون دون أي تعهدات حكومية أخرى بوقف أو تخفيف سياسة رفع الأسعار وفرض الضرائب والرسوم، وهي فعليا التي أخرجت المتظاهرين إلى الشوارع.

ولخص نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي جانبا من تطور الحركة الاحتجاجية بتساؤلات للنقابات المهنية من قبيل: هل ستقفون معنا ضد الحكومة إذا رفعت الأسعار أو الرسوم، مثلما وقفنا معكم في احتجاجات ضريبة الدخل؟

7