هل استقوت النقابات في تونس على الدولة

جدل واسع على الساحة السياسية في تونس حول مدى التزام النقابات بضوابط القانون خاصة مع تجاوز البعض منها لمؤسسات الدولة.
الخميس 2018/03/01
حق يكفله القانون طالما يحترمه

تونس – تتوق تونس منذ ما يزيد عن سبع سنوات عقبت ثورة يناير 2011 إلى فرض هيبة دولة تكون ديمقراطية وتعددية لكنها تصطدم في كل مرة بتفشي منطق القوة أو الاحتكام في فضّ كل المسائل والقضايا العالقة إلى شعار “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”.
أصبح هذا الشعار عقيدة مختلف القطاعات المهنية والأطراف النقابية تجسيدا لفلسفة التضامن القطاعي أو كما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم “التضامن الميكانيكي”، بل إن هذه السياسة تجاوزت في تأثيرها مجالها النقابي وأصبحت المنطق الغالب.
ولئن كانت فلسفة العمل النقابي بوصفها عنصرا أساسيا لتمتين مفهوم الديمقراطية متجذّرة في التاريخ التونسي ولها بصماتها، فإن بعض تحرّكات النقابات بمختلف مجالات تخصصها اتّسمت مؤخرا ببروز مؤشرات زيغ وانعطافات خطيرة قد تؤدي إلى تكريس مفهوم دكتاتورية النقابات.

حق ولكن…

تأجج جدل جديد مؤخرا حول طبيعة ومدى التزام بعض النقابات بضوابط القانون وأبجديات الفعل النقابي مع تنفيذ أعضاء من بعض النقابات الأمنية وقفة احتجاجية أمام المحكمة الابتدائية بمحافظة بن عروس لمساندة خمسة أمنيين متهمين بتعذيب أحد الموقوفين قبل أن يتم إطلاق سراحهم من قبل قاضي التحقيق.
وردّ المجلس الأعلى للقضاء (أعلى هيكل في تونس للسلطة القضائية) على تجمهر الأمنيين في بهو المحكمة، باتهامه في بيان رسمي، بعض الأمنيين بالتمرّد على الدولة وانتهاك حرمة المحكمة عبر تجمعهم داخلها واقتحامهم قاعة جلسة المحاكمة رافعين سلاح الدولة على السلطة القضائية.
تضاربت الروايات في تونس حول تحركات النقابيين الأمنيين المساندة لخمسة من رجال الشرطة المتهمين بتعذيب أحد الموقوفين، لتتلقف بعض الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بيان المجلس الأعلى للقضاء وتدين ما أسمته بـعودة “دولة البوليس”، فيما تمسّكت النقابات الأمنية بشرعية تحرّكها.
وقال الناطق الرسمي باسم نقابة موظفي الإدارة العامة لوحدات التدخل، مهدي بالشاوش، لـ”العرب” إن “تجمهر بعض الأمنيين والنقابيين أمام محكمة محافظة بن عروس شرعي ولا يتنافى مع القانون ومعمول به في كل الدول الديمقراطية”، نافيا بعض التوصيفات التي أطلقت على تحركات النقابات من قبيل “تمرّد الأمنيين على الدولة”.

مهدي بالشاوش الناطق باسم نقابة وحدات التدخل: تجمهر بعض الأمنيين أمام المحكمة لا يتنافى مع القانون ومعمول به في الدول الديمقراطية
مهدي بالشاوش الناطق باسم نقابة وحدات التدخل: تجمهر بعض الأمنيين أمام المحكمة لا يتنافى مع القانون ومعمول به في الدول الديمقراطية

وأكد بالشاوش أن الموقوف عامر البلعزي، المتهم سابقا في عملية اغتيال الشهيد شكري بلعيد، رفع شكوى كاذبة ولم يتعرّض إلى التعذيب بل قام بجرح يده حين كسّر بلور نافذة سيارة الشرطة عند نقله إلى المحاكمة في فترة سابقة، مشدّدا على أن أحد الموقوفين مع البلعزي اعترف بأن الأخير جرح يده متعمّدا، وكل ذلك مضمّن في محاضر التحقيق.
وتشبّث بالشاوش بقوله إن الأمنيين حملوا السلاح في المحكمة ليس لتخويف الدولة أو القضاء أو لممارسة ضغوط لإطلاق سراح زملائهم بل لضمان حماية المحكمة خصوصا أن المحاكمة عرفت حضور موقوفين متهمين بشبهات الإرهاب.
وكشف أنه تم إيقاف البلعزي في أعمال شغب في أوائل شهر يناير الذي عرفت فيه البلاد عدة تحرّكات احتجاجية ليلية كانت مرفوقة بأعمال عنف، مضيفا أن البلعزي تتعلق به أيضا قضية شبهة سرقة سيارة كان ينوي استعمالها وفق الأبحاث في تنفيذ مخطط إرهابي يستهدف أحد المراكز الأمنية.
في المقابل، اعتبر عماد الخصخوصي، عضو المجلس الأعلى للقضاء، أن ما أقدم عليه بعض الأمنيين باحتجاجهم رافعين سلاح الدولة وكل أدواتها ضدّ السلطة القضائية خلال محاكمة أمنيين يُعدّ تهديدا صارخا للجمهورية ومبادئها.
وأكّد أن المجلس الأعلى للقضاء تكفّل بمعاينة تحركات الأمنيين مباشرة إثر تجمهرهم أمام المحكمة ليلاحظ انتهاج بعضهم محاولات استعراض القوة عبر رفع السلاح أو عبر اقتحام قاعة جلسة المحاكمة.
وحمّل عضو المجلس الأعلى للقضاء السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير الداخلية ووزير العدل مسؤولية تدهور الوضع الأمني بالمحاكم، مؤكّدا أن المجلس ينتظر ردا قويا من الأجهزة الحكومية على ما حصل من دوس بعض الأمنيين لحرمة القضاء.
وأكّد الخصخوصي أنه من غير المنطقي أن يتعلل الأمنيون بالعمل النقابي للقيام بتعدّ صارخ على الأجهزة القضائية في محاولة للمساس من استقلالية قرارها أو ارتهانها.
وعلى خلاف ما قدمته النقابات الأمنية والمجلس الأعلى للقضاء، كشف عمر الحنين، الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية ببن عروس، لـ”العرب” عن رواية أخرى مغايرة بقوله “على عكس ما روجته بعض النقابات الأمنية فإن قضية الموقوف الذي تقدم بشكوى مفادها أنه تعرّض للتعذيب من قبل أمنيين تتعلق بقضية حق عام وليس لها أي صبغة إرهابية”. وأكّد أن تقرير الطب الشرعي أثبت وجود 22 كدمة على وجه وجسد البلعزي إضافة إلى جروح أخرى بيديه.
وعلى عكس ما ورد في بيان المجلس الأعلى للقضاء، نفى عمر الحنين وقوع تجاوزات من قبل الأمنيين بقوله “لم يقتحموا قاعة جلسة المحاكمة ولم يقوموا بأي أعمال عنف للضغط أو لإرباك القضاة والمحامين”.

لعبت النقابات دورا رئيسيا في مسار الحفاظ على سلمية الثورة التونسية. وكانت من أهم قواعد المجتمع المدني، إلا أن ذلك منحها قوة جعلتها أحيانا تتجاوز الدولة، بل إن هذه الأخيرة كانت خاضعة لها في بعض المواقف، حتى أن الوضع يدعو إلى القلق والتساؤل عن مآل استمرار ضعف الدولة التي يكبلها تاريخ النظامين السابقين والخوف من أن تنعت بالدكتاتورية والسير على نفس النسق القديم.

في الملف نفسه دخلت الهيئة الوطنية للمحامين على الخط عبر شجبها لتحركات الأمنيين وإدانتها لما أسمته بمحاولات “عسكرة محكمة بن عروس”.
وأكّد عامر المحرزي، عميد المحامين، لـ”العرب” أن ما أقدم عليه بعض الأمنيين لا يمت بصلة للعمل النقابي خصوصا بعد سقوط بعضهم في ترديد شعارات معادية للسان الدفاع (المحامي). وأكّد أن مجلس هيئة المحامين يتابع المسألة بقلق وأنه سيجتمع لتحديد أشكال نضال المحامين بمختلف محاكم تونس للدفاع عن استقلالية المؤسسات الدستورية.

تنمر على الدولة

اعتبر العديد من المتابعين والمختصين في علم الاجتماع أنه لا يمكن حصر ظاهرة استقواء بعض النقابات على الدولة وأجهزتها في التجمهر الأخير لبعض الأمنيين، مشددين على أن المسألة تتطلّب معالجة سوسيولوجية ومقاربة علمية دقيقة تسلط الضوء وتحاول فهم كل التحركات النقابية العنيفة التي تتجاوز في بعض الأحيان الخطوط الحمراء نتيجة إدمان بعض النقابيين بمختلف قطاعاتهم على شعور الإفلات من العقاب.
وعرفت تونس قبل جدل تجمهر الأمنيين أمام محكمة بن عروس عدة تجمعات وتحركات نقابية احتجاجية مماثلة وُجّهت فيها اتهامات لعدة نقابيين باقتراف العديد من التجاوزات ومنها تحركات نقابات التعليم والصحة وما أقدم عليه المحامون عبر محاولة بعضهم خلع الباب الرئيسي لمقر البرلمان بساحة باردو عند احتجاجهم على إجراءات تضمنها قانون المالية في أواخر عام 2016.
وبنفس الطريقة التي انتهجتها النقابات الأمنية مؤخرا، هدّدت الثلاثاء نقابة موظفي العدلية بتصعيد تحركاتها الاحتجاجية رفضا لإصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق كاتب بالمحكمة الابتدائية بتونس على خلفية الاشتباه في تورطه في تدليس منشور تفتيش وتغيير محتواه.

عماد الخصخوصي عضو المجلس الأعلى للقضاء: احتجاج بعض الأمنيين رافعين سلاح الدولة ضد السلطة القضائية تهديد للجمهورية
عماد الخصخوصي عضو المجلس الأعلى للقضاء: احتجاج بعض الأمنيين رافعين سلاح الدولة ضد السلطة القضائية تهديد للجمهورية

وأرجع عبدالستار السحباني، الباحث في علم الاجتماع أسباب تكرّر تمرّد النقابات على الدولة وأجهزتها بعد الثورة لسببين أساسيين، أولهما يتعلق بشعور بعض القائمين بالفعل النقابي بأن الدولة فقدت هيبتها أو بأن الوزن النقابي يضاهي قوة الدولة أو يفوقها رغم امتلاك الأخيرة كل وسائل العنف الشرعي والرادع لكل المتجاوزين للقانون.
والسبب الثاني يكمن في تكرّر إفلات العديد ممن اقترفوا تجاوزات لا تمت بصلة للعمل النقابي من العقاب وذلك بسبب ثقل حجم ووزن النقابات أو الأطراف التي تقف وراءها وتساندها حتى إن كان النقابيون مخطئون.
وأضاف السحباني أن مردّ سقوط بعض النقابات عدة مرات في اختيار نهج التصعيد أو الاحتجاج العنيف هو تقصير الدولة وعدم قدرتها على تلبية رغبات منظوري كل قطاع.
في المقابل، ترى جهات أخرى أن هناك “انتهازية” في الكثير من حالات التصعيد التي تنتهجها بعض النقابات ومختلف الأطراف التي تتعامل بعقلية اغتنام الفرصة فيما عود الدولة الديمقراطية القوية لم يشتدّ بعدُ.
ولا يخفى أنه في بداية الثورة، وفي زمن حكم الترويكا (2014-2011)، أساسا، كانت هناك روح “انتقامية” بين الشعب والنقابات والعمال والطلبة والعاطلين والإعلام من الدولة التي أحكمت قبضتها وضيقت على الحريات وأهدرت الأموال وحمت الفاسدين. وساهمت الأحزاب السياسية بشكل كبير في تغذية حالة “التنمّر” على الدولة. 
واليوم، ولئن خفّت هذه النزعة إلا أن الأمر مازال محل تجاذبات خصوصا كلما سارعت الأحزاب السياسية إلى الاصطياد في مياهها، كما أن قطاعات كبيرة تعترف بوجود الفساد وتدينه بمختلف التعبيرات، لكن صوتها يعلو محتجا عندما يطرق وقت المحاسبة بابها.
والخطير في الأمر أن هذا المنطق خرج من سياقاته النقابية المؤطرة، وسار على دربه عائلات وأشخاص من عامة الشعب أغلقوا الطرقات ومارسوا العنف على موظفين في مؤسسات الدولة أثناء القيام بمهامهم. وحتى تلاميذ المعاهد تأثروا بهذه السياسة من ذلك حادثة مقاطعة عدد من تلاميذ إجراء الامتحانات احتجاجا على إيقاف زميلهم بتهمة الاعتداء على أحد أساتذة المعهد. وعندما يلتقي هذا المشهد “العنيف” مع دور باهت للأحزاب السياسية وتجاذبات متواصلة، فإن الأمر يؤدي إلى استمرار ضعف مناعة الدولة ضد مختلف الأخطار والأزمات.

7