هل استلهم المسرحيون العرب نساء إدوارد ألبي الثلاث

ست مسرحيات عربية عن المرأة اجتمعت في كل منها ثلاث نساء مقهورات، هل هو توارد خواطر أم تعالقات نصية؟
الاثنين 2020/04/13
"نساء في الحرب" لجواد الأسدي.. نساء هاربات من جحيم الطغيان في العراق

قهر المرأة العربية وسط مجتمع ذكوري، كان ولا يزال من الثيمات المسرحية التي اشتغل عليها العديد من المؤلفين والمخرجين العرب، نتيجة كونه موضوعا حارقا، لم تنجل أسبابه بعد. هنا قراءة في ست مسرحيات عربية لمخرجين ومخرجات اشتغلوا على قهر المرأة بشكل يكاد يكون تناصاً مسرحيا كاملاً.

تغلب على معظم المسرحيات العربية، المعنية بموضوع القهر الذي تتعرّض له المرأة، سمة واضحة تتمثّل بأن أحداثها تدور حول ثلاث نساء. وقد رصدت، من خلال متابعتي، مُشاهدة وقراءة، ست مسرحيات تجمعها هذه السمة، ولا بدّ من وجود مسرحيات أخرى لكني لم أقع عليها.

المسرحية الأولى بعنوان “ثلاث نساء طوال” لرندا الأسمر، الثانية “نساء في الحرب” لجواد الأسدي، الثالثة “سماء أخرى”، الرابعة “على أبواب الجنة” وكلاهما لروناك شوقي، الخامسة “نساء بلا ملامح” لعبدالأمير شمخي والسادسة بعنوان “الأرامل” لوفاء طبوبي.

لكن هل الصدفة وحدها هي التي جعلت من هذه المسرحيات تركز على ثلاث نساء فقط، أم أن نوعا من توارد الخواطر جمعها، أم أن بعضها تعالق ببعضها الآخر في سياق ما يُعرف بالتناص الذي يرى أن كل نص هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى؟

حياة متحرّرة

الممثلة والمخرجة والكاتبة العراقية روناك شوقي قدّمت في "سماء أخرى" ثلاث نساء مغتربات يختلفن في الرؤية، على الرغم من حبهن للوطن
الممثلة والمخرجة والكاتبة العراقية روناك شوقي قدّمت في "سماء أخرى" ثلاث نساء مغتربات يختلفن في الرؤية، على الرغم من حبهن للوطن

اقتبست اللبنانية رندا الأسمر نص “ثلاث نسوان طوال” عن نص “ثلاث نساء طويلات” للكاتب الأميركي إدوارد ألبي، وعلى الرغم من ظهور ثلاث شخصيات نسائية على المسرح في أعمار مختلفة (واحدة في التسعين وثانية في الخمسين وثالثة في العشرين) تحاول كل منهنّ تحديد “أسعد لحظات حياتها”، فإنهنّ يمثّلن تنويعات لشخصية واحدة هي شخصية المرأة التسعينية، حيث يجسّدن وجوها من محطات زمنية لرحلة حياتها تتوزع على ثلاث مراحل (الماضي، الحاضر والمستقبل).

منذ اللحظات الأولى لتفتحها على الحياة وعلى جسدها، ومنذ الأفكار التي انهالت عليها، وهمومها وتطلعاتها، والقيم التي تربّت عليها: الطفولة، الأسرة، المدرسة، المجتمع، الزواج والموت، لتكشف عن مدى الأسى الذي تحمله المرأة، خاصة حينما تعيش حياة منفتحة.

وتدور أحداث مسرحية “نساء في الحرب” للعراقي جواد الأسدي حول ثلاث نساء هاربات من جحيم الطغيان والبطش في بلدهنّ إلى عالم الحرية في الغرب، فيجمعهنّ ملجأ صغير بألمانيا بانتظار انتهاء التحقيق معهنّ، وقبولهنّ لاجئات في ذلك البلد.

الأولى فنانة مسرحية عراقية تعرّضت للملاحقة والاضطهاد والاقتلاع من مسرحها وجمهورها، والثانية فتاة بوسنية ذات معاناة مركّبة من الغربة والاقتلاع من الوطن، وغدر مواطنها اللاجئ البوسني الذي أقام معها علاقة جنسية عابرة، وعنف جنود الاحتلال الذين جرّوها إلى الشارع، وعرّوها أمام والدها وسحقوا أنوثتها تاركين ورما في ثديها، فلجأت إلى التعبّد والصلوات للتخفيف عن رعبها وتمزّقها وانكسارها النفسي.

والثالثة امرأة جزائرية تعرضّت للتعسّف والمضايقات والتحقيق في بلادها، وذبحوا زوجها، وقطّعوه في الشارع لأنه كان نزيها ووقف ضد الظلم، فقرّرت أن تتمرّد على مجتمع يجيز ذبح الإنسان، وتكفر بأعرافه وقيمه ومحرماته الأخلاقية والاجتماعية بممارسة الجنس اعتقادا منها بأنها دلالة على التحرّر والانطلاق. وتبحث عن زوج جرماني تنجب منه أولادا جرمانيين، لكنها تقع، في خضم ترميم ذاتها وتشكيل معالم حريتها، فريسة للمنفى والعزلة والعلاقات السطحية العابرة.

ستة أعمال مسرحية عنيت بموضوع القهر الذي تتعرض له المرأة في المجتمعات العربية، أحداثها تدور حول ثلاث نساء

وتعرض مسرحية “سماء أخرى”، للممثلة والمخرجة والكاتبة العراقية روناك شوقي، تجارب ثلاث نساء عراقيات مغتربات يختلفن في الرؤية، على الرغم من حبهنّ للوطن. المرأة العاطفية المثقّفة ذات النزعة الغربية التي تعيش انفصاما بين دعم الحرب والخوف من الاحتلال. وثمة زوجة المعارض السياسي التي تهرب مع زوجها إلى بلد آخر، والمشغولة بهمّ الأولاد وتربيتهم وتعليمهم شيئا عن الوطن البعيد. والمرأة العجوز نوعا ما والتي تجترح حزنها الخاص بها، وهي الوحيدة التي تقول إن لديها بيتا في العراق تريد العودة إليه.

ويجري حوار هؤلاء النسوة على خلفية يوميات الحرب التي كانت تقف على أبواب العراق، وينمو الفعل الدرامي مع تقدّم الأحداث هناك، فهنّ متسمّرات أمام شاشة التلفزيون يبحثن عن خبر، تلفهنّ الحيرة، وينتابهنّ شعوران متناقضان نابعان من موقفين: جيش أجنبي يتقدّم صوب الوطن لاحتلاله، ونظام يتمنين رحيله.

وتتراوح قصصهنّ بين العام والخاص، بين الهجرة والوطن، فبسبب الغربة التي فرضت على شخصية المثقّفة المتحرّرة، التي ابتعدت عن الوطن كثيرا لإكمال دراستها، تحنّ إليه دائما. وتقصّ المرأة الثانية حكاية رحيل زوجها الناشط السياسي، واكتشافها جمال الوطن عندما غادرته في شاحنة إلى دولة عربية ومنها إلى بريطانيا، وهي خائفة وملتاعة على مصير أبنائها الذين يتحدّثون بلغة مختلفة، ولا يعرفون الوطن إلاّ بالاسم.

العراقي عبدالأمير شمخي قدم في "نساء بلا ملامح" ثلاث نساء داخل قبو، يعذبهن جلاد بالسوط، ويذيقهن القهر والذل عقابا على حملهن
العراقي عبدالأمير شمخي قدم في "نساء بلا ملامح" ثلاث نساء داخل قبو، يعذبهن جلاد بالسوط، ويذيقهن القهر والذل عقابا على حملهن

أما المرأة الثالثة فقد اضطرت إلى الهجرة خوفا من اعتداء رجال النظام على شرف ابنتها الجميلة، وهو الخوف الذي منعها من إرسالها إلى المدرسة. وتحكي عن توزعها بين قبول أول خاطب لها يعيش في المنفى أو البقاء في البيت، وحين ترافق ابنتها إلى الخارج تكتشف العالم الجديد البعيد عن العراق، وقسوة الغربة.

تمرّد وحنين

تجمع مسرحية روناك شوقي الثانية “على أبواب الجنة”، ثلاث نساء، أيضا، في فضاء يوحي إلى محطة سكك حديد، حيث ينتظرن قدوم القطار ليقلهنّ إلى الوطن، الذي غادرنه بسبب ما تعرّضن له من اضطهاد وقمع، وهربا من جحيم الحرب إلى ملاذ آمن، وهنّ يتحرّقن إلى قدوم القطار، وخلال انتظارهنّ يروين معاناتهنّ في الوطن والغربة.

واحدة تتعجّل العودة إلى أمها التي فارقتها منذ أكثر من عشرين عاما، والثانية تريد زيارة قبر ولدها الذي قُتل في الحرب، والثالثة تتلهّف إلى العودة، بعد أن تغرّبت طويلا، وجابت المنافي وحيدة بأوراق مزوّرة، لتكوين أسرة وتحقيق أحلامها البسيطة.

وتقدّم مسرحية “نساء بلا ملامح” للعراقي عبدالأمير شمخي، ثلاث نساء حبالى داخل قبو، ومعهنّ جلاّد يعذّبهنّ بالسوط، ويذيقهنّ القهر والذل
عقابا على حملهنّ. ومع تصاعد الأحداث تبدأ ملامح شخصية كل منهنّ في الوضوح.

المخرجة اللبنانية رندا الأسمر اقتبست نص "ثلاث نسوان طوال" عن نص "ثلاث نساء طويلات" للكاتب الأميركي إدوارد ألبي
المخرجة اللبنانية رندا الأسمر اقتبست نص "ثلاث نسوان طوال" عن نص "ثلاث نساء طويلات" للكاتب الأميركي إدوارد ألبي

الأولى فتاة في مقتبل العمر حملت من حبيبها في سكرة الغرام، والثانية فتاة ليل حملت من شخص ثوري قابلته ذات ليلة أثناء مطاردة الشرطة له. أما الثالثة فهي امرأة عاشت مقهورة مع زوجها وكل ذنبها أنها حملت دون إرادته.

ويظل الجلاّد يتلاعب بهؤلاء النساء، ثم يساومهنّ على حياة أجنتهنّ مقابل الحرية، لكنهنّ يرفضن مساومته، في إشارة إلى التمسّك بالأمل في الغد، وإنجاب أجيال جديدة قادرة على التغيير.

وتدور أحداث مسرحية “الأرامل” التي اقتبستها المخرجة التونسية وفاء طبوبي عن مسرحية للكاتب التشيلي الأرجنتيني الأصل أرييل دورفمان تحمل العنوان ذاته، حول ثلاث نساء مناضلات.

واحدة كبيرة في السن اعتقلت السلطة زوجها، والثانية امرأة بسيطة أمية أعتُقل أخوها، والثالثة فتاة مثقّفة أعتُقل والدها، يعتصمن على شاطئ البحر في إحدى القرى التي مزّقتها الحرب، في دولة لم يتم تحديدها، لتُطالب كل واحدة منهنّ بإعادة جثمان زوجها أو أبيها أو أخيها، من الذين تم اعتقالهم بحجة أنهم متمرّدون خانوا بلادهم لأنهم اعترضوا على السلطة.

وتعيش كل واحدة من هؤلاء النسوة مأساتها الخاصة من جهة، والمأساة الجماعية لرفيقاتها الأخريات من جهة أخرى. ومع انتشار قصتهنّ في الإعلام بشكل واسع تأخذ الأحداث منعطفا مغايرا، حين تتعرّف المرأة البسيطة على ضابط يتقرّب إليها في خدعة ليُنهي اعتصامهنّ، وهي تعتقد بأنه يحبها وسيلبي طلباتها هي ورفيقتيها بتسليمهن جثث أقربائهنّ، وحينما تكتشف النسوة خدعته يستأنفن اعتصامهنّ على نحو أقوى، لكن هذه المرة ليس بهدف الحصول على الجثامين أو إطلاق سراح رجالهنّ، بل حتى يُغادر المتسلّطون البلاد، وتتحرّر من جورهم، ويحظين هنّ بحريتهنّ.

من المسرح إلى السينما

"أرامل" وفاء طبوبي.. بين مأساتين خاصة وجماعية
"أرامل" وفاء طبوبي.. بين مأساتين خاصة وجماعية

يُلاحَظ أيضا أن هذه المسرحيات تحيلنا إلى أفلام سينمائية تدور حول ثلاث نساء، مثل فيلم “الساعات” الأميركي للمخرج ستيفن دالدراي، الذي يتناول حياة ثلاث نساء في أزمنة مختلفة. الأولى الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف، والثانية ربة بيت بائسة ومحبطة تعيش مع زوج يهملها، فتتقمّص روح بطلة رواية فرجينيا وولف (السيدة دالواي).

أما الثالثة فامرأة تعيسة أصيب زوجها بمرض الإيدز، ويعيش الساعات الأخيرة من عمره، فتحاول أن تقيم له حفلة وداع. وهي تفكّر، أيضا، بالانتحار الذي يتراءى لها في الحلم، فتستيقظ مذعورة.

كذلك هناك فيلم “الباحثات عن الحرية” لإيناس الدغيدي، الذي يدور حول ثلاث نساء عربيات مغتربات في باريس؛ الأولى صحافية لبنانية تعرّضت للاغتصاب خلال الحرب الأهلية، واختطف مسلحون خطيبها، فهربت إلى باريس كي تخرج من كوابيسها. والثانية فنانة تشكيلية مصرية عانت من وصاية زوجها، وتجاهله لموهبتها، فتحصل على منحة للدراسات العليا في فرنسا، وتنفصل عنه. والثالثة فتاة مغربية تهوى الغناء، وتهرب من قمع أهلها إلى باريس إثر اكتشافهم حبها لجارها، وتبدأ هناك حياة جديدة.

إن التصوّر الأخير الذي خلصت إليه من مراجعة تلك المسرحيات والأفلام، هو وجود نوع من التناص أو التعالق أو التشابه خلق إطارا من التقابل والتشارك بين نصوصها، أو أحال بعضها على بعض بآلية ما من التبادل النصي.

ولعل استقراء عميقا وتفكيكا لسُننها وسبر أغوارها يكشف عن مفاصل هذه الآلية وإستراتيجيتها التأويلية، بما يُعزّز فرضية أن كل عمل إبداعي هو مزيج من تراكمات سابقة خضعت للانتقاء ثم التأليف، ذلك أن كل نص، حسب رولان بارت، “نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء من نصوص سابقة”، أو بتعبير جوليا كرستيفا أنه عبارة عن “لوحة فسيفسائية” من الاقتباسات.

17