هل الأدب الجاد مأساوي بالضرورة ؟

الاثنين 2013/10/28

للكتّاب قناعة بأن الأدب الجاد يعالج بالضرورة مواضيع فكرية ووجودية واجتماعية متجهمة، لا مجال فيها لسعادة البسطاء، ولا لأوقات السعة والدعة التي قد يغنمها الإنسان، فالأدب عندهم ينبغي أن يكون متصلا بجحيم النفس، عازفا عن فراديسها، أو كما لخصه محمود المسعدي "مأساة أو لا يكون".

والبطل في رأيهم لا يكون إلا تراجيديا يتحدّر من طبقات المجتمع - وحبذا لو يكون من الطبقات الدنيا - ويخوض صراعا غير متكافئ مع القوى الاجتماعية والسياسية والدينية في واقع مضطرم مظلم، ومهمة الكاتب عندهم، كما هو الشأن في التراجيديا الإغريقية، تصوير بطل ذي قوى روحية يتعالى على ضعفه وهشاشة وضعه، ويخوض ضد القوى المعرقلة صراعا عادة ما ينتهي بهزيمته أو موته، لأن النهايات السعيدة، في نظرهم، ساذجة لا تصلح إلا لدغدغة مشاعر العامة من عشاق مسرح الفودفيل وأفلام الميلودراما.

هذه القناعة لا يختص بها كتابنا وحدهم، بل هم يستوون فيها مع نظرائهم في آداب الأمم الأخرى، حيث الكتاب في عمومهم يؤمنون هم أيضا بأن الأدب الحق تعبيرٌ عن وجوه من الصراع شتى، يكون الوضع فيها غالبا قرين القدر اليوناني القديم الذي لا يمكن الانفلات منه أو الانتصار عليه، ويكون البطل في أعطافها أسير قدره الاجتماعي لا يمكن الخروج عليه أو التنصل منه إلا في ما ندر، وإن فعل آل به سعيه في الغالب إلى الخسران، وينظرون إلى ما عدا ذلك نظرة استهانة واحتقار، ولو باع منه صاحبه بالملايين، مثلما هو الشأن مع الفرنسي مارك ليفي والبرازيلي باولو كويلهو.

هذه القضية تناولتها الباحثة الفرنسية فريديريك تودوار - سورلابيار في كتاب قيّم بعنوان "نعم / لا" بيّنت فيه أن الموضوع خاضع منذ القدم إلى تقابل إجابتين عن كل ما في العالم وما وراءه من مشكلات وأفكار تقابلاً انبنى عليه مصير الآداب الأوروبية، وكان على الكتاب أن يحسموا موقفهم مما يعرض عليهم بين الإجابة بـ"نعم" أو الإجابة بـ"لا"، فاختار السواد الأعظم منهم الجواب الثاني، لأن "نعم" في تصورهم هي صنو للقبول والموافقة والرضا بالأمر الواقع، تحيل على السعادة والنفوس الطيبة والعواطف الرقيقة مما يعني الوقوع في الكوميديا الخفيفة والسقوط في الرواية الشعبية.

في حين أن اختيار "لا" يضمن مهابة الرفض والتصلب والممانعة، ويتيح الجدل والاعتراض، ويُجلي قيم الفكر النقدي. ومن ثَمّ فإن هذا الشقّ يرى أن الأديب الحقّ هو عقل يُنكر على الدوام، ويبدع ضد الأجيال السابقة وضد الأفكار السائدة. يصح هذا على القدامى مثلما يصح على المعاصرين، حيث ازدادت هيمنة الـ"لا" راديكالية بعد الحرب العالمية الثانية، في شكل ثورة كما هو الشأن لدى بريخت، أو مقاومة كما هي الحال عند كامو وأنوي، أو استحالة الكتابة كما نظّر لها أدورنو، حتى صارت "لا" أشبه بالعدم.

وإذا كان صحيحا أن النوايا الطيبة لا تخلق أدبا جيدا، فإن الأدب الجيد، تقول الكاتبة ليس بالضرورة مأساويا، بل هو صورة عن الحياة التي لا تخلو من مباهج وآمال وطموحات، وتنصح بالتحرر من النماذج الجاهزة للغة والتأكيدات الملائمة وأوجه الرفض القاطعة، والاقتراب من الـ"نعم" لعلها تساعدنا على التخلص من سلبيتنا وتشاؤمنا.

والنصيحة موجهة إلينا نحن أيضا، فكم تطفح كتاباتنا بجلد الذات والانهزامية والانكسار، في وقت يهرب فيه القارئ - على ندرة وجوده - إلى أعمالنا من واقع يضج بالمآسي، لعله يجد فيها نافذة تفتح على الحلم المأمول، فلا يجد منا غير النحيب والعديد.
14